هل تنجح الحكومة السورية في وضع نهاية سلمية لملف قسد؟

ما لم تدركه قسد هو أن"القضية الكردية" باتت شيئاً من الماضي، وأن من حق جميع الكرد المطالبة بحقوقهم ومساواتهم مع مواطني الدولة التي يعيشون فيها، والامتناع عن الترويج للقضية الكردية كفكرة عابرة للحدود.

  • المرسوم 13 ونهاية
    المرسوم 13 ونهاية "المظلومية الكردية".

اشتعال المواجهة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية لم يكن أمراً مستغرباً، في ظل فشل التوصل إلى تطبيق اتفاق العاشر من آذار 2025، وعدم قدرة قادة قسد على قراءة متغيرات المشهد السياسي، والتي باتت تصب في مصلحة الحكومة السورية. 

العمل العسكري يحتاج إلى غطاء سياسي، اتفاق باريس كان هو البداية لإعطاء الضوء الأخضر للحكومة السورية للقيام بواجبها في الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وهو ما التقطته دمشق، وسعت لاستثماره بالسرعة القصوى. 

الدعم الأميركي للحكومة السورية مستمر وبقوة، والرسائل السياسية التي صدرت من الرئيس ترامب والمبعوث الأميركي توم باراك، والتي طالبت قسد بضرورة الإسراع في تطبيق اتفاق العاشر من آذار والانضمام إلى وزارة الدفاع السورية، ليست سوى دليل على استمرار هذا الدعم لحكومة دمشق.

قسد من جهتها اعتقدت أن الوقت يصب في مصلحتها، فماطلت في تطبيق الاتفاق، وسعت لتقويض الاستقرار الداخلي في سوريا، فأعلنت رفضها الإعلان الدستوري ومؤتمر الحوار الذي نظمته الحكومة السورية، واستضافت مؤتمراً للأقليات، وراهنت على التنسيق مع "إسرائيل" الراغبة في إنشاء "ممر داود" الذي يربط "إسرائيل" بالسويداء، وصولاً إلى شمال شرق سوريا.

مساعي قسد لترويج القضية الكردية باعتبارها قضية عابرة للحدود أثار حفيظة عدة دول، أولها تركيا التي كانت تدعم الحل العسكري. ما لم تدركه قسد هو أن "زمن السلاح انتهى"، و"القضية الكردية" باتت شيئاً من الماضي، وأن من حق جميع الكرد المطالبة بحقوقهم ومساواتهم مع مواطني الدولة التي يعيشون فيها، والامتناع عن الترويج للقضية الكردية كفكرة عابرة للحدود.

مؤتمر أربيل أوضح هذه الفكرة، وبيّن لمظلوم عبدي أن عليه التحدث عن حقوق الكرد كمواطنين سوريين، وأثنى مسعود البارزاني على صدور المرسوم 13، الذي وقعه الرئيس الشرع، ليضع نهاية تاريخية لحالة الاضطهاد التي عانى منها الشعب الكردي في سوريا.

المرسوم 13 ونهاية "المظلومية الكردية"...

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم 13 للعام 2026، والذي أنهى عقوداً من التهميش والإقصاء الذي عانى منه السوريون الكرد. أكد المرسوم أن الكرد جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية هي عنصر جوهري من الهوية الوطنية الجامعة، المتعددة والمتكاملة. 

يضع المرسوم نهاية لمشكلة إحصاء عام 1962، والذي أدى إلى حرمان آلاف المواطنين من جنسيتهم، ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم المدنية والسياسية. 

ونص على منح الجنسية السورية للأفراد ذوي الأصول الكردية المقيمين داخل الأراضي السورية، بما في ذلك مكتومو القيد، مع كفالة المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. ويُعتَبر "عيد النوروز" (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهورية العربية السورية كافة، تكريماً لدلالته الوطنية كتعبير عن الربيع والتآخي.

كما نص المرسوم على التزام الدولة حماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم، وتنمية فنونهم، وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية. كما اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، يُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الكثافة الكردية، سواء كمادة اختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.

المرسوم حول القضية الكردية من سياق الصراع إلى إطار دستوري وقانوني يهدف إلى ضمان مشاركة فاعلة ومنصفة لممثلي هذه الشريحة في مؤسسات الدولة، مع الحفاظ الصارم على وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية. ويؤكد أن تلبية مطالب بعض الفئات لا تعني تفكيك الدولة، بل تُمثل وسيلة لتعزيز وحدتها من خلال ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، واحترام التنوع الثقافي واللغوي، واعتماد آليات تشاركية في الحكم. وفي التطبيق العملي، يقترح الإطار الدستوري ضمان حصص تمثيلية عادلة في المجالس التشريعية والتنفيذية، وإجراءات ملموسة لحماية الحقوق الثقافية واللغوية، وآليات لحل النزاعات بوسائل دستورية وقانونية، بما يحقق التوازن بين الاندماج الوطني والاعتراف بالخصوصيات المحلية ضمن دولة مركزية واحدة.

