بين "الكود 100" و "تكتيك الذئب".. الحرب الشاملة تقف على الحافة الصفرية من العراق
الحكومة العراقية تقف اليوم بين فكيّ كماشة، فمن جهة ضغوط أميركية تجلت في منع محدود للرحلات الجوية من إيران وإليها بعد إعلان واشنطن حظرا جويا عليها، ومن جهة أخرى تحذيرات صدرت عن أحد الفصائل العراقية لوحت بإغلاق منافذ الأجواء أمام الدول المشاركة في ذلك الحظر.
-
"إسرائيل" بالنسبة إلى العراق عدو معلن بحكم القانون والتاريخ والموقف الشعبي.
أيُّ حكمةٍ هذه التي تجعل أهل الدار ينشغلون بالمفاضلة بين عاصفتين أيهما أشدّ بأساً؟ وأيُّ منطقٍ هذا الذي يرضى معه بلدٌ كالعراق أنْ يكون أكثر جيران الجمهورية الإسلامية انكشافاً على الشرارة القادمة من الغرب والشرق؟ فهو سيّد وشعبه لن يرضى بدور المتفرج القلق فيما تُخطّ فوق رأسه مسارات الطيران الحربي وتتقاطع في سمائه رسائل النار قبل أنْ تتحول إلى نارٍ حقيقية.
تلك هي معطيات وتكهنات ما نعيشه في هذه الساعات التي يتحوّل فيها الإقليم من مرحلة الاستنزاف إلى ما يُسمّيه المحللون "الحرب الصفرية"، تلك التي لا يخرج منها طرفٌ بربح ولا يبقى فيها هامشٌ لمن لم يدخلها أصلاً. وأنا إذ أكتب هذه السطور بوصفي مواطناً، صحفياً وإعلامياً، وكاتباً عراقياً قبل أي صفةٍ أخرى، أرى أنّ السؤال الذي ينبغي أنْ يشغلنا ليس من سينتصر في المواجهة المرتقبة؟ لأن جبهة الحقّ بائنة وجبهة الباطل بائنة وجلية للقاصي والداني بين العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة وبين إيران الجارة، بل كيف نمنع أنْ يكون العراق ممرها وساحتها وثمنها في آنٍ واحد؟
فما بين المؤكد والمتداول تضيع الحقيقة عادةً في مثل هذه الساعات الحرجة من عمر ولادة التغيير الجيوسياسي الذي تشهده منطقتنا. فالمؤكد أنّ المنطقة تعيش منذ أواخر شباط/فبراير الماضي حرباً مفتوحة الفصول بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، تخللتها هدنة ومفاوضات هشّة ثم تُستأنف الضربات المتفرقة على حين غرة!
ولعلّ ما حدث في قاعدة كونارك البحرية المُطلة على بحر عُمان كان من الأهداف التي طالتها الضربات الأميركية أكثر من مرة منذ اندلاع هذه الحرب وقد تكون شرارة الحرب الشاملة، أما المتداول فهو ما نقلته بحرية الجيش الإيراني لإحدى المؤسسات الإعلامية الخليجية عن قصفٍ جديد بمقذوفين دمرا مدفعاً بحرياً وأصابا بحارين اثنين، وقد وصفه الجانب الإيراني بأنه أول اعتداءٍ مباشر منذ مطلع أيلول/سبتمبر.
وكذا الحال مع ما ذُكر عن إعلان "الكود 100" بوصفه أعلى درجات الجاهزية القتالية، ومع ما تردد عن دخول مقاتلات إيرانية إلى الأجواء العراقية لمواجهة طائرات معادية، وحتى إذا لم تحسم المصادر حقيقة التصريحات حتى وقت كتابة هذه المقالة؛ إلا أنّ ما يعنينا أنّ الرواية نفسها، سواء صدقت كلها أو بعضها، تقول إنّ سماءنا صارت جزءاً من معادلة الحرب.
وعلى مستوى التكتيك، يستوقفني ما بات يُعرف بـ "تكتيك الذئب"، أو ما تُسمّيه أدبيات الحرب النفسية "تأثير الصرخة الكاذبة"، وهو أنْ يُطلق الطرف المهاجم إنذارات متكررة وتحركات استعراضية قرب حدود الدولة الهدف، كالسرب المتكوّن من عشر مقاتلات إسرائيلية الذي قيل إنّه انطلق من قاعدة "نيفاتيم" وناور ليلاً قرب الحدود السورية - العراقية حتى يعتاد المُستهدف على الضجيج فتصاب رادارات دفاعه الجوي وأطقم تشغيلها بالإرهاق، وتنخفض حساسية قراره السياسي والعسكري تجاه كل طارئ، ثم تأتي الضربة الحقيقية في الليلة التي يظن فيها الجميع أنّها ليلة أخرى من الليالي نفسها.
