حروب "إسرائيل" تعمّق القلق ولا تبدّده

"إسرائيل" اليوم عالقة بين عاملين: قلق متزايد لدى المستوطنين من تهديد مستمر وغير قابل للسيطرة، وتصاعد رفض المجتمع الدولي لممارساتها العدوانية.

0:00
  •  خيارات المشروع الصهيوني تتقلّص ولا تتوسّع كما يظن البعض.
    خيارات المشروع الصهيوني تتقلّص ولا تتوسّع كما يظن البعض.

لا يمكن فهم رفض نتنياهو للخطط الأميركية في غزة، وعلى رأسها خطة ترامب لإنشاء مجلس سلام، إلا كأحد المؤشّرات على حقيقة تتعزّز مع الوقت: أنّ يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم ينتهِ في "إسرائيل"، وأنّ الصدمة التي أصابت السياسيين والعسكريين الإسرائيليين لا تزال مفاعيلها مستمرة.

ولا تزال حالة الخوف والقلق الوجودي وانعدام الثقة بقدرة المنظومة السياسية والعسكرية الإسرائيلية على حماية الكيان، الذي نشأ أصلاً بطريقة غير طبيعية، هي السائدة.

فعلى الرغم من مرور عامين على خوض "إسرائيل" حروباً متواصلة على أكثر من سبع جبهات، بدعم أميركي ومساندة واضحة من المنظومة الغربية، ورغم كلّ ادّعاءات القادة الإسرائيليين بتحقيق الإنجازات، نجدهم ما زالوا يعلنون قلقهم وخشيتهم من التهديدات المحيطة، وكأنهم لم ينجزوا شيئاً، معبّرين عن هواجسهم تجاه كلّ المشاريع التي يزعم ترامب أنها ستزيل أسباب القلق والتهديد.

في غزة، يدّعي العدو أنّ حماس تعيد بناء نفسها وتعزّز حضورها في المناطق غير الخاضعة لسيطرة "الجيش" الإسرائيلي.

وفي لبنان، تتصاعد الدعاية الصهيونية حول تعاظم المقاومة، مع تهديدات متكرّرة بشنّ حملات جديدة لإضعافها، في ظلّ استمرار "الجيش" الإسرائيلي بإجراء تدريبات ومناورات تحاكي نظرية التصعيد المقبل على هذه الجبهة.

أما مع إيران، فقد عاد الحديث المكثّف عن قدراتها الصاروخية، وعن استمرار طهران في تطوير صناعاتها الصاروخية وتجديد ترسانتها.

وليس الوضع في الجبهات الأخرى بأقلّ حساسية للكيان؛ ففي الجبهة الشرقية مع الأردن، ورغم توقيع اتفاقية سلام مع عمان، شرع "الجيش" الإسرائيلي ببناء جدار على طول الحدود. كما وصف وزير الحرب الإسرائيلي كاتس المسيّرات التي تنقل أسلحة من مصر إلى الضفة الأخرى من الحدود بالتهديد المركزي.

وفي الجبهة السورية، تصاعدت الاحتكاكات مع المواطنين السوريين، خاصة في بيت جن، بعد توغّلات الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الواقع عبّر عنه رئيس أركان "الجيش" الإسرائيلي بقوله: "الحرب لم تنتهِ، وجولات محتملة مقبلة، وإسرائيل لا تزال تحت التهديد".

وبدوره، لا يتوقّف نتنياهو عن استخدام هذا الواقع كحجّة للحصول على مزيد من التغاضي الأميركي تجاه سلوكه العدواني، ومطالبته بالمزيد من الدعم والمساعدة لمشاريع "إسرائيل" الحربية.

يبدو أنّ حروب "إسرائيل" خلال العامين الماضيين لم تحقّق الهدوء ولا شعور الأمن للكيان، إذ لا يزال عموم المستوطنين يعيشون حالة من القلق تجاه مختلف الجهات المحيطة. ففي استطلاع أجراه معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي مؤخّراً، أجاب 64% من المستوطنين بأنهم يشعرون بالقلق بشأن الوضع الأمني في الساحة اللبنانية، وهي نسبة مشابهة تقريباً لأولئك القلقين بشأن الوضع في غزة.

هذا القلق يثير أسئلة حول أسبابه الحقيقية ومدى مصداقية ارتباطه بالتهديدات الأمنية والعسكرية المحيطة بـ "إسرائيل". بالطبع، لا يمكن إنكار أنّ محور المقاومة شكّل على مدى أربعين عاماً تهديداً حقيقياً لـ "إسرائيل"، وقد حقّق سلسلة من الانتصارات على "تل أبيب" وواشنطن، بدءاً من تحرير لبنان عام 2000، مروراً بتحرير غزة عام 2008، ووصولاً إلى ترسيخ قواعد الردع على الساحتين الفلسطينية واللبنانية.

