خيار إيران الوحيد: الصمود حتى النهاية
ليس أمام إيران من بديل آخر سوى مواصلة الصمود إلى أن تعلن "إسرائيل" والولايات المتحدة وقف حربهما العدوانية على إيران وإعلان التزامهما بتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار على جميع جبهات القتال.
-
ليس أمام إيران من بديل آخر سوى مواصلة الصمود.
مع كل يوم يمر على حرب "إسرائيل" والولايات المتحدة على إيران، تتكشف حقائق جديدة لم تكن واضحة بالقدر الكافي وتتأكد حقائق قديمة بظهور أدلة إضافية تدعمها. بعض هذه الحقائق يتعلق بالدوافع الكامنة وراء قرار شن الحرب، وبعضها الآخر له صلة بالحسابات الأميركية والإسرائيلية التي استند إليها هذا القرار، وبعضها الثالث بالاستراتيجية الإيرانية في إدارة الأزمة.
عند البحث عن الدوافع الكامنة وراء قرار شن الحرب، ينبغي التمييز بين المطالب الإسرائيلية والأميركية المعلنة وبين دوافعهما الحقيقية. فـ "إسرائيل" والولايات المتحدة يطالبان إيران بما يلي:
1- تفكيك برنامجها النووي بالكامل، لضمان عدم القدرة على تصنيع سلاح نووي في أي وقت، وحرمانها حقها في تخصيب اليورانيوم بأي نسبة على أراضيها، وتسليم كل ما بحوزتها من يورانيوم مخصب بنسبة 60% لطرف ثالث.
2- الامتناع عن تصنيع صواريخ يزيد مداها على 200 كم، مع إخضاع صناعة الصواريخ لديها لرقابة دولية صارمة للتأكد من تنفيذها لهذا الالتزام.
3- قطع علاقاتها بجميع فصائل المقاومة الفلسطينية، خصوصاً حماس والجهاد، وبحزب الله اللبناني، وبجماعة أنصار الله اليمنية وبالميليشيات الشيعية في العراق. ولأنها مطالب تعجيزية في مجملها، فضلاً عن أن معظمها غير مشروع، يبدو جلياً أنها تخفي وراءها نوايا مضمرة تتعلق بالرغبة في إسقاط النظام الحالي واستبداله بنظام حليف، بل وتجريد الدولة الإيرانية من أهم عناصر قوتها، ما يهدد بفتح ثغرة في نسيج مجتمعها متعدد القوميات يمكن النفاذ منها لتفتيت الدولة والمجتمع الإيرانيين إلى كيانات طائفية وقومية صغيرة ومتناحرة.
وعند البحث عن القوى صاحبة المصلحة في هذا القرار، يمكن أن نكتشف بسهولة أن نتنياهو يعد صاحب المصلحة الأكبر في تصعيد الأزمة مع إيران ودفعها باستمرار نحو حافة الهاوية. فمن الثابت أنه سعى باستمرار، وعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود متواصلة، لتوريط الولايات المتحدة للدخول في حرب ضد إيران، لكنه لم ينجح إلا مع ترامب بالذات وبالتدريج.
فخلال فترة ولاية ترامب الأولى، تمكن نتنياهو من إقناعه بأن الاتفاق الذي أبرمه أوباما مع إيران عام 2015 بالغ السوء وينطوي على خطورة بالغة بالنسبة لأمن ومستقبل" إسرائيل"، ولم يكتفِ ترامب بالانسحاب من هذا الاتفاق فحسب، وإنما قام أيا بفرض عقوبات قصوى على إيران.
وحين عاد ترامب إلى البيت الأبيض مجدداً، نجح نتنياهو في إقناعه بأن العقوبات القصوى لم تعد كافية لحمل إيران على التخلي عن برنامجها النووي، وأن الوقت قد حان لتدمير منشآتها النووية، وهو ما تم فعلاً. فقد وافق ترامب على أن يتولى الجيش الأميركي بنفسه هذه المهمة، عبر مشاركة "إسرائيل" في حرب محدودة شنت في حزيران/يونيو الماضي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمن الواضح أن نتنياهو نجح مرة أخرى في إقناع ترامب بأن منطقة الشرق الأوسط لن تهدأ وتستقر إلا بالتخلص نهائياً من النظام الإيراني. وتتوافر دلائل كثيرة على أن ترامب ابتلع طعم نتنياهو الذي صور له أن النظام الإيراني أصبح آيلاً للسقوط وأن التاريخ سيخلد اسم من سيتمكن من الإجهاز عليه، وأنه، أي ترامب، هو الأجدر بنيل هذا الشرف.
