حين فرض الصمود منطق التفاهم: إيران تنقل الردع إلى طاولة الندية

امتلكت الولايات المتحدة تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً هائلاً، لكنها لم تستطع تحويله إلى نتيجة سياسية محسومة. فالقوة قد تهدم المنشآت، لكنها لا تنتزع بالضرورة قرار الدولة؛ وقد تبدأ الحرب، لكنها لا تضمن امتلاك نهايتها.

  • إيران تنقل الردع إلى طاولة الندية.
    إيران تنقل الردع إلى طاولة الندّية.

لا تبدأ هزيمة الدول حين تُقصف مدنها أو تُستهدف منشآتها، بل حين يُنتزع منها قرارها، ويصبح خصمها قادراً على تحديد موقعها ومستقبلها. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية: لا باعتبارها خاتمة للصراع، بل بوصفها إقراراً بأنّ العدوان أخفق في كسر إرادة إيران أو تجريدها من عناصر قوتها.

في مقالنا السابق، "من فشل العدوان إلى عزلة الكيان: إيران تفرض معادلة الردع"، خلصنا إلى أنّ التفوّق الناري الأميركي - الصهيوني عجز عن التحوّل إلى حسم سياسي. أما المذكّرة، فتسجّل النتيجة السياسية لذلك العجز: القوة التي أرادت فرض شروطها بالقصف عادت إلى طاولة الالتزامات المتبادلة، والدولة التي كان مطلوباً إخضاعها دخلت التفاوض محتفظة بقرارها وأوراقها الأساسية.

لم تولد المذكّرة في هدوء الدبلوماسية، بل من قلب مواجهة استهدفت بنية الدولة الإيرانية، وقدراتها الدفاعية، واقتصادها، وتماسك مجتمعها، ودورها الإقليمي. تحمّلت إيران خسائر قاسية، لكنها منعت العدوان من بلوغ غايته السياسية. بقيت الدولة متماسكة، واستمر الردّ، واتسعت الكلفة حتى عجزت واشنطن عن التحكّم منفردة في مسار الحرب وخاتمتها.

فالندّية لا تعني تساوي القوات والقواعد والأساطيل، بل قدرة الطرف الأقل تفوّقاً على حرمان الأقوى من حرب مجانية، وإسقاط الوهم القائل إنّ امتلاك أدوات التدمير يمنح صاحبها حقّ التصرّف بإرادة الآخرين.

حين يفقد الأقوى حرية الحرب

امتلكت الولايات المتحدة تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً هائلاً، لكنها لم تستطع تحويله إلى نتيجة سياسية محسومة. فالقوة قد تهدم المنشآت، لكنها لا تنتزع بالضرورة قرار الدولة؛ وقد تبدأ الحرب، لكنها لا تضمن امتلاك نهايتها.

وحين امتدت الكلفة إلى القواعد والمصالح الأميركية، وأمن الملاحة والطاقة، وعمق الكيان الصهيوني، تغيّر السؤال في واشنطن. لم يعد: كيف نزيد الضغط على إيران؟ بل: إلى أين يقود التصعيد؟ وكم تستطيع الولايات المتحدة أن تدفع مقابل أهداف تبتعد كلما اتسعت الحرب؟

عند هذه النقطة استعادت السياسة موقعها، لا لأنّ نزعة الهيمنة الأميركية تبدّلت، بل لأنّ الردع وضع أمامها حدوداً عملية. فالتفاوض لا يبدأ دائماً حين تتقارب الإرادات؛ أحياناً يبدأ حين تعجز إحداها عن فرض نفسها كاملة.

ولم يكن انتقال إيران إلى التفاوض تراجعاً عن الصمود، بل تحويلاً لثماره إلى مكسب سياسي. فما عجزت النار عن انتزاعه، لم يعد ممكناً فرضه بالحبر.

ما عجز العدوان عن انتزاعه

تكشف لغة المذكّرة طبيعة التوازن الذي فرضته المواجهة، فهي تقوم على وقف العمليات، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وفتح الطريق نحو اتفاق نهائي. إنها لغة التزامات متبادلة سجّلت سياسياً ما فرضه الصمود ميدانياً.

