حرب المصير: لماذا لن تنتهي معركة هرمز قريباً؟

طهران تدرك أن هذه الحرب هي معركة بقاء، ليس فقط للنظام، بل للهوية الإيرانية كدولة مستقلة ذات سيادة في وجه الهيمنة الغربية.

  •  لماذا لن تنتهي معركة هرمز قريباً؟
    لماذا لن تنتهي معركة هرمز قريباً؟

منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في السابع من أبريل، لم تتوقف الحرب حقاً. لقد تحولت ببساطة من ساحات القتال إلى طاولات المفاوضات في إسلام آباد، التي باتت الوجه الآخر للحرب، وإن بمستوى منخفض من العنف. رغم الآمال الكبيرة التي انعقدت على إمكانية التوصل إلى اتفاق تاريخي ينهي الصراع، فإن المعطيات حتى الآن تشير إلى أن فرص نجاح المفاوضات ضئيلة للغاية.

فالحرب مع إيران ليست مجرد نزاع حدودي أو صراع على النفوذ، بل هي مواجهة وجودية على مستويات متعددة ومتشابكة، تجعل من الصعب تصور تسوية سريعة. بين رايات النصر المعلقة وهزائم الإرادات، تقف المنطقة على حافة الهاوية، وأي اتفاق قد لا يكون أكثر من مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من العنف.

المستويات الوجودية للحرب: ثلاثية المأزق المشترك

لفهم تعقيدات المشهد، يجب تفكيك طبقات الصراع التي تجعل من الاستسلام أو التنازل خياراً شبه مستحيل لكل من واشنطن و "تل أبيب" وطهران.

المستوى الأول: الولايات المتحدة بين الهزيمة والاعتراف بالتعددية القطبية

تواجه واشنطن اليوم حالة حرجة قد تكون فريدة في تاريخها الحديث. فهي لا تستطيع تقبل الإعلان العلني عن العجز عن تحقيق أهداف الحرب، لأن في ذلك ضرباً لأهم قيمة تمتلكها: قدرتها على إخضاع الدول التي تدور في فلكها وقيادتها عبر آليات الهيمنة والردع. لقد أثبتت القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم، والتي أنفقت عليها تريليونات الدولارات، عدم جدواها في أداء وظيفتها المناطة بها.

ففي الخليج، تعرضت معظم القواعد الأميركية لتدمير واسع النطاق خلال الحرب الأخيرة، ما أثبت أن الحروب الكلاسيكية لم تعد مجدية في مواجهة استراتيجيات غير متماثلة تعتمد على الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة وشبكات المقاومة المترابطة. القواعد الثابتة لم تعد حصوناً منيعة، بل تحولت إلى أهداف كبيرة وسهلة. وبالتالي، فإن أي اتفاق مع إيران سيكون بمنزلة اعتراف ضمني وصريح من واشنطن بأن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن عصر الهيمنة المطلقة قد ولّى.

المستوى الثاني: الصراع الداخلي في واشنطن ومستقبل الحزب الجمهوري

الحرب ليست خارجية فقط، بل هي وجودية أيضاً للبيت الأبيض الحالي. مصير الحزب الجمهوري بات مرتبطاً بنتائج هذه الحرب.

الفشل سيفتح الباب على مصراعيه لإعادة النظر في السياسات المتبعة، ونشوء تيار جديد داخل الحزب على شاكلة ما يحصل في الحزب الديمقراطي، وهو تيار مناهض لاستمرار تغذية "إسرائيل" بالمال والسلاح من دون قيود، على حساب الكتلة السياسية التقليدية الخاضعة لنفوذ "الآيباك" (لوبي "إسرائيل" القوي).

الآيباك نفسه سيبدأ بتراجع تأثيره بعد أن تسبب، في نظر الكثير من صناع القرار والنخب الأميركية، بخسارة الولايات المتحدة لمكانتها كقطب وحيد. فالدعم اللامشروط لـ"إسرائيل" أوقع أميركا في مستنقع حرب استنزاف لا نهاية لها، وأرغمها على خوض معركة وحدها، من دون مساعدة حلفائها الأوروبيين التقليديين، الذين رفضوا الانخراط في الحرب. هذا التراجع في النفوذ قد يغيّر قواعد اللعبة في واشنطن للأبد.

المستوى الثالث: مصير ترامب الشخصي

على المستوى الشخصي، يخوض الرئيس دونالد ترامب معركته الأخيرة. فشل الحرب يعني نهايته السياسية ليس فقط، بل ربما تعرضه لملاحقات قانونية وسياسية قد تنتهي به خلف القضبان.

ترامب راهن بكل ثقله على استراتيجية "الضغوط القصوى" والحرب العسكرية، وفشل هذه الاستراتيجية سيكون بمنزلة إدانة تاريخية له. هذا الرهان الشخصي يجعله أكثر تشدداً وتمسكاً بمواصلة القتال، حتى لو كان الثمن هو استمرار الاستنزاف الأميركي.

فهو يعلم أن أي اتفاق يخرجه من الحرب كخاسر سيكون نهاية حلمه السياسي، وربما نهاية حريته الشخصية.

"إسرائيل": انهيار المشروع الإمبراطوري ومحاكمة نتنياهو

أما على الجانب الإسرائيلي، فالمشهد لا يقل كارثية. "إسرائيل" تخوض حرباً وجودية ثلاثية المستويات أيضاً.

المستوى الأول: انهيار الوظيفة الاستراتيجية للدولة

تهديد فقدان الوظيفة التي أنشئت من أجلها يلوح في الأفق. مشروع "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل" الذي راهن عليه اليمين المتطرف انهار أمام صمود إيران ومحور المقاومة. "إسرائيل" لم تعد القوة التي لا تُقهر. تراجعها يعني تراجع جاذبيتها كمركز للنشاط الاقتصادي واللوجستي.

فالممر الاقتصادي الهندي-شرق أوسطي-أوروبي (IMEC)، الذي كان من المفترض أن ينتهي بميناء حيفا ويحوّل "إسرائيل" إلى بوابة تجارية عالمية، تجمّد تماماً بسبب الحرب، وقد يُلغى. الاستثمارات تتراجع، والثقة في الاقتصاد "الإسرائيلي" تتهاوى، والنخب العلمية والتقنية بدأت تبحث عن ملاذات أكثر أماناً. إسرائيل تتراجع من قوة إقليمية مهيمنة إلى دولة تتخذ أولوياتها الدفاع عن وجودها وحماية حدودها، وليس التوسع.

المستوى الثاني: انهيار التحالف اليميني المتطرف

التيار اليميني والديني المتطرف، الذي اندفع بعيداً في عمليات الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج في غزة وجنوب لبنان، يمثل الآن عقبة كأداء أمام أي مخرج آمن. هذا التيار يرفض أي تراجع، ويحلم بإعادة سيناريو النكبة.

لكن الواقع يقول إن هذه العمليات لم تحقق أهدافها العسكرية، بل زادت من عزل "إسرائيل" دولياً ودفعتها إلى حافة الهاوية الاقتصادية والأخلاقية. أي اتفاق لإنهاء الحرب يحتاج إلى تيار إسرائيلي واقعي جديد يعترف بفشل مشروع التوسع ويعيد تعريف الأولويات، لكن ظهور هذا التيار قد يستغرق وقتاً طويلاً، وقد لا يأتي إلا بعد كارثة أكبر.

المستوى الثالث: نهاية نتنياهو السياسية والقانونية

المسألة الوجودية الثالثة تتعلق مباشرة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. هو الآخر يخوض حرباً شخصية. الحرب كانت "مشروعه" للخروج من أزماته القانونية (قضايا الفساد) واستعادة شعبيته المتآكلة. فشله في تحقيق النصر الساحق يعني اضطراره للخروج من المشهد السياسي كملك غير متوّج، وربما نهاية رحلته خلف القضبان.

هذا الرعب الشخصي يجعله لاعباً غير عقلاني، يفضل إطالة أمد الحرب على الاعتراف بالهزيمة، حتى لو كان الثمن هو استمرار سقوط جنوده وتدهور اقتصاد بلاده.

إيران: المجتمع الموحد ينتظر لحظة الحسم

بالمقابل، تخوض إيران حرباً وجودية كنظام سياسي، وكيفية تكيف الدولة والمجتمع الموحد في أغلبيته العامة للدفاع عن وجود بلدهم. طهران تدرك أن هذه الحرب هي معركة بقاء، ليس فقط للنظام، بل للهوية الإيرانية كدولة مستقلة ذات سيادة في وجه الهيمنة الغربية. المجتمع الإيراني، رغم معاناته الاقتصادية واحتجاجاته السابقة، التف حول راية الدفاع الوطني عندما شعر أن البلاد في خطر وجودي.

