بين آل البيت والأزهر وجمال عبد الناصر... ماذا يعني انتصار إيران لمصر؟

هل تستطيع القيادة المصرية استغلال هذه الفرصة التاريخية لاستعادة دور مصر الريادي في العالم العربي والإسلامي والأفريقي، بعد عقود من الانكفاء تحت عبء كامب ديفيد؟

  • الروح المصرية: تسامح ومركزية وشمولية.
    الروح المصرية: تسامح ومركزية وشمولية.

بعد أسابيع من الحرب التي هزت أركان غرب آسيا والعالم أجمع، فرض وقف إطلاق النار نفسه، وأظهر عجز "إسرائيل" عن فصل جبهة جنوب لبنان عن مضيق هرمز.

هذا التحول لم يكن مجرد هدنة عابرة، بل إعلاناً عن ولادة قوة جديدة استطاعت أن تروض العملاق الأميركي، حتى لو نكص الاتفاق وعادت الحرب من جديد، فالمسار أصبح واضحاً. أمام هذا الواقع، تتسارع تغييرات جذرية، أبرزها التآكل الوظيفي المتسارع لـ"إسرائيل" بعد عجزها عن استكمال ما اعتبرته "إنجازات" إثر معركة طوفان الأقصى. والأهم أن ملامح توجه جديد بدأت ترسم في غرب آسيا، على حساب "إسرائيل"، ومن أهم ركائز هذا التوجه: مصر.

هنا نأتي إلى الركن الثالث في غرب آسيا، وهو مصر، الدولة المركزية التي يواليها أهلها أيّاً كانت منذ زمن الفراعنة. هي "أم الدنيا" بالنسبة لهم، وربما للعالم. مرت عليها شخصيات كثيرة مؤثرة في تركيب هويتها الثقافية: من آل البيت ممثلين بمقامي السيدة زينب ورأس الحسين، إلى الأزهر الشريف الذي يعود تأسيسه إلى المعز لدين الله الفاطمي، إلى الشخصيات الصوفية التي شكلت طرقاً أتباعها بالملايين، فمزجت بين التراث الفاطمي والتراث الصوفي، ما أسهم في صياغة شخصية مصرية متسامحة، غير عنيفة أو تكفيرية.

وهناك جمال عبد الناصر الذي استعاد دور مصر ضمن دوائر ثلاث: العربية والأفريقية والإسلامية. فأين تكمن روح مصر؟ وهي التي ليس فيها تعدد إثني أو طائفي، بل فقط مسلمون ومسيحيون يحملون الهوية المصرية المركزية الجامعة نفسها.

الشخصيات المؤسسة للروح المصرية

على عكس إيران التي بنت هويتها على تثليث رستم والحسين والمهدي، وتركيا التي لا تزال تبحث عن هويتها بين أتاتورك وأربكان ورومي وحاجي بكتاشي، تمتلك مصر شخصياتها المؤسسة التي شكلت روحاً متسامحة جامعة:

آل البيت في مصر: مصر لم تكن مجرد بلد استقبل آل البيت، بل هي منحتهم مكانة مركزية في هويتها. مقام السيدة زينب في القاهرة، ورأس الحسين في مسجده الشهير، ليسا مجرد ضريحين، بل هما قلب نابض للوجدان المصري. الوجه المصري للتشيع (عبر الطرق الصوفية والإرث الفاطمي) لم يكن أبداً سياسياً أو مذهبياً متصلباً، بل كان روحانياً متسامحاً، اندمج مع الإسلام السني الأزهري من دون صدام. هذه الظاهرة فريدة في العالم الإسلامي: فمصر استوعبت التشيع كبعد روحاني، لا كبديل سياسي أو مذهبي.

الأزهر الشريف: في مفارقة تاريخية فريدة، أسست الخلافة الفاطمية الشيعية أعلى مؤسسة سنية في العالم الإسلامي. تأسس الأزهر عام 970م، وافتتح عام 972م، وبدأ يأخذ طابعه الأكاديمي عام 975م. هذه المفارقة تؤكد أن مصر لديها قدرة فريدة على استيعاب التناقضات وتحويلها إلى مصادر قوة. الأزهر لم يكن يوماً مؤسسة طائفية، بل كان جامعة الأمة الإسلامية، تجمع المسلمين من كل المذاهب تحت قبة واحدة. وفي زمن التحديات، يقف الأزهر كحصن للاعتدال والتسامح، في مواجهة التيارات المتطرفة، ويكفيه مشروعه الجامع بالاعتراف بالمذاهب الثمانية وجواز التعبد فيها في عهد الشيخ محمود شلتوت. زمن جمال عبد الناصر.