وهذه الحيلة على قدمها قد لا تفقد فعاليتها حين تتقنها أجهزة تملك التقنية والمال؛ لكن إيران أيضاً لديها من عناصر القوة والردع المتعددة ما قد يُفاجئ العدو بالوتيرة نفسها إذا ما كانت أشدّ بحسب الوعيد الإيراني، غير أنّ الخطر الذي يجب أنْ يُقلق العراقيين -ولستُ هاهنا محرضاً ولا متبنياً لإنذار القلق- أنّ مسرح الحرب الأوسع هو أجواؤنا نحن، فالسرب الذي يتدرب على الاقتراب من حدودنا يختبر في الوقت نفسه ردة فعل بغداد، ويقيس قدرتها على الرصد والاعتراض والاحتجاج، ويرى كم سابقةً تجعل الخرق الفعلي حين يقع أقلّ صدمة وأيسر هضماً.
ولا يفوت القارئ العزيز أنْ يلحظ أنّ العراق الذي يفتقر إلى دفاعات جوية بحجم الردع والتهديد المتوقع؛ لا يفتقر إلى النصوص التي تحميه، فدستوره الاتحادي ينصّ في مادته الثامنة على رعاية مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول والتخلي عن الحرب كوسيلة لتسوية النزاعات، واتفاقية الإطار الاستراتيجي مع واشنطن تحظر في مادتها السابعة والعشرين استخدام الأراضي والأجواء العراقية منطلقاً أو ممراً لهجمات على دول أخرى، وقانون تجريم التطبيع الصادر عام 2022 يحسم موقف الدولة من العدو الإسرائيلي، وقد سبق لبغداد أنْ اشتكت إلى الأمم المتحدة من خروقٍ جوية، وطالبت واشنطن بتحمّل مسؤولياتها بوصفها قائدة التحالف الدولي الذي خرج من العراق نهاية أيلول/سبتمبر الماضي من هذا العام -وأعطى ضوءه الأخضر لـ"تل أبيب" في استباحة الأجواء العراقية.
غير أنّ الفارق بين تلك النصوص والواقع هو الجرح المفتوح لـ "السيادة"، التي لا تُحمى بالبيانات وإنّما بالقدرة، وقد صنفت هيئات الطيران الدولية، ومنها الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، الأجواء العراقية مجالاً عالي الخطورة، وأقرّت أنّ قدرة السلطات العراقية على بسط رقابة فعالة عليها محدودة بسبب ضعف آليات التنسيق، وهذه شهادة مؤلمة نقرؤها بعين الواقعية لا بعين المجاملة.
وإزاء ذلك، لا يستطيع أيّ عراقي منصف أن يتجاهل أنّ إيران ليست جاراً عابراً في الخريطة، فالحدود التي تتجاوز ألفاً وأربعمئة كيلومتر، والزائرون الذين يعبرون في الاتجاهين بالملايين في المواسم كافة على مدار السنة، والتجارة التي تجعل الأسواق العراقية من أكبر وجهات الصادرات الإيرانية، والغاز والكهرباء المستوردان اللذان تتوقف عليهما محطات التوليد العراقية في ذروة الصيف، والمصاهرة والتاريخ المشترك والمراقد الدينية المتجاورة؛ كلها خيوط نُسجت على مدى قرون لا تقطعها بيانات الحرب والسياسة ولا قرارات ظرفية.
وبخاصة إنّ "إسرائيل" بالنسبة إلى العراق عدو معلن بحكم القانون والتاريخ والموقف الشعبي الراسخ من القضية الفلسطينية، وما أراه وأحذر منه أنّ "تل أبيب" قد تسعى إلى أكثر من تدريب طياريها على الأجواء المجاورة، إذ يصعب فصل ما يجري عن رغبةٍ في تحويل الموقع الجغرافي للعراق إلى ثغرة تلتف منها على الدفاعات الإيرانية، والدفع برد الفعل الإيراني نحو الأراضي العراقية، فيغدو العراق هو الطرف الذي يُقصف ويُحاسب ويُحاصر، وبذلك تتحقق ثلاثة أهداف بضربة واحدة:
· ضرب إيران.
· توريط العراق.
· تقديم الذريعة لاستهداف بنيتهما التحتية ومؤسساتهما ومن تُعدهم خصومها في الداخلين الإيراني والعراقي.
