"جْدَيدة عرطوز": اختبارٌ لسوريا الجديدة
هل تملك السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، من الأدوات ما يكفي لتحويل هذا الاحتقان المتعدّد الأوجه، إلى مسار اندماج وطني فعلي، أم أنّ سوريا مقبلة على مرحلة تتكرّر فيها حوادث مشابهة؟
-
خلافٌ بين أطفال في بلدة "جديدة عرطوز" تحول إلى حادثة شغلت الرأي العام السوري.
مساء الخميس الماضي، وفي يومٍ صيفيٍّ عاديّ، تحوّل خلافٌ بين أطفال في بلدة "جديدة عرطوز" في ريف دمشق، إلى حادثة شغلت الرأي العام السوري لعدّة أيام.
بدأت القصة بشجارٍ عابرٍ بين صبية من أبناء البلدة، وآخرين من أبناء محافظة دير الزور المقيمين فيها، ثم تدخل الأهل، فتطوّرت المشاجرة إلى استخدام العصي والفؤوس، وأُصيب أحد شبّان جديدة عرطوز في رأسه، وانتشرت بين ذويه إشاعة عن وفاته، فارتفع منسوب الغضب وامتدّ إلى محاولة اعتداء على المنازل.
وفي اليوم التالي، تجدّد التوتر بشكل أعنف، مع إطلاق نار عشوائي وأعمال تخريب، لتقوم قوى الأمن الداخلي بفرض حظر تجوال ونشر حواجز في المنطقة، فيما تحدثت مصادر أهلية عن "هجوم مُنظّم" شنّته مجموعات من عشائر دير الزور، أدى إلى وقوع إصابات بين الأهالي. ونُشرَت مقاطع لتظاهرات من أبناء المنطقة، تضمّنت هتافات واتهامات للعشائر. ما يجعل لهذه الحادثة دلالة أكثر من كونها شجارًا عابرًا، رغم أنّها لم تكن الأولى من نوعها في البلدة.
فجديدة عرطوز، التي تقع على أطراف الغوطة الغربية، وتضم نسيجًا اجتماعيًّا متنوّعًا من مسلمين سنّة وأقليات من عدة طوائف، والتي استقبلت أيضًا، الكثير من اللاجئين العراقيين بعد احتلال العراق، تنقسم إلى قطاعين: الأول ذو طابع مُنظّم ومُخدّم، والثاني يُعرف بـ"جديدة الفضل"، ويغلب عليه طابع العشوائيات، وهو مسرح الحادثة المذكورة. وقد شهدت جديدة الفضل حتى قبل العام 2011، توترات محلية متقطّعة بين مكوناتها الأصلية والوافدة إليها، وإنْ بقيت في حدود ضيقة، لم تتخذ يومًا طابع المواجهة الشاملة الذي شهدته الأيام الأخيرة.
وما تغيّر جوهريًّا بعد سقوط النظام السابق، هو الكثافة السكانية الجديدة التي اكتظّت بها البلدة، إذ استقبلت خلال سنوات الثورة والحرب، أعدادًا كبيرة من نازحي المناطق المجاورة، وجدير بالذكر هنا، أنّ معظم أراضي بلدة "الجديدة" تعود ملكيّتها لأهالي مدينة "داريّا"، التي تُجاورها من الشرق.
وأهل داريّا، الذين خرجوا منها مع مسلّحيها وعائلاتهم إلى الشمال السوري بعد اتفاق الإخلاء عام 2016، ثم عادوا تباعًا بعد سقوط النظام، حاملين معهم شعورًا قويًّا بأنهم أساس الثورة ورافعتها في تلك المناطق، بوصف داريا إحدى أوليات المدن التي خرجت بالسلاح في وجه النظام، وتحمّلت حصارًا طويلًا وتهجيرًا شبه كامل لسكانها.
هذا الشعور بالانتماء التأسيسي للثورة، انعكس في الأزمة الأخيرة على شكل اتّهامات وُجّهت لعناصر أمنيّة محليّة من أبناء داريا والمنطقة، بالانحياز إلى جانب أهالي البلدة الأصليين في مواجهة عشائر دير الزور، بل واتهامها بالمشاركة الفعلية في الاعتداء على مدنيين، وهو ما فاقم إحساس الغبن لدى الطرف الآخر، وحوّل النزاع من مشكلة بين أطفال، إلى قضية ثقة بمؤسّسة الأمن نفسها.