لذا، أعتقد جازماً أن أجهزة الأمن الإسرائيلية لعبت دوراً حاسماً في إعداد الملف المعلوماتي الذي أسهم في إغراء ترامب بأن لا يكتفي بمشاركة "إسرائيل" في حرب شاملة ضد إيران وأن يتقدم لتبوؤ موقع القيادة هذه المرة!.
لا جدال في أن إيران كانت تتحسب لهذه اللحظة وتستعد لها، خصوصاً وأنها حانت في أعقاب سلسلة من الإنجازات العسكرية التي تمكنت "إسرائيل" من تحقيقها عقب "طوفان الأقصى".
فعلى الساحة اللبنانية، مُني حزب الله بخسائر كبيرة أجبرته على القبول باتفاق لوقف إطلاق النار في ظروف غير مواتية. وعلى الساحة السورية، أدى انهيار نظام بشار الأسد إلى خروج سوريا من محور المقاومة والتحاقها بالمعسكر المعادي لهذا المحور.
وعلى الساحة الفلسطينية، واصلت "إسرائيل" أعمال الإبادة الجماعية إلى الحد الذي دفع بعدد كبير من الدول العربية والإسلامية للقبول بخطة ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، رغم كل ما تنطوي عليه من مثالب وثغرات.
وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في ترسيخ قناعة النظام الإيراني بأن النيران الأميركية والإسرائيلية تقترب منه بسرعة، ما دفعه لتبني استراتيجية ذات بعدين: التحلي بأقصى قدر من المرونة التكتيكية التي تتيح له أوسع هامش ممكن من القدرة على الحركة والمناورة، وهو ما تجلى بوضوح إبان المفاوضات التي جرت بوساطة عمانية قبل وبعد حرب حزيران/يونيو من العام الماضي، وبأقصى قدر من الصلابة الاستراتيجية في الوقت نفسه كي لا يتمكن الأعداء من النيل منه، وهو ما تجلى بوضوح عبر قراره ضرب جميع القواعد العسكرية والمصالح الأميركية في المنطقة في حال إذا تعرض للهجوم، وهو ما صرح به علناً قبل شن الحرب.
يوحي المسار الذي سلكته الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، منذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير الماضي وحتى كتابة هذه السطور، بملاحظات عديدة، نجمل أهمها على النحو التالي:
الملاحظة الأولى: تتعلق بطبيعة هذه الحرب. فنحن إزاء حرب غير متكافئة، تتمتع فيها "إسرائيل" والولايات المتحدة بتفوق نيراني كاسح، لكنه لا يكفي لحسمها لصالح المبادرين بها.
فالضربة الافتتاحية التي تم التعويل كثيراً على النتائج المتوقعة منها إلى رؤية استراتيجية حول اليوم التالي، وبالتالي لم تتوافر خطط بديلة قابلة للتنفيذ في حال فشل هذه الضربة في تحقيق الأهداف المرجوة، وهو ما حدث بالفعل. صحيح أنها نجحت في اغتيال المرشد الأعلى ومعه أكثر من 40 من قيادات الصف الأول، لكن النظام الإيراني لم ينهر، بل ولم تتأثر كفاءته في إدارة المعركة وهو العنصر الأهم.
ويبدو واضحاًأن الولايات المتحدة و "إسرائيل" راهنتا على أن الشعب الإيراني سيخرج إلى الشوارع "للتعبير عن معارضته للنظام الذي جلب الخراب للبلاد"، وهو ما لم يحدث، بل إن ما حدث هو العكس، حيث التفت المعارضة حول النظام في مواجهة قوى خارجية يدرك الجميع أنها لا تضمر لإيران خيراً ولديها أطماع نهمة في ثرواتها.