لكنّ الدلالة الأهمّ تكمن فيما غاب عنها: لا تفكيك فورياً للبرنامج النووي، ولا إخراج قسرياً للمواد المخصّبة، ولا نزع للقدرات الصاروخية، ولا مساس ببنية الدولة أو استقلال قرارها. أما الملفات المعقّدة فقد انتقلت إلى التفاوض، بما يعني أنّ طهران لم تدخل الطاولة بعد أن سلّمت أوراقها، بل وهي ممسكة بها.

وفي الملف النووي، لا يصحّ القول إنّ إيران تخلّت عن مشروع عسكري قائم؛ إذ لم يثبت أصلاً اتخاذها قراراً بإنتاج السلاح النووي، بل أعادت تثبيت موقف أعلنته سياسياً وفقهياً منذ سنوات: عدم السعي إلى امتلاكه. والفارق كبير بين فرض التراجع عن مشروع قائم، وإدراج موقف معلن ضمن تفاهم متبادل.

أما مضيق هرمز، الذي سيسعى الخطاب الأميركي إلى تقديم إعادة فتحه بوصفه انتصاراً، فلم يكن مغلقاً قبل العدوان، ولم يتحوّل إلى ورقة مواجهة إلا بعد فرض الحصار واستهداف صادرات إيران. لذلك لا تمثّل عودة الملاحة تنازلاً منفصلاً، بل تراجعاً متبادلاً عن إجراءات صنعتها الحرب: يتوقّف الحصار والعدوان، فتنتفي التدابير التي فرضها التصعيد.

وهنا تظهر الحقيقة التي سيحاول ضجيج الدعاية إخفاءها: عادت واشنطن إلى التفاوض بشأن قضايا كان يمكن بحثها قبل الحرب، ولكن بعد أن دفعت المنطقة ثمن محاولة فرضها بالقوة.

الدولة التي جلست خلف المفاوض

لم يستمد المفاوض الإيراني موقعه من المهارة الدبلوماسية وحدها، بل من الدولة التي جلست خلفه. فقد أظهرت المواجهة ترابطاً بين القرارين العسكري والسياسي: ردع لا يغلق باب التسوية، وتفاوض لا ينفصل عن قوة الميدان.

الدبلوماسية بلا أوراق ليست تفاوضاً، بل استقبال منظّم للضغوط. وإيران أبقت أبوابها مفتوحة وهي تردّ، ثمّ تفاوضت عندما أصبح وقف العدوان ممكناً من دون التفريط بجوهر موقفها.

كما فشل الرهان على الداخل الإيراني. لم تختفِ الأزمات أو التباينات، لكنّ العدوان أعاد تعريفها: فعندما يصبح الخارج مهدّداً لوجود الدولة وسيادتها، لا تعود الخلافات الداخلية تصريحاً له بالعبور. والتفّ قطاع واسع من الإيرانيين حول دولتهم، لا تفويضاً مطلقاً للسلطة، بل رفضاً لتحويل الخلاف السياسي إلى ثغرة ينفد منها المعتدي. وهكذا انقلب رهان نتنياهو على تفكيك الداخل إلى عامل عزّز قدرة طهران على الاحتمال والمناورة.

ترامب واختراع نصر لم يقع

سيقدّم دونالد ترامب المذكّرة باعتبارها انتصاراً شخصياً. سيقول إنه منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وأعاد الملاحة إلى مضيق هرمز، وحمى القوات الأميركية، وأجبر طهران على التفاوض.

هذه الرواية ضرورة سياسية لرئيس بدأ الحرب بخطاب الحسم، ولا يستطيع تفسير العودة إلى الطاولة بوصفها خفضاً لسقف أهدافه؛ لذلك سيقدّم احتواء بعض آثار الحرب باعتباره إنجازاً للحرب نفسها.

لكنّ الوقائع لا تمنحه هذا النصر. لم تثبت أنّ إيران اتخذت قراراً بإنتاج سلاح نووي، والمضيق لم يكن مغلقاً قبل العدوان، والقواعد الأميركية لم تكن تواجه هذا الحجم من التهديد، وأسواق الطاقة لم تكن معلّقة على حافة الاضطراب. أشعلت واشنطن الأزمة، ثمّ ستقدّم تخفيف آثارها بوصفه ثمرة لها.