ولا يغيب عن البال أنّ واشنطن هي صاحبة الدور الأثقل في هذه المعادلة، فهي بحكم التفاهمات القائمة بين نتنياهو وترامب شريك في تغطية الأجواء العراقية ورصدها، ومن ثم فإنها مسؤولة سياسياً وقانونياً عن أي خرق يقع، وعلى الحكومة العراقية أن تطالبها بذلك بصوت مرتفع وبالتزامات مكتوبة لا بتطمينات شفهية.
ولا أخفي أنّ الحكومة العراقية تقف اليوم بين فكيّ كماشة، فمن جهةٍ ضغوط أميركية تجلت في منع محدود للرحلات الجوية من إيران وإليها بعد إعلان واشنطن حظراً جوياً عليها، ومن جهة أخرى تحذيرات صدرت عن أحد الفصائل العراقية لوّحت بإغلاق منافذ الأجواء أمام الدول المشاركة في ذلك الحظر.
وإذا وسعنا العدسة قليلاً لنرى المشهد الإقليمي بتمامه، فإنّ ما أعلنه الجانب اليمني عن ضربة باليستية على معسكر العلم في شبوة، وما قيل عن مئة قتيل بينهم ضباط سعوديون، يعني أنّ الإقليم متصل اتصالَ الأواني المستطرقة، ومن يظنّ أنّ الدخان سيبقى حبيس بقعة واحدة فهو يعيش في غفلة مما يدور في الجبهات اليمنية واللبنانية والسورية والخليجية والعراقية التي تتنفس برئة واحدة.
لأنّ الحرب الوشيكة -لا سمح الله- تُدار بساعات انتخابية وحسابات سياسية، إذ تتزامن حركة حاملة الطائرات روزفلت نحو بحر العرب، المتوقع وصولها بين أواخر تشرين الأول/أكتوبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر، مع انتخابات الكونغرس والكنيست، بينما يدفع الثمن في الميدان أناس لا ناقة لهم في تلك الحسابات ولا جمل.
وإنْ كان لي أنْ أخاطب العواصم العربية والإقليمية مباشرة من نافذة موقع #الميادين_نت، فإنني أقول إن أيّ معسكر يُبنى على الولاء قبل الكفاية يظلّ هدفاً مكشوفاً لأي اختراق استخباري، وإنّ أيّ جيش لا يحمي نفسه بالكفاية والقدرة لن تحميه أسراب الحلفاء.
إنّ لغة تبادل التهديد التي تتبادلها الأطراف هذه الأيام اختلفت نغماتها وتعددت أهدافها، وبخاصة تلك التي تلوّح باستهداف سبعة كابلات للاتصالات البحرية تمر من خلال مضيق هرمز، بحسب ما نُقل عن المتحدث باسم حرس الثورة، وبتحويل ساحة المواجهة إلى أرض محروقة، تقابلها تحذيرات السفر الأميركي لرعايا واشنطن إلى اثنتي عشرة دولة، وصعود خام برنت فوق المئة والعشرة دولارات بحسب ما تداولته الأسواق التي تتنبأ باستمرار الصعود، فهذه اللغة مهما بدت ورقة ردع وحرب نفسية؛ إلا أنّها تضع البنى التحتية المدنية، من الاتصالات إلى الطاقة، في مرمى الحسابات، والمدنيون في كل الأحوال هم أول من يدفع الفاتورة، من تعطل المستشفيات إلى انقطاع الإنترنت والكهرباء.
ومن موقعي كمواطن عراقي أقول إننا من أكثر الناس عرضة لهذا السيناريو، فالعراق يُصدر الجزء الأعظم من نفطه من خلال موانئ الجنوب والخليج، وتشكل إيرادات النفط نحو تسعين في المئة من موازنته، ومن ثم فإنّ أيّ اضطراب في هرمز لا يرفع الأسعار لصالحنا كما يتوهم البعض، بل يحبس الصادرات في الخزانات فتتجمد الإيرادات التي تُدفع منها رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية والحماية الاجتماعية، فارتفاع السعر مع انعدام القدرة على التصدير كمن يرى المطر من خلف الزجاج وهو عطشان، أما الكابلات فإن بوابتنا الرقمية نفسها مرتبطة بالخليج جنوباً، وأيّ ضرب لها يعني خسائر في قطاعات المصارف والتعليم والإعلام والخدمات الحكومية،لا قدّر الله.