هذا النمط، أي تحوّل حادثة فردية إلى اصطفاف بين "أبناء البلدة" و"الوافدين إليها" مع تشكيك متبادل في حياد الأجهزة الأمنية المحليّة، ليس حكرًا على جديدة عرطوز. ففي مدينة "التلّ"، الواقعة إلى الشمال من دمشق، والتي استقبلت خلال سنوات الحرب أعدادًا هائلة من النازحين، حتى عُرفت بـ"مدينة المليون نازح"، حدثت في الأسابيع الأخيرة توتّرات مشابهة، وأيضًا بين أشخاص من محافظة دير الزور، وسكان محليين من البلدة. وفي الحالتين، جديدة عرطوز والتل، يتكرر العنصر نفسه: بلدة استقبلت أعدادًا من الوافدين والنازحين فوق طاقتها الأصلية، وحادثة محدودة تتحول سريعًا إلى قضية هويّة جماعيّة، وصولًا إلى إطلاق أوصاف عنصرية وتوزيع صكوك ثورية، وسط عجز أو تلكّؤ من الأجهزة الأمنية المشكّلة حديثًا، عن احتواء التوتر قبل أن يتصاعد، ما يفتح الباب أمام اتهامات الانحياز والتشكيك بحياد الدولة نفسها.
وتغذّي هذا الشعور بالاصطفاف، نظرة تحملها عشائر دير الزور عن نفسها، تتجاوز موقعها كطرف في نزاع محلي عابر، إلى موقع أقرب لصاحب فضل على السلطة الجديدة نفسها. فأبناء هذه العشائر، يستحضرون بشكل متكرر دورهم في معارك كانون الثاني/ ديسمبر العام 2026، حين شكّل تحرّك مقاتليهم العامل الحاسم الذي سهّل انهيار سيطرة "قسد" السريع في محافظتيّ الرقة ودير الزور، وفتح الطريق أمام تقدم قوات الحكومة نحو الجزيرة السورية، وكذلك عند الهجوم على مناطق الساحل السويداء قبل ذلك. وهو ما يمنحهم، برأيهم وبنظر أنفسهم، صفة "القوة الضاربة" التي حسمت "الملفّات الخطرة" لصالح دمشق.
ويُضاف إلى هذا الرصيد العسكري الحديث، رصيد رمزي أعمق تاريخيًّا، إذ تعتبر مدينة "الشّحيل" في شرقيّ دير الزور، معقل قبيلة "العقيدات" التي ينتمي إليها الكثير من أطراف حادثة جديدة عرطوز، أول موطئ قدم لـ "جبهة النصرة" في سوريا منذ العام 2012، حين عاد إليها عدد من أبنائها الذين انخرطوا في التنظيمات الجهادية التي قاتلت في العراق، وتحولوا إلى قادة مؤسسين للجبهة هناك. بل إنّ انطلاقة الرئيس السوريّ الانتقالي أحمد الشرع، نفسه، كانت من مدينة "الشحيل"، بعدما دخلها قادمًا من العراق، وأقام فيها لفترة قبل أن يبدأ ورفاقه بالعمل داخل البلاد.
هذا المزيج بين "الفزعة" العسكرية الحديثة، و"الأصالة" الثورية القديمة، يمنح هذه العشائر، في وعيها الذاتي، شعورًا بأنّها ليست طرفًا هامشيًّا يُدار من قبل السلطة، بل أحد أعمدتها التي قامت عليها، وهو ما يفسر جزئيًّا، صلابة موقفها وسرعة تعبئتها حين تشعر بأنّ كرامتها الجماعية موضع تهديد أو تشكيك، سواء في جديدة عرطوز أم في غيرها.
ولا يمكن فصل هذا التوتر الاجتماعي، عن سياقٍ اقتصادي ومعيشي أكثر اتساعًا، يضغط على السوريين هذه الأيام. فقد شهدت مناطق عدة احتجاجات متكررة على الغلاء وتسعيرة القمح، وقد اضطرت الحكومة الانتقالية لإصدار مرسوم تشريعي يمنح مكافآت تحفيزية للفلاحين، لامتصاص الغضب الريفي.
