حرروا محمد فرج من سجن الغموض
قضية الزميل محمد فرج، في عمقها، ليست مسألة احتجاز بقدر ما هي مسألة شرعية: شرعية العدالة حين تُختبر بعيدًا عن الضجيج، وشرعية الدولة حين تُسأل لا عمّا تفعل فقط، بل عمّا تتركه قابلًا للفهم.
-
قضية الزميل محمد فرج، في عمقها، ليست مسألة احتجاز بقدر ما هي مسألة شرعية.
ثمّة قضايا لا تُفهم من خلال تفاصيلها المباشرة، بل من خلال ما تكشفه حين يحيط بها الصمت، فهي لا تظهر كوقائع مكتملة، بل كلحظة اختبار هادئة لمعنى القانون، ولقدرته على أن يشرح أفعاله بوضوح.
قضية الزميل محمد فرج واحدة من هذه القضايا؛ لا تتقدّم بالضجيج، بل تفرض سؤالها بهدوء: ماذا يبقى من القانون حين يتأخّر عن تسمية ما يقوم به؟
حين يُحتجز إنسان من دون سردية قانونية واضحة، لا يُعلَّق مصيره وحده، بل تُعلَّق الشرعية نفسها. فالقانون، في جوهره، ليس أداة ضبط فقط، بل ممارسة تفسير، ونظام تسمية، وحدّ زمني يُعيد الفعل إلى قابليته للفهم. وعندما يغيب هذا التفسير، لا يحضرالفراغ، بل منطقة رمادية لا يُنفى فيها الحق ولا يُؤكَّد، بل يُترك معلّقًا خارج اللغة.
الزميل محمد فرج، الإعلامي والباحث المعروف، الذي اشتغل طويلًا على التاريخ السياسي للمنطقة بوصفه شبكة سرديات ووثائق وذاكرة، يجد نفسه اليوم في مفارقة عميقة: قضيته لا تتعلّق بما قاله أو كتبه، بل بانقطاع السرد نفسه. لا إعلان يشرح سبب التوقيف، ولا توصيف قانونياً يسمّي الإجراء باسمه، ولا أفق زمنياً يمنح الواقعة شكلها. كأن الحدث يُدار خارج الحكاية، وخارج اللغة التي تجعل السلطة قابلة للمساءلة.
في حياة الإعلاميين، لا يكون الخطر في القمع المعلن، بل في الصمت الإجرائي. فالصمت حين يطول يتحوّل إلى بنية، ويغدو طريقة حكم غير مرئية، تُنتج الالتباس بدل القاعدة، والانتظار بدل الإجراء.
ما يُعرف حتى الآن غياب التواصل مع العائلة، غموض المكان والوضع القانوني، وعدم وضوح ممارسة حق الدفاع لا يُقدَّمان هنا كإدانة، بل كعلامات على هذا الالتباس، على لحظة يتراجع فيها الشرح ويتقدّم الغموض.
مطالبة زميلتنا رانا بحرية زوجها، لا تنطلق من موقع الانفعال، بل من بديهيات فكرة الدولة : أن يكون الإنسان معلوم الموقع داخل النظام الذي يخضع له. فالمعرفة ليست تفصيلًا إداريًا، بل شرطًا للشرعية. أن يعرف الفرد أين هو، ولماذا، وإلى متى، هو الحدّ الأدنى الذي يفصل الدولة عن نقيضها، والقانون عن الفوضى.
من هذا المنظور، لا تعود القضية إعلامية ولا سياسية ولا مرتبطة بحرية التعبير. إنها سؤال عن كيفية اشتغال العدالة حين لا تكون تحت الضوء، وعن الفرق بين نظام يُدار بالقواعد، وآخر يُدار بالاستثناء الصامت. أما المواثيق الدولية، فلا تُستدعى هنا بوصفها نصوصًا خارجية، بل كامتداد لفكرة حديثة عن الإنسان: كائن لا يجوز أن يُمحى من السرد وهو حيّ.
ليس المطلوب مواجهة ولا تصعيداً ولا خطاب اتهام. المطلوب هو أن يعود الفعل إلى اسمه، وأن يُعاد إلى الصمت حدّه الطبيعي. فالدولة التي تشرح إجراءاتها لا تفقد هيبتها، بل تؤسّس لها، والقانون الذي يُقال بوضوح لا يُضعف سلطتها، بل يمنحها معناها.
قضية الزميل محمد فرج، في عمقها، ليست مسألة احتجاز بقدر ما هي مسألة شرعية: شرعية العدالة حين تُختبر بعيدًا عن الضجيج، وشرعية الدولة حين تُسأل، لا عمّا تفعل فقط، بل عمّا تتركه قابلًا للفهم. فالدول لا تُقاس بقوة الصمت، بل بقدرتها على الكلام حين يصبح الكلام واجبًا.