حين يحكم "المُفسد" يتحول كرسي المسؤول إلى سوق "هرج"
المواطن العراقي، الذي راكم خبرة مريرة مع أكثر من موجة "محاربة الفساد" منذ 2003، بات ينظر إلى هذه الحملات بعين الحذر أكثر من عين التفاؤل.
-
العراق يقف بين مسارين: مسار يواصل فيه ترميم الواجهة، بينما يترك الأساس ينخر.
هناك قصور تُشيَّد جدرانها الخـارجية بالرخام والزخارف وأحياناً بالذهب، في بلد يعيش حالة فريدة من التناقضات والتفاوت بين طبقات المجتمع، بينما تنخر (الرطوبة) أساساتها من الداخل حتى تصبح خراباً مقنّعاً بالبهاء.
هذا هو المثال الذي تستحضره حالة عديد من المتصدين للمسؤولية والحكم في العراق، حين تنفصل عن الجسد الاجتماعي الذي يتزعمون تمثيله، فتغدو واجهة برّاقة تُخفي هشاشة بنيان الدولة، إلى أن تأتي لحظة لا يُبقي فيها التصدّع الداخلي مجالاً للمظهر الخارجي كي يخدع أحداً.
والعراق بتاريخه الطويل منذ الإمبراطوريات التي بُنيت وأُسقطت على ضفاف دجلة والفرات، لم يشهد مأسسةً للفساد كما هو اليوم حينما يقدّم أنموذجاً حيّاً لهذه المعادلة التي لم أجد أدّق من وصف ابن خلدون لها في " دورة حياة الدولة" حين ربط انهيار الدول بترف حاكميها وانفصالهم عن العصبية التي أوصلتهم إلى السلطة فهي -تسـهم فـي نشـوء الـدول لكنهـا قـد تتحـول إلـى عامـل ضـعف عنـد تفكـك الروابط الاجتماعية واستشراء الفساد-، وتحوّل الحكم من رسالة خدمة إلى مأدبة استئثار للمسؤول وأقاربه وحاشية من وعاظ السلاطين وممن يُجيدون مسح الأكتاف وتقبيل الأيدي ويبرعون بالنفاق.
فمنذ التغيير الذي أعقب سقوط الهدام عام 2003، تشكّلت في العراق ثلة انتمت إلى طبقة سياسية جديدة، لم تُبنَ شرعيتها على أداء وظيفي أو إنجاز تنموي، بقدر ما بُنيت على توازنات المحاصصة الطائفية والقومية وتوزيع المغانم بين الأقرباء وأبناء الحزب، وهو نظام لم يكن مجرد آلية لتقاسم السلطة، بل تحوّل مع الوقت إلى بيئة حاضنة لتشكّل مصالح متشابكة بين المال والسلاح والمنصب.
وقد نشأت من رحم هذا النظام طبقة حاكمة اكتسبت مع توالي الدورات الانتخابية، احترافاً بالسرقة لمصالحها الخاصة أكثر بكثير من وعيها بمسؤولياتها العامة، فانزلقت تدريجياً نحو ما يُمكن تسميته بـ"دولة داخل الدولة". إذ أمست تُدار الموارد العامة كأنها امتداد للجيوب الخاصة، وتُصاغ القرارات وفق حسابات الاستمرار في السلطة لا وفق مقتضيات الصالح العام.
والفساد في هذا السياق ليس ظاهرة معزولة أو استثناءً يشوب أداء الدولة؛ بل هو نتاج بنيوي لتشكّل النخبة نفسها -على أني لا أرضى تسمية المُفسدين بالنُخبة- ولمنظومة الحوافز التي أنتجها النظام السياسي بعد التغيير.
فحين يُصبح الوصول إلى المنصب مرهوناً بالولاء الحزبي أو الطائفي أو العشائري لا بالكفاية المهنية، يتحوّل المنصب من أمانة عامة إلى غنيمة، يُراد تعظيم عائداتها قبل انتهاء الدورة الزمنية القصيرة التي قد يظل فيها المسؤول في موقعه. وهنا يتحوّل الفساد من سلوك فردي طارئ إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، تتوارثها الأجيال السياسية المتعاقبة بوصفها قاعدة اللعبة لا استثناءً منها، وبالتالي يُصبح الفساد جيناً سياسياً في حلقتهم داخل تدوير المناصب.
