ترامب إلى الصين: هل تستطيع بكين احتواء حرب إيران؟
لا توحي الأجواء الدولية الحالية بأنّ زيارة ترامب ستنتج اتفاقات استراتيجية كبرى، أو أنّ الصين ستقدم على الضغط على إيران لصالح الأميركيين.
-
هل تستطيع بكين احتواء حرب إيران؟
أعلن البيت الأبيض أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيزور الصين في منتصف أيار/مايو الجاري، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى بكين منذ ما يقارب العقد من الزمن. خلال هذه الفترة المستقطعة تشنّجت العلاقات الأميركية الصينية، ووصل التوتر الى حدٍ غير مسبوق خلال فترة الرئيس جو بايدن الذي لم يقم بزيارة الى الصين، وقامت إدارته بخطوات وتصرّفات اعتبرتها بكين استفزازية، وتركّزت في محيط الصين وتايوان على وجه الخصوص.
وسبقت زيارة ترامب المرتقبة، زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي إلى الصين، في خطوة لا يمكن فصلها عن التمهيد لزيارة ترامب، في ظلّ الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى. هذا التزامن الزمني يعكس موقع الصين المتصاعد كفاعل لا يمكن تجاوزه في إدارة أزمات النظام الدولي، وخصوصاً تلك التي تمسّ الطاقة، الممرات الاستراتيجية، والتوازنات الكبرى.
أظهرت حرب إيران حدود القدرة الأميركية العسكرية. كما كشفت لكلّ من الصين وروسيا كيف يمكن لهما التعامل مع تهديد عسكري كبير يمتلك فائضاً في القوة العسكرية، وذلك عبر اعتماد أنماط من الحرب الهجينة، تقوم على امتلاك تقنيات حديثة وأقمار اصطناعية وصواريخ باليستية، إضافة إلى امتلاك تقنيات الحروب غير المتماثلة من وسائل قتالية ذات كلفة متدنيّة وغيرها من أدوات القوة الإعلامية وحرب المعلومات.
إضافة الى ما سبق، تأتي زيارة ترامب إلى الصين في ظلّ تغيّرات غير مسبوقة فرضتها حرب إيران على قواعد وترتيبات النظام الدولي القائم، من دون أن تؤسّس بحدّ ذاتها نظاماً جديداً. أظهرت الحرب ضدّ إيران أنّ القدرة العسكرية الأميركية، رغم تفوّقها، لم تعد كافية لإنتاج استقرار سياسي طويل الأمد، وأنّ الردع لم يعد يعمل بالآليات الكلاسيكية، بل ينتج أشكالاً من الصراع غير الحاسم والمفتوح زمنياً. كما كشفت عن إمكانية تصدّع التحالفات الأميركية في حال تضاربت مصالح الولايات المتحدة مع مصالح حلفائها، وهذا أمر لم يكن من الممكن تصوّره قبل عشرين عاماً أو حتى عشرة أعوام.
وضمن هذا الإطار، وبعد صعود الصين المتعاظم على الساحة الدولية، تكتسب الزيارة الأميركية إلى الصين أهمية خاصة لكونها من أكثر الأطراف استفادة من تجنّب الحروب، والأكثر قدرة على المناورة بين الأطراف المتصارعة، مستندة إلى موقعها في الاقتصاد العالمي واعتماد عدد كبير من الدول، بما فيها إيران، على علاقاتها التجارية والمالية معها.
لا توحي الأجواء الدولية الحالية بأنّ زيارة ترامب ستنتج اتفاقات استراتيجية كبرى، أو أنّ الصين ستقدم على الضغط على إيران لصالح الأميركيين. كذلك، من غير المتوقّع أن تقدّم تنازلات كالتي قدّمتها خلال فترة ترامب الأولى، بعد تصاعد الحرب التجارية بينهما. الأرجح أنّ الزيارة ستنجح في إعادة فتح قنوات التواصل المباشر وتقليص مخاطر الانتقال إلى صدام مباشر بين الولايات المتحدة والصين لما يترتّب عليه ذلك من تداعيات عالمية، في ظلّ تزايد احتمالات سوء التقدير.
كما تأتي أهمية هذه الزيارة في تبريد الأجواء بين الدولتين، خاصة بعد سلوك الإدارة الأميركية السابقة مع الصين وفي محيطها، والتي دفعت كلاً من روسيا والصين إلى تحالف الضرورة الوجودي. وأخيراً، وقد يكون الأهمّ حالياً بالنسبة لترامب، هو مدى قدرة الصين على تأدية دور في احتواء حرب إيران، وردم الهوة بين مقاربة الطرفين وهو دور أدّته الصين سابقاً بين إيران والمملكة العربية السعودية.
سوف يتعامل ترامب مع الصين ليس كمجرّد شريك اقتصادي لإيران، بل كطرف قادر على التأثير العملي في السلوك الإيراني والضغط عليها، وحتى تقديم ضمانات دولية لإيران في حال توصّل الطرفان الأميركي والإيراني إلى صيغة مقبولة لحلّ النزاع، وهو ما يفسّر إدراج الملف الإيراني، وإن بشكل غير معلن، ضمن خلفيّة زيارة ترامب.
في المقابل، سوف تقارب الصين في حوارها مع ترامب المواضيع المطروحة من ضمن واقع جديد، يشي بتراجع الهيبة الأميركية العالمية بعد حرب إيران، بسبب عدم قدرة الأميركيين والإسرائيليين على تحقيق أهداف الحرب المعلنة ضدّ دولة من دول الجنوب العالمي، تعيش حصاراً وعقوبات منذ عقود.
وعليه، نستنتج أنّ حرب إيران قد تكون قد أسهمت في ترسيخ ثلاث سمات للنظام الدولي الراهن:
1. تفكّك القواعد الشاملة: لم تعد هناك مرجعية واحدة قادرة على فرض قواعد على الجميع كما في السابق.
2. تعاظم دور القوى الكبرى غير المنخرطة عسكرياً: مثل الصين، التي بات نفوذها ناتجاً عن موقعها وقدرتها على الوساطة وليس لاشتراكها في الحرب (وهذا شيء جديد في العلاقات الدولية التي لطالما أعطت الرابحين القدرة على تشكيل قواعد النظام الجديد).
3. تقدّم منطق التسويات المؤقتة: حيث يعمل ترامب وبسبب عدم قدرته على تحقيق انتصار في الحرب، على محاولة إنتاج تهدئة جزئية مؤقتة لتجميد النزاع بدل حلّه، مع العلم أنه أمر غير مضمون النتائج وقد يعود للانفجار في أيّ وقت.