ولا يفوتني أنْ أشير إلى أنّ الدبلوماسية، وإنْ بدت خافتة في ضجيج المقاتلات، إلا أنّ أبوابها لم تُغلق حتى الآن، فزيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، ووصول قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير في زيارة أمنية، وتأكيد الرئيس مسعود بزشكيان تمسك بلاده بحوار متكافئ لا يجري تحت سيف التهديد، مع ما تصرّح به الدوحة عن عمل مشترك مع واشنطن وطهران ووسطاء آخرين لإنهاء الحرب، كلها مؤشرات على أنّ في الجدار ثغرة صغيرة يُمكن توسيعها واستثمارها لإنهاء الحرب.
وللعراق في هذا الميدان رصيد يجب عدم التفريط به، فقد استضافت بغداد في عامي 2021 و2022 جولات حوار بين طهران والرياض كان لها أثر في نزع فتيل التوتر آنذاك، وقبلها في اجتماعات الدول (الست) في 2015، وهي سابقة تؤهله ليكون طاولة تلتقي حولها الرسائل لا ساحة تتبادل فيها الصواريخ.
فما الذي يمكن فعله، وأنا لست ممن يكتفون بالتحذير ثم يتركونه معلقاً في الهواء؟ بل أطرح خيارات قد يستفيد منها صانع القرار:
· أولها خارجي: أرى أنّ الخيار الاستراتيجي الأقرب إلى مصلحة العراق وشعبه أنْ تعلن الحكومة موقفاً رسمياً موثقاً ترسله إلى مجلس الأمن والأطراف المعنية تُعد فيه أيّ خرق جوي أو استخدام للأراضي العراقية عدواناً يستوجب الرد القانوني والدبلوماسي، وأنْ تُسرع في تعزيز شبكة الرادارات والدفاع الجوي بشراكات متنوعة بدلاً من الارتهان لمصدر واحد.
· وثانيها الداخلي: أن يُحصر قرار الحرب والسلم في يد الدولة وحدها استناداً إلى المادة التاسعة من الدستور التي تحظر تشكيل مجموعات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، وأن تتحاور القوى السياسية على ورقة وطنية جامعة تمنع تحويل سلاح أي جهة إلى ورقة بيد الخارج.
· وثالثها الاقتصادي: أنْ تُفعل خطط الطوارئ لحماية الرواتب والمخزون الاستراتيجي من الوقود والغذاء والدواء، وتتحرك بجدية لتنويع منافذ التصدير من خلال خطوط تصدير بديلة، والمشروعات المقترحة للربط مع طريق التنمية، فلا يبقى مصير الاقتصاد معلقاً بالفيدرالي الأميركي أو بخطّ تصديري واحد.
· ورابعها الدبلوماسي: أنْ يعرض العراق نفسه وسيطاً وبيتاً للاتصال المباشر أو غير المباشر بالتنسيق مع قطر وسلطنة عمان وغيرها من دول الوساطة.
· وخامسها في حقل الإعلام وهو ميداني التخصصي: أقول إنّ حرب الرواية صارت جبهة قائمة بذاتها، يتبارى فيها الجميع في تضخيم الخسائر وتهويل الانتصارات، وعلى الصحفي والإعلامي وصانع المحتوى العراقي والمؤسسات الإعلامية أنْ يتحققوا من كل رقم ومعلومة وبيان وموقف قبل نشره، لأنّ الإشاعة في أيام الحرب قد تقتل قبل الصاروخ.
وبخاصة إنّ المنطقة ليست أمام معركة تفاوضية على شروط مضيق أو على بند نووي، بل أمام لحظة يُختبر فيها ما إذا كانت دولها قادرة على تقديم مصلحة شعوبها على حسابات الساعة الانتخابية وغرائز الاستعراض لدى نتنياهو وترامب، وإنّ العراق بحكم موقعه وجغرافيته وتشابك علاقاته مع إيران والخليج هو الاختبار الأصدق لهذا الميدان، فإما أنْ يكون قوة توازن وعقلاً تتحصن داخله سيادة حقيقية وله دور فاعل ووحدة قرار، وإما أنْ يغدو الجسر الذي تعبر فوقه نيران الآخرين لتحرق بيته أولاً.
وإلى صانع القرار في بغداد، وإلى كلّ من بيده قرار في عواصم الجوار، أقول إنّ الحرب الشاملة -التي يجري تثوير وطيسها الآن- لا تسأل في نهايتها عن المنتصر والخاسر بقدر ما تسأل عن الشعوب التي ستتضرر من شرارها، فاعتصموا بالحكمة قبل أنْ تُغلق أبوابها واستعدوا، وتذكروا قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، والله ستار عليم.