وهذا ما يفسّر لماذا لا يقتصر الخلل على المال العام وحده، بل يمتد ليشمل منظومة القيم برمّتها، إذ يصبح الكذب السياسي والتحايل على القانون واستغلال النفوذ ممارسات مقبولة ضمناً أو اعتياداً في سياق أسلوب الحكم، وللأسف لا تثير استهجاناً يوازي حجم ضررها.
هذا الانفصال الأخلاقي لـ(النُخبة) عن مجتمعها لا ينفصل انفصالها الفعلي، الجغرافي، الاجتماعي، الثقافي، والديني، عن الحياة اليومية للمواطن العراقي. فحين يعيش صاحب القرار في مناطق مُرفّهة، محصّنة، مُكيّفة، ومحاط بحواجز أمنية وموكب حماية يفصله عن الشارع، بينما يقف المواطن في طوابير المعاملات "المُذلة" وانتظار إصلاح منظومتيّ الكهرباء والماء ويقارع البطالة ويخرج سالماً من مطبات الشوارع؛ تتشكّل قطيعة نفسية عميقة بين الحاكم والمحكوم، تجعل من خطابه السياسي الرسمي، مهما بلغت بلاغته؛ مجرد كلام لا يجد صدى في وجدان الناس.
وهذه القطيعة هي التي تُنتج مع مرور الوقت، أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على السياسات إلى التشكيك في شرعية النظام السياسي بأكمله، وهي أزمة لا تُعالَج بحملات اعتقال وبروباغندا إعلامية أو وعود انتخابية متكررة، بل تحتاج إلى تحوّل جوهري في العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ولعل ما شهده العراق في تشرين الأول عام 2019 من احتجاجات شعبية واسعة -قبل أن تُباع في سوق الدول المُنتفعة- كانت التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التصدّع. فالشبان الذين نزلوا إلى الساحات لم يكونوا يطالبون بتغيير وزير أو إقالة مسؤول، بل كانوا يعبّرون عن رفض جذري لمنظومة شعروا بأنها استنزفت البلاد وحرمتهم من مستقبل لا يليق بثروات وطنهم.
في مشهد يُذكّر بأن الفجوة بين النخبة والشعب حين تُترك لتتّسع من دون معالجة، لا تبقى مجرد فجوة سياسية، بل تتحوّل إلى صدع اجتماعي يهدد بنية الدولة نفسها. وهذا بالضبط ما يجعل مقولة انهيار الشرعية ليست مجرد تعبير نظري في أدبيات علم الاجتماع السياسي، بل واقعاً معاشاً تختبره الأجيال، جيلاً بعد جيل، منذ أكثر من عقدين ومازال مستمراً.
وإذا كان الفساد المالي يُقاس عادةً بأرقام العقود الوهمية والأموال المهرَّبة وأملاك الدولة المنهوبة والمدفونة في جحور تشبه جُحر سيدهم بالفساد صدام في تكريت؛ فإن الفساد الأخلاقي أشدّ خطورة لأنه يضرب في جذور المنظومة القيمية التي تحكم العلاقة بين المسؤول والمجتمع.
فحين تفقد النخبة الحاكمة إحساسها بالخدمة العامة، وتتحوّل السياسة عندها إلى مهنة لتحصيل الأموال لا رسالة لتحقيق التنمية، يُصبح الفساد المالي نتيجة طبيعية لهذا الانحدار الأخلاقي، لا العكس.
ومن هنا؛ فإن أي معالجة تقتصر على الجانب الإجرائي أو القانوني للفساد، من دون أن تطال البنية الأخلاقية والثقافية التي تُنتج هذا السلوك، ستظل معالجة سطحية، أشبه بترميم واجهة القصر -قصر المسؤول- من دون الالتفات إلى تصدّع أساساته.
والتحرك اللافت في ملف مكافحة الفساد في ظل حكومة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي، تمثّل في حملات تفتيش ومداهمات طالت مواقع نافذة، وإجراءات قضائية بحق عدد من البرلمانيين والمسؤولين، إلى جانب حجز أصول وأموال يُشتبه في كونها حصيلة فساد. وهذه الخطوات، على أهميتها الرمزية والإجرائية، تبقى موضع اختبار حقيقي أمام الرأي العام العراقي الذي اكتوى طويلاً بوعود إصلاح لم تتجاوز حدود الترقيع وتصفية الحسابات بين الخصوم.
فالمواطن العراقي، الذي راكم خبرة مريرة مع أكثر من موجة "محاربة الفساد" منذ 2003، بات ينظر إلى هذه الحملات بعين الحذر أكثر من عين التفاؤل، متسائلاً عمّا إذا كانت هذه الإجراءات تعبيراً عن إرادة إصلاحية حقيقية تطال بنية النظام نفسه، أم أنها أداة انتقائية تُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية نفسها، من دون أن تمسّ جوهر منظومة المحاصصة التي أنتجت الفساد أصلاً.
وهذا التمييز بين محاربة الفساد كإصلاح بنيوي ومحاربته كأداة تصفية حسابات سياسية هو ما يحدّد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت هذه "الحملة" ستشكّل منعطفاً حقيقياً في مسار الدولة العراقية أم مجرد استراحة إعلامية قبل العودة إلى النمط نفسه، أو هي ملف يندرج ضمن ملفات سيقدمها السيد الزيدي كبرهان إصلاح عند لقائه ترمب في منتصف تموز الجاري إذا لم يتأجل لسبب أو لآخر.
فالفساد حين يُختزل في ملفات فردية يُطارَد أصحابها إعلامياً وقضائياً، من دون أن يُعاد النظر في القواعد التي تُنتج الفاسدين أصلاً، يظل علاجاً للأعراض لا للمرض.
أما حين تقترن هذه الإجراءات بإصلاح تشريعي حقيقي، من خلال إرساء معايير شفافة للتعيينات والعقود، وتمكين مؤسسات الرقابة المستقلة من العمل بمعزل عن النفوذ السياسي، فإنها تكتسب معنى مختلفاً تماماً، معنى يمكن أن يبدأ فعلياً في ردم الهوة بين الدولة ومجتمعها.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن السياق الأوسع لإعادة هيكلة القطاع الأمني وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف يتقاطع مع عمق أزمة الشرعية نفسها. فحين تتعدد مراكز القوة السياسية من خلال ما يُسمى "اللجان الاقتصادية" للأحزاب والتيارات والأشخاص ومؤخراً أُضيفت إليها ما تُسمى (الفاشينيستات- المؤثرات في الفضاء الرقمي)؛ خارج الإطار المؤسساتي الرسمي، يُصبح المال العام والنفوذ السياسي مرتبطين بمنظومة حماية موازية، تجعل من محاسبة الفاسدين مغامرة محفوفة بالمخاطر لا مجرد إجراء قانوني روتيني.
لذا؛ فإن نجاح أي مسار إصلاحي حقيقي في العراق مرهون إلى حدّ بعيد، بمدى تقدّم مسار حصر السلاح بيد الدولة وفرض سُلطة القانون، إذ إن الدولة التي لا تملك احتكار القوة الشرعية، لا يمكنها أن تملك سلطة المحاسبة الكاملة مهما بلغت نيّاتها الإصلاحية من دون دعم مجتمعي ونخبوي.
إنّ النُخبة حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، فإنها لا تُخاطر فقط بشرعيتها الخاصة، بل تُخاطر باستقرار الكيان السياسي بأكمله. فالتاريخان القديم منه والحديث، حافلان بأمثلة عن أنظمة بدت راسخة القوة في ظاهرها، بينما كانت نُخبها الحاكمة تحفر بيدها قبر شرعيتها من خلال الترف والاستئثار والانفصال عن معاناة الناس، إلى أنْ تجيء لحظة الانفجار الشعبي أو الانقلاب العسكري أو الفاعل الخارجي ليكشف أن ما بدا صلباً لم يكن سوى قشرة رقيقة فوق فراغ عميق.