بهذا المرسوم استطاع الرئيس الشرع إنهاء المعركة قبل أن تبدأ، وسحب البساط من قسد التي تروج نفسها كمدافع عن القضية الكردية، فمصالح الكرد باتت محفوظة، أما قسد فقد باتت عارية سياسياً ليس لديها ما تسوّقه.

الأهم من المرسوم هو تقبل الشعب السوري له، وتأييدهم للمطالب المحقة للإخوة الكرد، مع التأكيد أن الحصول على الحقوق تتبعه التزامات على الجميع القيام بها إزاء الدولة، باعتبارهم مواطنين فيها.

فقدان قسد لدورها كمدافع عن "المظلومية الكردية"، وضعها أمام أسئلتها الداخلية، فبدأت الانقسامات داخل صفوفها، وبات الحديث عن فشلها سياسياً وعسكرياً وأمنياً هو الشغل الشاغل لأنصارها.

الاتفاق الجديد بين قسد والحكومة السورية...

سرعة انهيار قوات سوريا الديمقراطية أمام الجيش السوري وقوات العشائر دفعت الولايات المتحدة إلى التدخل، لوقف الزحف المستمر نحو محافظة الحسكة وربما الوصول إلى القامشلي (المعقل الرئيس لقسد)، وبالتالي حدوث معارك ستكون ضارية، لا تريد أميركا وقوعها.

الصمت الأميركي لم يكن ضوءاً أخضر للحكومة السورية، بقدر ما كان ضوءاً برتقالياً، بمعنى أن واشنطن تتفهم موقف دمشق وحقها في الدفاع عن وحدة وسلامة الأراضي السورية، بشرط أن يُحسم الأمر سريعاً ولا يصل حد مطاردة قسد وصولاً إلى معاقلها الرئيسية في القامشلي وعامودا.

الإعلان عن التوصل إلى اتفاق جديد بين قسد والحكومة السورية، بحضور المبعوث الأميركي توم باراك، وغياب مظلوم عبدي بسبب سوء الأحوال الجوية، والذي وقع على الاتفاق افتراضياً. 

يتكون الاتفاق من 14 بنداً، لا يمكن مقارنتها ببنود اتفاق العاشر من آذار، ويعكس هزيمة قسد سياسياً، بعد أن هُزمت عسكرياً، وبسرعة لم يكن يتوقعها أحد.

كان التفاوض مع قسد سابقاً قائماً على انضمامها إلى صفوف الجيش السوري كفرق، بينما نص الاتفاق الجديد على انضماها كأفراد، وبالتالي لم يعد الحديث عن قسد ككيان عسكري أمراً ممكناً. بمعنى أنها باتت من الماضي.

كما كان التفاوض سابقاً يعطي قسد حق السيطرة المشتركة على المعابر الحدودية، أما الاتفاق الحالي فيفرض على قسد تسليم المعابر الحدودية للحكومة السورية.

تحمل هذه التحولات تبعات سياسية وأمنية واضحة، ومنها تراجع قدرة قسد على التفاوض المؤسسي، وتأثيرات على تمثيل القوائم الكردية داخل الجيش والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى انعكاسات محتملة على استقرار المناطق المعنية وإدارة الحدود. 

كشفت الأحداث زيف مزاعم قسد، وأظهرت أنها تفتقر إلى دعم حقيقي بين العشائر العربية، وهو ما تجلّى في قدرة الجيش السوري على التقدّم سريعاً في دير الزور والرقة وريف الرقة الجنوبي.

سلوك قسد القمعي تجاه أبناء العشائر العربية زاد من نقمتهم عليها، فخلال العام 2025، اعتقلت قسد أكثر من 800 مواطن عربي بتهمة التواصل مع حكومة دمشق أو تأييدها. مع الإشارة إلى وجود معتقلين في سجون قسد مر على اعتقالهم حوالى عشر سنوات، كما أن تحرير السجون أظهر اعتقالها لعدد كبير من النساء والأطفال والفتيات القاصرات.

يعكس الاتفاق هزيمة قسد سياسياً، والتي كانت انعكاساً للواقع الميداني، وظهر جلياً افتقارها للشرعية بين أبناء العشائر العربية الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان المنطقة، بمعنى أن أوراق الضغط التي بين يديها باتت محدودة للغاية، وتتمثل في وجود سجون داعش تحت سيطرتها.

يشير نص الاتفاق بوضوح إلى أن الكرد سيظلون مسؤولين عن حفظ الأمن في المناطق ذات الغلبة الكردية، ما يشكل عنصراً حاسماً في منع وصول الجيش السوري ومقاتلي العشائر.

أظهرت الأحداث فشل قادة قسد في تحقيق مصالح الشعب الكردي، وتغليبهم المصالح الفئوية الضيقة على مصلحة المكوّن الذي يدّعون تمثيله.

فشل الاجتماع الأخير بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية يعني الاحتكام إلى منطق السلاح، وبالتالي من الصعب توقع نهاية سريعة لمشكلة قسد.

لا حل مستداماً في سوريا من دون تكريس فكرة المواطنة والابتعاد عن منطق الغلبة، والتعالي على الجراح، ونبذ الخطاب الطائفي ومنع حالة التجييش التي تقوم بها وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص.