تركيا والأحلاف: تموضع في المكان البديل

التموضع الاستراتيجي لتركيا في تحالفاتها الدولية والإقليمية ما يزال أقرب إلى المنظومة الغربية منه إلى منظومتها الإسلامية، رغم مكانتها التاريخية في العالم الإسلامي.

0:00
  • تركيا والأحلاف: تموضع في المكان البديل
    تركيا والأحلاف: تموضع في المكان البديل

وقعت تركيا وباكستان والسعودية (اتفاقية مكة للدفاع المشترك)، وتنص على أنَّ "أي هجوم مُسلّح على أيٍ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع"، وحُددت أهدافها بتعزيز الأمن الجماعي، ودعم الاستقرار في المنطقة، وتكامل القدرات الدفاعية، وتطوير الردع الاستراتيجي. وبهذه الاتفاقية تُحدد كل دولة مكان تموضعها الاستراتيجي، الذي يوضّح بوصلة توجهها السياسي واصطفافها العسكري في الخريطة الإقليمية والدولية، ويكشف كيفية إدارة تحالفاتها وصراعاتها واختيار أصدقائها وأعدائها. وانطلاقاً من اتفاقية مكة للدفاع المشترك، سنرى علاقة تركيا بالأحلاف من حيث تموضعها الاستراتيجي، إنْ كان في المكان الأصيل مع الأمة الإسلامية باعتبارها جزءاً مركزياً منها، أم في المكان البديل مع أعداء الأمة الإسلامية.

كانت تركيا العثمانية جزءاً مركزياً من (دول المركز) مع ألمانيا والنمسا وغيرهما في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، ضد (دول الحلفاء) وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وغيرهما، وعندما هُزمت تركيا العثمانية مع دول المركز في نهاية الحرب خسرت إمبراطوريتها الواسعة على يد دول الحلفاء في الخارج، وسقط نظام حكم الخلافة العثمانية على يد (جمعية الاتحاد والترقي) في الداخل، وأُقيمت على أنقاضها تركيا الحديثة بزعامة مصطفى كمال الملقّب أتاتورك وحزبه (حزب الشعب الجمهوري)، فاستبدل الهوية الإسلامية العثمانية لتركيا بالهوية العلمانية القومية، وقطع علاقة تركيا بامتدادها الشرقي الإسلامي وبجذورها العثمانية الإسلامية لصالح امتدادها الغربي، وحوّل بوصلة تركيا السياسية وقبلتها الثقافية باتجاه الغرب على جانبي الأطلسي.

بعدما اتضح لقيادة تركيا الحديثة حتمية انتصار الحلفاء على المحور قُبيل نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م)، أعلنت تركيا رسمياً وشكلياً الانضمام للحلفاء ضد المحور، لتضمن لها مكاناً في النظام الدولي الجديد، ولتُحدد تموضعها مع الحلفاء المنتصرين، وبالتحديد الطرف الأقوى فيهم، وهم الغرب الرأسمالي. ولذلك انضمت إلى حلف شمال الأطلسي العسكري (الناتو) عام 1952م، وقدمت طلبين لم يُقبلا للانضمام إلى (المجموعة الاقتصادية الأوروبية) عامي 1959 - 1987م، الاسم السابق لـ(الاتحاد الأوروبي)، فكان انضمام تركيا الكمالية لحلف (الناتو) علامة فارقة تُحدد التموضع الاستراتيجي لتركيا مع الكتلة الغربية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وهي الكتلة التي ورثت تركة المشروع الاستعماري الغربي ضد الأمة.

شاركت تركيا الحديثة من خلال عضويتها في حلف الناتو في الحرب الباردة ضد الكتلة الشرقية الاشتراكية، وفي المجهود الاستعماري ضد المد الثوري العربي، وفي تثبيت "إسرائيل" في المنطقة ضد أعدائها العرب. وفي سياق هذه المسارات الثلاثة، شاركت تركيا الكمالية الحديثة مع العراق الملكي، بإيعاز وتخطيط بريطانيا الاستعمارية، في تأسيس (حلف بغداد) عام 1955م، الذي سُمّي فيما بعد (حلف المعاهدة المركزية - سنتو) بعدما انضمت إليه دولتا إيران البهلوية وباكستان الوليدة. وكان لتركيا دور مركزي في الحلف لخدمة المشروع الاستعماري الغربي، لم يتوقف إلاّ بنهاية الحلف عام 1979م، بعدما سددت له إيران الثورة والجمهورية الضربة القاضية بانسحابها منه فور انتصار الثورة الشعبية وتأسيس الجمهورية الإسلامية، بالتزامن مع خروج باكستان منه، وقبلهما العراق عقب سقوط النظام الملكي فيها.

وفي السياق نفسه، كانت تركيا شريكة في تأسيس (ميثاق البلقان) عام 1953م كحلف عسكري مع اليونان ويوغسلافيا، لتشكيل قوة ردع وحاجز صد من النفوذ السوفيتي في البلقان، فكان تموضع تركيا الاستراتيجي في حلف الناتو الدولي وحلفي بغداد والبلقان الإقليميين محددات لعلاقة تركيا مع "إسرائيل" ومشاركتها في تطبيق استراتيجية (شد الأطراف) الإسرائيلية لمحاصرة دول الطوق العربية بواسطة دول تركيا وإيران وإثيوبيا وغيرها، والأقليات في شمال العراق وجنوب السودان وغيرهما. فكان نصيب تركيا في هذه الاستراتيجية التوقيع مع "إسرائيل" على عدة اتفاقيات استراتيجية، أهمها: اتفاقية التعاون الاستراتيجي والأمني عام 1958م، واتفاقية التدريب والتعاون العسكري عام 1996م، واتفاقية التعاون الصناعي والعسكري عام 1996م. ورغم الخلافات والتوترات بين تركيا و"إسرائيل" منذ صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى السلطة عام 2002م، فإن تموضع تركيا الاستراتيجي لم يتغير جوهرياً.

وفي سياق هذا التموضع الاستراتيجي التاريخي لتركيا الحديثة مع المشروع الاستعماري الغربي، وفي سياق الحرب الصهيوأميركية المتواصلة على إيران الإسلام والمقاومة، ومشاركة النظام السعودي الحاكم فيها بطرق مختلفة، والرد الإيراني على قواعد انطلاق العدوان في الأراضي السعودية، والحرب العدوانية السعودية على اليمن كجزء من محور المقاومة، والرد اليمني على العدوان السعودي، وفي إطار عجز الحماية الأميركية (الأمن المستورد) عن الدفاع عن أنظمة الخليج العربي ومصالحها، جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك لتُعزز الأمن المستورد بالأمن الإقليمي كمكمل له وليس بديلاً عنه، خاصة وأنَّ تركيا عضو في حلف الناتو مع أميركا، وأنَّ أميركا قد منحت كلاً من السعودية وباكستان صفة (حليف رئيسي خارج الناتو)، وأنَّ الدول الثلاث لديها علاقات تحالف قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، وتمارس سياستها الإقليمية ودورها الوظيفي في الإقليم داخل حدود بيت الطاعة الأميركي، وتُصنّف غربياً (دولاً معتدلة) مقابل (محور المقاومة).

الخلاصة المُستفادة من علاقة تركيا الحديثة بالأحلاف الدولية والإقليمية والثنائية أنها ما تزال تتموضع في المكان البديل لمكانها الأصلي كدولة إسلامية مركزية في قلب الأمة، كان لها دور تاريخي على مدار قرون متواصلة في الدفاع عن الأمة والتصدي للمشروع الاستعماري الغربي ضد الأمة. ولكي تعود تركيا إلى مكانها الأصيل ودورها التاريخي، ينبغي أن تبني تحالفاتها لتصبح جزءاً من منظومة إسلامية وحدوية مُتكاملة، تُحقق مصالح الأمة وتردع أعداءها وتُعزز استقلالها وتستعيد نهضتها وحضارتها… وهذا لا يتم إلا بإنهاء وجود الاستعمار الغربي الأميركي في الإقليم العربي الإسلامي وإزالة الخطر الصهيوني عن الأمة، ابتداءً من فلسطين.