والعراق بما راكمه من تجارب مريرة مع الانقلابات والحروب والانهيارات المتتالية منذ منتصف القرن الماضي، يحمل في ذاكرته الجمعية وعياً حادّاً مع هذه المعادلة، وعيّاً ينبغي أن يكون حاضراً في أذهان صانعي القرار اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وما يزيد المسألة تعقيداً في الحالة العراقية؛ أن أزمة الشرعية لا تنفصل عن أزمة الهوية السياسية للدولة نفسها، في ظل تجاذبات إقليمية ودولية تجعل من العراق ساحة لتصفية حسابات لا طرفاً مالكاً لقراره السيادي الكامل.
فحين تنشغل النُخبة بإدارة توازناتها الخارجية أكثر من انشغالها بمعالجة أزماتها الداخلية، يتعمّق الشرخ بين الدولة ومجتمعها، ويُصبح الحديث عن الإصلاح مجرد جزء من لعبة أوسع لا غاية في نفسها. وهذا ما يجعل استعادة الثقة الشعبية بالمؤسسات مهمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو القانوني فقط، بل تستدعي إعادة تعريف جوهرية لمعنى السيادة والاستقلالية في القرار الوطني.
إنّ المرجعيات الدينية والحكماء لمختلف الأديان والمذاهب، بما تحمله من إرث ديني وأخلاقي عميق في الوجدان العراقي، قدّمت ومازالت تقدم في هذا السياق؛ مرجعية قيمية بديلة على مدى العقدين الماضيين تُذكّر مراراً بأن السلطة أمانة لا غنيمة، وأن الحاكم مسؤول أمام الله وأمام الناس قبل مسؤوليته أمام حزبه أو كتلته.
وهذا الخطاب، الذي تكرّر بصيغ مختلفة في مناسبات دينية ووطنية عديدة، لا يمكن اختزاله بموعظة أخلاقية عابرة، بل هو تذكير مستمر بمعيار أخلاقي أعلى، بقيت النُخبة السياسية في غالب الأحيان، عاجزةً عن الارتقاء إليه أو غير راغبة في ذلك أصلاً.
إنّ استعادة العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم في العراق تتطلّب أكثر من مجرد ملاحقة قضائية لعدد من الفاسدين، مهما كانت رمزيتهم السياسية، إذ إنها تتطلّب إعادة بناء منظومة القيم التي تحكم عمل الدولة من أساسها، بحيث يصبح المنصب العام مساحة للخدمة لا للامتياز، ويُصبح المال العام أمانة محروسة لا غنيمة متاحة، ويُصبح القرب من صاحب القرار معياراً للمساءلة لا للحصانة.
وهذا تحوّل لا يمكن أن يتحقق بقرار فوقي أو بحملة إعلامية عابرة، بل يحتاج إلى إرادة سياسية- وطنية- صلبة، مسنودة بمشاركة مجتمعية واعية، وبمؤسسات رقابية مستقلة قادرة على أن تكون عيناً ساهرة لا واجهة شكلية.
وحين نعود إلى صورة القصر الذي افتتحنا بها سردية هذه المقالة؛ يُصبح واضحاً أيّها المُطالـع/ة؛ أنّ السؤال الحقيقي ليس عن مدى بريق الواجهة، بل عن متانة الأساس الذي يقوم عليه البناء كله. فالدول، كالقصور، لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، من الداخل، حتى تصبح جاهزة للانهيار عند أول هزة أو اختبار متانة.
والعراق اليوم بلحاظ ما يحصل فيه وحوله، يقف عند مفترق حقيقي بين مسارين: مسار يواصل فيه ترميم الواجهة، بينما يترك الأساس ينخر.
ومسار ثانِ يُقَرّر فيه -وهذا أمل الأغلبية الصامتة- أنْ يواجه التصدّع من جذوره، ويعيد بناء العلاقة بين النُخبة والمجتمع على أسس من الشفافية والمساءلة والخدمة الحقيقية. وما بين هذين المسارين؛ تُكتب اليوم الفصول المبهمة من قصة الدولة العراقية الحديثة تحت نظام يحتاج إصلاحاً لعلّاته الجسيمة بأدوات من خارج صندوق البيروقراطية التي يتحكّم بها من يمسك بزمام المسؤولية والسلطة، لكن أمام أعيُن شعب لم يَعد مستعداً للصبر.
ملاحظة: سوق هرج هي سوق بيع الأدوات العتيقة، وهو مسمى شائع جداً محلياً في العراق.