وإلى جانب هذا الملف المعيشي البحت، برز في الأيام الأخيرة ملف أكثر حساسيّة وأعمق أثرًا في الذاكرة الجمعية، وهو ملف قوانين الاستملاك القديمة. فقبل أيام قليلة، في 28 آب/ أغسطس 2026، نظّم عشرات المواطنين وقفة احتجاجية أمام مبنى مجلس الشعب في دمشق، حاملين وثائق ملكيّتهم وسندات "الطابو الأخضر"، رفضًا لإنذارات إخلاء استندت إلى قرار استملاك صادر عام 1975، في عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد، إلى جانب مطالبات أوسع بإسقاط ما وصفوه بـ"القوانين الأسدية"، وفي مقدمتها المرسوم التشريعي الرقم /66/ وقوانين التأميم والإصلاح الزراعي والإيجار القديم. وقد تكرّر مشهد مشابه في حلب، حيث احتج أهالي حي "الليرمون" أمام القصر العدلي، رفضًا لاستملاك أراضيهم بموجب مراسيم يعتبرونها جائرة.
هذه الاحتجاجات، تكشف عن بُعد آخر لأزمة الثقة بين المواطن والدولة الوليدة: فبينما تحاول الحكومة الجديدة إعادة بناء شرعيتها على أساس القطيعة مع إرث النظام السابق، ما تزال الأدوات القانونية والإدارية التي ورثتها عنه، من ملفات الملكية العقارية إلى آليات الاستملاك، حاضرة وفاعلة، بل ومُطبَّقة أحيانًا بالحرفية نفسها التي عرفها السوريون في العقود الماضية، ما يجعل "الفلول" في نظر كثيرين، ليسوا فقط أشخاصاً بعينهم، بل منظومة تشريعية كاملة لم تُفكَّك بعد.
وإذا انتقلنا من ملف الأرض والحالة المعيشة إلى ملف الشرعية السياسية، يتّضح أنّ التوتر لا يقتصر على مناطق العودة والاختلاط السكاني، بل يطال أيضًا، الحاضنة الأيديولوجية الأصلية للحكم الجديد، أي إدلب وريفها. فمنذ منتصف حزيران/ يونيو 2026، تشهد بلدات "سراقب" و"مَعرّة مصرين" و"جسر الشغور" و"جبل الزاوية"، وهي بلدات شكلت النواة الاجتماعية التي احتضنت "هيئة تحرير الشام" قبل توسّعها نحو دمشق، تظاهرات متكرّرة تطالب بمحاسبة من تسميهم "فلول النظام المخلوع" وترفض "إعادة تعويمهم" في الحياة العامة. وترفع هذه التظاهرات شعارات من نوع "هذه الحكومة من نتاج الثورة وهذه مطالب الثورة"، وهي صياغة تكشف أنّ الاحتجاج لا يطعن بشرعيّة الحكم، بقدر ما يحاسبه بمعيار ثوري داخلي، لكنه يُعبّر مع ذلك، عن فجوة ثقة متصاعدةٍ بين القاعدة الأيديولوجية وبين أداء مؤسسات الدولة الوليدة، رغم أنّ وزارة الداخلية أعلنت عن نحو /5989/ موقوفًا من عناصر النظام السابق، وهو رقم تراه قطاعات من الحاضنة، متواضعًا، قياسًا بحجم المطالب.
وهكذا، من جديدة عرطوز إلى التل، ومن وقفة مجلس الشعب ضد قوانين الاستملاك إلى تظاهرات سراقب وجسر الشغور، يتشكل مشهد واحد متعدد الواجهات: دولة انتقالية لم تستكمل بعد بناء أدواتها الأمنية والقضائية الموحدة، في مواجهة مجتمع منهك يحمل معه ذاكرة نزوح وعودة وملكية مصادرة، وحاضنة ثورية تطالب اليوم بما وعدتها به الثورة بالأمس. والسؤال الذي يُترَك مفتوحًا في نهاية كل هذه الحوادث، هو ذاته: هل تملك السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، من الأدوات ما يكفي لتحويل هذا الاحتقان المتعدّد الأوجه، إلى مسار اندماج وطني فعلي، أم أنّ سوريا مقبلة على مرحلة تتكرّر فيها حوادث مشابهة؟
وطالما بقيت الفجوة بين وعود الثورة وأداء الدولة، على حالها، فهذا من المستبعد، بل ربما هذا ما يفسّر لجوء السلطة إلى الحلول الآنيّة، وسعيها الحثيث مؤخّرًا، لإنهاء مظاهر كلّ مشكلة، لا لمعالجة أسبابها وحلّها.