هذه الإنجازات تراكمت منذ مقاومة حركة عز الدين القسام، مروراً بمنظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وما أحدثته من تعزيز قدرات فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين، مؤكّدة أنّ شعوب المنطقة لم تقبل ولن تقبل بالمشروع الصهيوني القائم على احتلال فلسطين وإنشاء كيان وظيفي لخدمة الغرب ومنع استقلال وسيادة دول المنطقة.

إنّ ما قام به محور المقاومة خلال الأربعين سنة الماضية ليس سوى امتداد طبيعي لرفض شعوب المنطقة، بأطيافها كافة، لمبدأ فرض الكيان الإسرائيلي كـ "دولة" طبيعية في منطقة غرب آسيا. هذا الرفض وهذه الروح المقاومة تمثّل التهديد الحقيقي للعدوانية الإسرائيلية، وهو رفض لم ينشأ نتيجة صراع على حدود أو مصالح اقتصادية أو نفوذ بين قوى متناقضة، بل له طابع وجودي.

فالحقائق تؤكّد أنّ "إسرائيل" تشكّل تهديداً لوجود مجموعة بشرية كاملة، إذ تستهدف ثقافتها ومبادئها وتحاول تحويلها من كيان فاعل ومؤثّر إلى تابع متلقٍّ، وهو ما لا يمكن لأيّ أمّة تحترم وجودها الإنساني أن تقبله. وكلّ المقاتلين في المنطقة منذ سبعين عاماً كانوا مقاومين لمشروع واحد، وهو المشروع الصهيوني، الذي عبّر عنه نتنياهو بوضوح عند حديثه عن مشروع "إسرائيل الكبرى".

ومع ذلك، من المؤكّد أنّ الحروب الإسرائيلية المستمرة لم تنجح ولن تنجح في جلب الهدوء أو الاستقرار أو الطمأنينة للمستوطنين. فقد أثبت الاحتلال المتكرّر لغزة والقدس والضفة والجولان أنه لم يحقّق أيّ هدوء، بل زاد من حجم الصراع والمواجهة. بعد حرب 1967، نهضت القوة الفلسطينية المقاتلة واندلعت حرب 1973. كما أنّ عملية "سلامة الجليل" عام 1982 واحتلال بيروت لم يجلبا السلام، بل على العكس، نمّت المقاومة في لبنان إلى حد وصفها لاحقاً بأنها تهديد مركزي لـ "إسرائيل".

اليوم، ومع جولة الحروب الإسرائيلية الجديدة والحروب التي شهدتها السنتان الأخيرتان، تؤكّد كلّ المعطيات أنّ "إسرائيل" لا تزال عالقة في دوامة الفشل في جلب الاستقرار والطمأنينة، مما وضع هذا الكيان أمام معادلة "إما الحرب أو الحرب" على مختلف المستويات، وهو ما يرسم واقعاً شديد التعقيد حول مستقبل الكيان.

صحيح أنّ المنطقة بأسرها تدفع ثمن سعي العدو لتكريس وجوده بالقوة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ القلق لم يغادر "إسرائيل"، وكلما حاولت الخروج من أزمة دخلت في أزمة أخرى، وهو ما بدأ العالم بأسره يشعر بضيق متزايد منه. هذه الظاهرة ازدادت شيوعاً في الأوساط الغربية، خصوصاً بعد أن فقدت الدعاية الصهيونية التي طالما حاولت كسب تعاطف جماهير واسعة في الغرب والولايات المتحدة، قوتها وحضورها السابق.

وتتسع رقعة المنتقدين للحروب الإسرائيلية الدائمة وما تسبّبه من مآسٍ وصلت في غزة إلى حدود الإبادة الجماعية، وهو ما بات واضحاً حتى للرئيس الأميركي السابق ترامب. "إسرائيل" اليوم عالقة بين عاملين: قلق متزايد لدى المستوطنين من تهديد مستمر وغير قابل للسيطرة، وتصاعد رفض المجتمع الدولي لممارساتها العدوانية.

وبالتالي، فإنّ خيارات المشروع الصهيوني تتقلّص ولا تتوسّع كما يظن البعض، وهذا ما يجب على دول وأبناء المنطقة فهمه وإدراكه. والتيقّن بأنّ المزيد من الصمود والصبر، واستعادة التضامن والوحدة، وتجديد العزيمة والإرادة في استمرار المقاومة التاريخية لأبناء بلدان غرب آسيا، ستقود في النهاية إلى وضع حدّ للمشروع الصهيوني، واستعادة المنطقة لقدرتها على التقدّم والتنمية، وتحقيق السيادة والاستقلال.