تركيا و"إسرائيل" وإيران.. ماذا يفعل العرب؟

ما على مصر وتركيا والسعودية باعتبارها الدول الثلاث المهمة لأسباب عديدة  ومعها باقي دول المنطقة إلا أن تتخلص من عقدها النفسية التقليدية وتدخل في حوار عملي وصادق وعاجل مع إيران.

  • مساعي أنقرة لتطوير أسلحتها يطرح معها العديد من التساؤلات عن هدفها من كل هذا التسليح.
    مساعي أنقرة لتطوير أسلحتها يطرح معها العديد من التساؤلات عن هدفها من كل هذا التسليح.

أواسط الخمسينيات من القرن الماضي قال رئيس وزراء الكيان العبري بن غوريون "إننا  بحاجة إلى ثلاث قصبات هوائية نتنفس عبرها في محيط عربي معادٍ لنا". وتحقق ذلك لبن غوريون عبر التحالفات التي أقامتها الدولة العبرية مع إيران الشاه وتركيا بحكم عدنان مندرس وإثيوبيا في عهد الإمبراطور  هيلا سيلاسي.

وبعد الانقلاب الذي أطاح رجل واشنطن وحليف "تل أبيب" عدنان مندرس في مايو/ أيار 1960 والآخر الذي أطاح هيلاسيلاسي في أيلول/ سبتمبر  1974 وأخيراً الثورة الإسلامية في إيران في شباط/ فبراير 1979 وجد الكيان العبري نفسه أمام تحديات صعبة دفعته إلى مزيد من الانفتاح على المنطقة العربية وهو ما تحقق له باتفاق كامب ديفيد مع مصر عام 1978 و اتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية عام 1993 ووادي عربة مع الأردن عام 1994 ومن دون أن يهمل تحالفاته السرية منها والعلنية مع حكام الخليج.

وكانت "تل أبيب" وبدعم من واشنطن قد حرضتهم لمعاداة الثورة الإيرانية وحلفائها في المنطقة تارة بحجة  "المد الشيعي الفارسي" وتارة أخرى "بخطر القنابل النووية المحتملة".

وشهدت المنطقة طيلة الفترة الماضية الكثير من التناقضات على صعيد التطورات الإقليمية، وكان أهمها وآخرها ما يسمى الربيع العربي والعدوان الخليجي على اليمن عام 2015 وما نتج عنهما من اتفاقيات إبراهيمية دعمت حسابات الكيان العبري، عندما كان الكثيرون في المنطقة في خدمة التحالف الصهيو - أميركي الذي حقق انتصاره الأهم بإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا.

واعتبر التحالف المذكور  هذا السقوط بداية النهاية "للنظام الشيعي" في إيران وحلفائه في لبنان واليمن والعراق وأي مكان آخر وحتى إن لم يكن فيه أي شيعي.

فيما اعتبرت أنقرة هذا السقوط فرصتها التاريخية للعودة إلى المنطقة بذكريات وحسابات عثمانية مذهبية وقومية  تنافس الدور الإيراني عبر التدخل المباشر في أحداث سوريا ومعاداة كل ما هو محسوب على إيران "الشيعية"، التي تحالف الكثيرون في المنطقة ضدها  بما فيهم "إسرائيل" التي كانت المستفيد الأهم من كل تطورات "الربيع العربي" الذي كانت  تركيا خلاله المستفيد الآخر منه.

فتركيا الآن موجودة في عدد كبير من دول المنطقة بأشكال مختلفة، ولكن بثقل  كبير سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واستخبارياً في سوريا والعراق وليبيا والصومال، كما لها  علاقات تحالف عسكري استراتيجي مع قطر،  وسعت أيضاّ خلال السنوات القليلة الماضية لتطوير  علاقات مماثلة مع دول الخليج الأخرى وأهمها السعودية والإمارات بعد أن تصالحت معها عام 2022.

كما تصالحت هي مع الكيان العبري بعد زيارة الرئيس  هرتسوغ لأنقرة في مارس/ آذار 2022 ولقاء إردوغان مع بينيت في نيويورك في الـ22 من أيلول/ سبتمبر 2023 وبعد عام مع نتنياهو في نفس المكان، وذلك قبل أيام من طوفان الأقصى الذي غيّر موازين القوى برمتها في المنطقة، خاصة بعد سقوط نظام الأسد في دمشق في الـ 8 من كانون الأول/ ديسمبر 2024  بمساهمة كل دول المنطقة ووفق التعليمات الأميركية - الصهيونية التي اعترف بها الرئيس ترامب أكثر من مرة.

وجاء العدوان الصهيو - أميركي على إيران في حزيران/ يونيو الماضي لجس نبض الدول المذكورة التي لم تحرك ساكناً ضد هذا العدوان الذي كان مؤشراً واضحاً على العدوان الأكبر والأخطر في الـ28 من شباط/ فبراير، والذي ما زال مستمراً رغم فشله، وباعتراف الجميع حتى في أميركا وأوروبا بل وحتى داخل الكيان العبري، ولكن من دون أن تستخلص دول وحكومات وأنظمة المنطقة الدروس والعبر من كل ذلك طالما أن بعضها لا يثق ببعض.

فعلى سبيل المثال ومع استمرار محاولات أنقرة في مساعيها لتطوير علاقاتها مع دول الخليج، فالجميع يعرف أنها لن ترتاح كثيراً  لانتصار إيران عسكرياً كان أم  سياسياً، طالما أن ذلك سيجعل منها البلد الإسلامي الوحيد الذي تحدى التحالف الصهيو - أميركي وانتصر عليه رغم تواطؤ منظم من دول المنطقة.

ومن دون أن تخفي أنقرة في نفس الوقت رسمياً وشعبياً قلقها من احتمالات انتصار التحالف الصهيو-أميركي  على إيران، وهو ما قد يعني احتمالات المواجهة بين تركيا والكيان العبري الذي لم يخفِ  قادته انزعاجهم من التصريحات  النارية للرئيس إردوغان والمسؤولين الأتراك ضدهم فردوا عليها بتصريحات نارية مماثلة.

ومن دون أن تلقي أنقرة أي خطوة عملية ضد هذا الكيان الذي استمرت علاقاته الدبلوماسية مع تركيا واستمرت بدورها في علاقاتها التجارية  مع الكيان المذكور الذي يستورد البترول الأذربيجاني الذي يصل إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض ويتم نقله بالسفن إلى ميناء حيفا.

كما لم تحدث أي مواجهة جدية بين تركيا التي توجد عسكرياً في الشمال السوري وبين الكيان العبري الذي يسيطر على الجنوب السوري مع استنكار أنقرة المتكرر للعدوان الإسرائيلي على لبنان وليس على سوريا.

وعلى صعيد آخر، ومع استمرار التناقضات التركية في العراق وهي هناك إلى جانب الأطراف السنية ومسعود البرزاني، تستمر أنقرة في موقفها الداعم لحكومة الدبيبة في طرابلس والمدعومة من العديد من المجموعات الإسلامية المتطرفة الموالية لتركيا، في الوقت الذي يحظى فيه خليفة حفتر وجيشه بدعم مصر والسعودية، وتارة الإمارات، الطرف الأكثر غموضاً وخطورة في المنطقة.

ويعرف الجميع دورها في أحداث السودان قبل وبعد إطاحة عمر البشير ودعمها لقوات التدخل السريع  بهدف السيطرة على مناجم الذهب السوداني . كما يعرف الجميع الدور الإماراتي وبالتنسيق  مع الكيان العبري في أرض الصومال الذي تسعى "تل أبيب" لإقامة قواعد عسكرية لها فيه وقبالة سواحل اليمن "الموالي لإيران".

ومن دون أن نتجاهل دور إثيوبيا الحليف  الآخر للكيان العبري ومعروفة أطماعه  في مياه النيل، وبعد أن فشلت القاهرة في مساعيها لعرقلة مشروع سد النهضة كما هي فشلت في التصدي لأي دور للكيان العبري في السودان والصومال.

وهو الدور الذي تحملته تركيا حيث أقامت ومنذ عام 2011 علاقات واسعة وفي جميع  المجالات مع الصومال الذي لم  يعد أي فرق بينها وبين سوريا من حيث الوجود والتأثير التركي فيها.

ويرى العديد من المراقبين في هذا الدور التركي احتمالات المواجهة الاستراتيجية بين تركيا  والكيان العبري، وخلافاً لما هو عليه الوضع في سوريا، طالما أن الرئيس الانتقالي  أحمد الشرع يتلقى تعليماته من واشنطن.

ومع أن البعض يستبعد مثل هذه المواجهة، إلا أن مساعي أنقرة لتطوير أسلحتها وخاصة صواريخها البالستية ومسيراتها الانقضاضية التي تصل إلى آلاف الكيلومترات، يطرح معها العديد من التساؤلات عن هدف أنقرة من كل هذا التسليح، وبعد تجربة الحرب الإيرانية الأخيرة، حيث لعبت الصواريخ والمسيرات الإيرانية دوراً أساسياً في هذه الحرب، وبغياب أي دور عملي وفعال لأي دولة عربية وتركيا ضد العدوان الصهيو - أميركي.

ومن دون أن نتجاهل التصريحات التي يطلقها الرئيس ترامب بين الحين والحين عن علاقات جيدة بين أنقرة و "تل أبيب"، وهو ما يكرره سفيره توم برّاك الذي لا يخفي إعجابه "بالدولة العثمانية بذكرياتها المثيرة" التي يتغنى بها الرئيس إردوغان الذي يقول إنه حقق لتركيا الكثير من المكاسب الاستراتيجية في المنطقة.

في الوقت الذي تذكّره المعارضة بتناقضاته في السياسة الخارجية والعلاقة مع جميع زعماء المنطقة، حيث كان على علاقة وطيدة مع البعض منهم، من أمثال بشار الأسد ومعمر  القذافي فانقلب عليهما، في الوقت الذي هدد فيه وتوعد الأخرين، منهم من أمثال السيسي ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وعاد وصالحهم جميعاً بعد أن نسي أو تناسى حليفه العقائدي عمر البشير بعد إطاحته، واستضاف الجنرال عبد الفتاح البرهان في أنقرة ، كما أنه نسي أو تناسى شعار رابعة وصديقه محمد مرسي بعد مصالحته للسيسي،  وبعد أن نسي صديقه أيضاً راشد الغنوشي ولم يعد يتحدث عنه أبداً.

ويبقى الرهان في نهاية المطاف على الرغبة الصادقة، ليس فقط لدى الرئيس إردوغان، بل لدى حكام المنطقة عموماً، وخاصة السعودية ومصر، وإن اتفقوا فيما بينهم،  فالمنطقة ستدخل مرحلة جديدة من التنسيق والتعاون الحقيقي والعملي بعد أن يستخلص الجميع الدروس اللازمة والكافية من حرب إيران الأخيرة.

وأثبتت للجميع أن الانتصار على العدو وأياً كانت قوته لا يتطلب إلا شيئاً واحداً ألا  وهو الإرادة الحقيقية في اتخاذ القرار الوطني المستقل والاستعداد للتضحية من أجل ذلك.

وهو القرار الذي على الرئيس إردوغان والرئيس عبّد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يتخذوه معاً  بعد الاتفاق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة للعمل الصادق مع إيران.

هذا بالطبع إذا كان الزعماء الثلاثة ومن سيكون معهم صادقين في كل ما يقولونه عن الكيان العبري وخطورة سياساته على دولهم الثلاث، وهي ضمن خارطة "إسرائيل الكبرى". ويبدو واضحاً أنها باتت تواجه ولأول مرة خطر الزوال النهائي الذي تتمناه كل الشعوب العربية والإسلامية، بل وحتى العديد من شعوب العالم التي لم تعد تخفي  رفضها واستنكارها لهمجية هذه الدولة الإجرامية، التي ولأول مرة في تاريخها ذاقت طعم الرعب والخوف عندما وصلت صواريخ ومسيرات إيران وحزب الله وأنصار الله والحشد الشعبي "الشيعية" إلى "تل أبيب".

وما على مصر وتركيا والسعودية باعتبارها الدول الثلاث المهمة لأسباب عديدة  ومعها باقي دول المنطقة، إلا أن تتخلص من عقدها النفسية التقليدية السخيفة وتدخل في حوار عملي وصادق وعاجل مع إيران.

وسترحب بدورها ومن دون أدنى شك بأي مبادرة تهدف إلى تحقيق وحدة القول والموقف، والعمل الجاد لمنع تكرار الأحداث الأخيرة خلال العدوان على إيران التي ضحت بالكثير والكثير لإثبات التزاماتها الوطنية والدينية، فصدّقها الجميع في المنطقة وخارجها.

وإن لم نستخلص جميعاً الدروس الكافية والضرورية من هذه التجربة، وهي حتى الآن لصالحنا معاً، فسوف تعيش المنطقة أمثال هذا العدوان في سوريا ولبنان ومصر والسعودية والصومال والسودان بل وحتى تركيا.

ويعرف الجميع أنها كانت وما زالت وستبقى العنصر الأهم إن لم نقل الرئيسي  في تقرير مصير المنطقة، وكما أثبتت ذلك  خلال ما يسمى الربيع العربي، ولولاه لما كنا الآن نتحدث عن كل ما نتحدث عنه الآن، وهو في نهاية المطاف نتاج المشاريع والمخططات الصهيو - أميركية التي لولا المتواطئين معها لكنا جميعاً من الأتراك والعرب والكرد والفرس والشيعة والعلويين  والسنة والدروز والمسيحيين بكل أطيافهم بخير وسلام، وهو ليس صعب المنال أبداً، وإذا قررنا جميعاً تحقيقه، ولكن بصدق وأمان وهي فرصتنا الأخيرة.