ولأن الجميع يدرك أن ترامب، المغرم بممارسة "دبلوماسية القوة"، يفضل الحروب السريعة أو الخاطفة وملتزم تجاه كتلته الانتخابية بعدم الزج بالولايات المتحدة في "حروب لا تنتهي"، لن يقدم على غزو بري واسع النطاق للأراضي الإيرانية، فقد أصبح النظام الإيراني في وضع يسمح له عمليا بتحويل جولة المواجهة الحالية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو تحول لا يخدم الأطراف المبادرة بالحرب.
الملاحظة الثانية: يتعلق بمدى فاعلية الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الأزمة. فهذه الاستراتيجية تتسم بوضوح أهدافها، من ناحية، وبحسن استخدامها للوسائل المتاحة لديها، من ناحية أخرى. فأهدافها تتمحور حول:
1- إقناع العالم بأن إيران لا تسعى لامتلاك السلاح النووي لكنها تتمسك في الوقت نفسه بحقها في برنامج نووي سلمي يسمح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها وفقاً للضوابط المحددة في اتفاقية حظر الانتشار النووي التي ما تزال طرفا فيها.
2- رفض أي محاولة لتقييد برنامجها الصاروخي أو فرض رقابة عليه، من منطلق أنه برنامج دفاعي يتسق مع قواعد القانون الدولي.
3- الإصرار على إدارة علاقاتها الخارجية بشكل مستقل، مع الالتزام في الوقت نفسه بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. فقد تجلت هذه الأهداف بوضوح خلال جولات المفاوضات التي توسطت فيها عمان، قبل وبعد حرب الـ 12 يوماً، حين أصرت على أن يكون البرنامج النووي هو البند الوحيد المدرج في جدول أعمال هذه المفاوضات، مع إظهار قدر كبير من المرونة حول التفاصيل لسد الذرائع، غير أن الولايات المتحدة اتخذت من هذه المفاوضات وسيلة لإخفاء نياتها العدوانية التي سقط القناع عنها تماماً، في حرب الـ 12 يوماً أولاً ثم في الحرب الحالية. أما حسن استخدامها للوسائل المتاحة أمامها، فقد تجلى بوضوح عبر طريقتها إدارة مضيق هرمز "السيطرة الذكية"، من ناحية، وإظهار قدرتها على إلحاق الأذى، لا بـ"إسرائيل" فحسب وإنما أيضاً بالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
الملاحظة الثالثة: تتعلق بالمأزق الذي تواجهه دول الخليج العربية حالياً. فبعد إقدام إيران على تنفيذ تهديدها بضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، انكشف عجز وتبعية هذه الدول لأنها، من ناحية، لا تستطيع فرض سيطرتها على القواعد التي تستضيفها على أراضيها، ما أظهرها بمظهر العاجز عن منع استخدامها في عدوان صارخ على دولة جارة، ولا تستطيع الرد على الهجمات الإيرانية بالمثل، حتى لا تظهر بمظهر الحليف للعدو الإسرائيلي. ولأنها اكتفت، حتى كتابة هذه السطور على الأقل، بصد الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية، فقد انكشفت أمام الجميع حقيقة عارية مفادها أن القواعد الأميركية في الدول العربية لا تحمي بل هي عبء.
في سياق ما تقدم، يبدو واضحاً أنه ليس أمام إيران من بديل آخر سوى مواصلة الصمود إلى أن تعلن "إسرائيل" والولايات المتحدة وقف حربهما العدوانية على إيران، وإعلان التزامهما بتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار على جميع جبهات القتال، ما يفرض على "إسرائيل" ضرورة الانسحاب فوراً من كافة الأراضي التي احتلتها بعد "طوفان الأقصى" في قطاع غزة ولبنان وسوريا، ويفرض على الولايات المتحدة في الوقت نفسه تقديم ضمانات بعدم اللجوء إلى الحرب مرة أخرى كوسيلة لتسوية الصراعات في المنطقة، ويفرض على الجميع ضرورة التوافق لعقد مؤتمر دولي لتسوية جميع قضايا الشرق الأوسط دفعة واحدة، بما في ذلك إخلاء هذه المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. صمود إيران في هذه الحرب الظالمة هو الأمل الوحيد الباقي لتمكين شعوب المنطقة من إزاحة كابوس "إسرائيل الكبرى" الذي يكاد يكتم أنفاسها.