ولو كان العدوان قد حقّق حسماً سياسياً، لما احتاجت الولايات المتحدة إلى تفاوض متبادل، ولا إلى تأجيل القضايا الأصعب، ولا إلى ربط الملف النووي بالحصار والعقوبات والنفط والأموال الإيرانية. فالحسم يفرض الشروط؛ أما المقايضة والتأجيل والبحث عن الضمانات، فتقرّ بأنّ القوة لم تمنح واشنطن ما أرادت.

الكيان الصهيوني خارج الغرفة

أراد الكيان الصهيوني حرباً تنتهي بإيران ضعيفة، منزوعة الأدوات، معزولة عن محيطها وقوى المقاومة. لكنّ المذكّرة أوقفت الجولة من دون أن تمنحه أهدافه الكبرى، وأبقت إيران طرفاً لا يمكن تجاوز حضوره في أيّ ترتيب إقليمي.

ولهذا يبدو الكيان الطرف الأكثر انزعاجاً من التفاهم. فتوقّف الحرب يسحب من نتنياهو البيئة التي استخدمها لتوسيع العدوان وخلط الجبهات، ويضع حدوداً أمام مشروعه القائم على إبقاء المنطقة في حالة حرب دائمة.

وإدراج لبنان ضمن وقف العمليات واحترام السيادة يضع واشنطن أمام التزام يتجاوز طهران إلى ضبط حليفها. وهنا يبرز الاختبار الحقيقي: قدرة الولايات المتحدة على منع الكيان من تخريب تفاهم يقيّد حركته ويهدّد مشروعه.

فالكيان يملك سجلاً طويلاً في الاغتيالات والغارات والاستفزازات المصمّمة لإعادة إشعال الجبهات. وقد يرى نتنياهو في نجاح المسار السياسي خطراً على مشروعه أكبر من خطر استمرار الحرب.

الحبر الذي يحرسه الردع

لا تنهي المذكّرة جذور الصراع، ولا تفكّك منظومة العقوبات، ولا تحسم الملف النووي أو مستقبل التوازنات الإقليمية. إنها هدنة بين عدوان أخفق في تحقيق أهدافه وتسوية لم تنضج بعد.

وقيمتها ليست في صياغتها، بل في تنفيذها: وقف العدوان، ورفع الحصار، وتمكين إيران من حقوقها الاقتصادية، ومنع استعادة الشروط التي فشل القصف في فرضها، وإلزام الكيان بوقف اعتداءاته على لبنان.

فإذا نُفّذت الالتزامات، تكون إيران قد نقلت معادلة الردع من الميدان إلى السياسة من دون أن تتخلّى عن جوهر قوتها. أما إذا جرى الالتفاف عليها، فستتحوّل المذكّرة إلى استراحة يعيد خلالها المعتدي ترتيب صفوفه.

لقد أُريد لإيران أن تكون موضوعاً في ترتيبات الآخرين، فإذا بها تفرض نفسها طرفاً في صياغتها. لم تمنع طهران الألم أو تتجنّب الخسائر، لكنها منعت توظيفهما لكسر إرادتها وانتزاع قرارها السياسي.

فالوثائق لا تصنع موازين القوى؛ إنها تسجّل ما صنعه الميدان. وما سجّلته المذكّرة أنّ زمن استهداف إيران من دون ثمن قد انكسر. لكنّ الحبر لا يحرس نفسه؛ وما تكتبه المفاوضات قد تمحوه غارة غادرة، ما لم تبقَ القوة حاضرة، والجبهة متماسكة، والقرار مستقلاً.

لقد ظنّ من أشعلوا النار أنهم يملكون خاتمتها، فإذا بإيران تنتزع بالصمود حقّها في كتابتها. جلست إلى الطاولة محتفظة بقرارها وأوراقها، بعدما صار التفاوض نفسه اعترافاً بأنّ الحرب أخفقت في كسر إرادتها.

وتلك هي الخلاصة: من يحرم عدوه من تحويل النار إلى نصر سياسي، يفرض حضوره شريكاً في كتابة ما بعدها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.