هذه الوحدة الداخلية، المستندة إلى ثقافة المقاومة والصمود التي تمتد جذورها من كربلاء إلى رستم، تمنح القيادة الإيرانية شرعية وقدرة على التحمل لا تملكها واشنطن أو "تل أبيب".

لبنان واليمن: جبهات المقاومة المستمرة

إذا كان هذا هو التصور للصراع، فإن احتمال نجاح المفاوضات يظل منخفضاً إلى حد كبير. الأقرب للواقع هو ما حصل ويحصل في لبنان حالياً، حيث الحرب مستمرة بلا هوادة.

فالمقاومة في لبنان، ومن معها من بنية مجتمعية متماسكة، تخوض أيضاً حرباً وجودية. الانسحاب من هذه الحرب أو التراجع عن المستوى الوجودي الذي وصلت إليه يعني فقدان كل ما بنته على مدى عقود.

حزب الله لا يقاتل فقط لدعم غزة أو لاستعادة الأراضي المحتلة، بل يقاتل ليثبت أن معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" هي الضامن الوحيد لسيادة لبنان واستقلاله. أي تراجع سيكون بمنزلة انتصار إسرائيلي ساحق، وهذا ما لا يمكن القبول به.

السيناريو الأقرب: حاجة إيرانية إلى جولة حرب جديدة

في ظل هذا الجمود، يبرز سيناريو مرعب لكنه واقعي: الحاجة الإيرانية إلى جولة جديدة من الحرب لحسم حرب الاستنزاف الطويلة.

طهران قد تستنتج أن استمرار المفاوضات من دون حسم عسكري يخدم أجندة واشنطن و"تل أبيب" في كسب الوقت وإعادة بناء قواتهما. لذلك، قد تضطر إيران إلى تصعيد كبير بهدف خلق واقع جديد لا يمكن الرجوع عنه، يغير موازين القوى في غرب آسيا بشكل جذري لصالحها ولصالح حلفائها.

هذه الجولة الجديدة قد تكون أكثر عنفاً، وقد تطال أهدافاً لم تُستهدف من قبل، مثل البنى التحتية الحيوية في دول الخليج أو حتى في أوروبا عبر الوكلاء. الهدف هو إجبار واشنطن وحلفائها على الرضوخ لواقع جديد: نظام إقليمي متعدد الأقطاب، تتراجع فيه الهيمنة الأميركية، ويُعاد تعريف دور "إسرائيل" كقوة إقليمية وليس إمبراطورية إلى حين زوالها.

الخلاصة: صراع طويل الأمد

كل هذه العوامل تجعل من فرص نجاح المفاوضات الحالية ضئيلة للغاية. الحرب لم تنتهِ، وتوقعاتها كانت مجرد وهم. نحن أمام صراع طويل الأمد، قد يستمر لسنوات، وقد تشهد مرحلته القادمة تصعيداً أكثر دموية، خاصة إذا شعر أحد الأطراف أن المفاوضات هي مجرد مضيعة للوقت.

الأسئلة المتبقية:

· هل تستطيع واشنطن تجاوز هزيمتها النفسية والاعتراف بالواقع الجديد قبل فوات الأوان؟

· هل ستتمكن "إسرائيل" من تغيير قياداتها وسياساتها قبل أن تنهار بالكامل؟

· وهل ستقرر إيران أن الوقت قد حان لضربته القاضية، التي ستعيد تشكيل غرب آسيا من جديد؟

الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة. فإما أن ينزلق الجميع إلى حرب أوسع، أو أن يدرك الجميع أن لا بديل عن التسوية شبه المستحيلة، مهما كانت مريرة. لكن الأكيد أن غرب آسيا بعد هذه الحرب، لن يكون كما كان قبله أبداً. والمؤكد أيضاً أن مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي راهن عليه نتنياهو وترامب، قد وُضع على طاولة التشريح، وأن موازين القوى الإقليمية والدولية تتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، فيه لكل لاعب دوره الطبيعي.