الطرق الصوفية: مصر هي أكبر تجمع للطرق الصوفية في العالم الإسلامي. الطرق التي تنتسب إلى آل البيت (كالقادرية والرفاعية)، والطرق التي تنتسب إلى كبار الأولياء (كالأحمدية البدوية)، شكلت هوية دينية شعبية متسامحة، لا تعرف التكفير أو الإقصاء. ملايين المصريين يحيون الموالد النبوية والاحتفالات الصوفية، في تجسيد حي للإسلام الشعبي المتسامح الذي يرفض العنف والتطرف. هذه الظاهرة جعلت من مصر بلداً "وسطياً" بامتياز، بعيداً عن نزعات التطرف التي ضربت بلداناً أخرى.

جمال عبد الناصر: الرئيس المصري الذي استعاد دور مصر ضمن ثلاث دوائر: العربية (قيادة الوحدة العربية)، والأفريقية (دعم حركات التحرر)، والإسلامية (استضافة المؤتمرات الإسلامية). عبد الناصر لم يكن رجل أيديولوجيا دينية، بل كان رجل دولة استطاع أن يعطي مصر دوراً مركزياً في العالمين العربي والإسلامي بعد قرون من التبعية العثمانية ثم البريطانية.

حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاته، لا يزال عبد الناصر حاضراً في الوجدان المصري والعربي كرمز للاستقلال والكرامة. والأهم، أن عبد الناصر أسس لسياسة خارجية مصرية تقوم على عدم الانحياز والتوازن، وهي السياسة التي تعود مصر إلى تبنيها اليوم.

الروح المصرية: تسامح ومركزية وشمولية

ما يميز مصر عن إيران وتركيا هو أنها تمتلك هوية مركزية جامعة لا تعرف التعدد الإثني (باستثناء أقلية نوبية صغيرة)، ولا تعرف الانقسام المذهبي الحاد. المصريون، مسلمين ومسيحيين، يشتركون في الهوية المصرية نفسها التي تشكلت عبر آلاف السنين من الحضارة المتصلة.

هذه الهوية المركزية تجعل مصر أقل عرضة للصراعات الداخلية التي تعاني منها دول الجوار. كما تجعلها أكثر قدرة على لعب دور الوسيط الإقليمي، لأنها لا تحمل "أجندة مذهبية" تثير حساسية جيرانها، والصراع الوحيد الذي تعيشه مع الإخوان المسلمين من خلفية سياسية لا دينية.

في تقرير استراتيجي صادر عن Ahram Online مطلع عام 2026، تم تحليل دور مصر المتزايد في إدارة "الفوضى المدارة" في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا. التقرير أشار إلى أن مصر تعيد تأكيد نفسها كقوة محورية، بفضل موقعها الجغرافي الفريد كجسر بين قارتين، وبفضل تراكمها الدبلوماسي الفريد.

وذكر التقرير أن استراتيجية مصر تقوم على مزيج محسوب من القوة الناعمة (الوساطة والدبلوماسية والتنسيق متعدد الأطراف) والقوة الصلبة (الوجود الأمني البحري واتفاقيات التعاون العسكري). هذا المزيج مكن القاهرة من أن تكون شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في إدارة الفوضى، مع الحفاظ على استقلالية قرارها ومواقفها التاريخية الثابتة من القضايا العربية والأفريقية.

ماذا يعني انتصار إيران لمصر؟

في هذا السياق من الهزيمة الأميركية-"الإسرائيلية" والانتصار الإيراني (أو "عدم الخسارة" الإيراني)، تقف مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها الإقليمي:

أولاً: الفراغ الذي تتركه أميركا

جون ميرشايمر يتوقع أن الولايات المتحدة ستخرج من هذه الحرب منهكة، وستكون أقل رغبة في الانخراط العسكري في الشرق الأوسط. حلفاء أميركا في الخليج سيعيدون النظر في تحالفاتهم، بعد أن رأوا أن الوجود العسكري الأميركي لم يحمهم من الصواريخ الإيرانية. هذا الفراغ قد تملأه مصر، شرط أن تكون قادرة على بناء تحالفات إقليمية جديدة.

ثانياً: التوتر في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية

ميرشايمر يتوقع أن العلاقات بين واشنطن و "تل أبيب" ستتسمم، لأن ترامب سيلقي باللوم على نتنياهو لقيادته إلى حرب خاسرة. هذا التوتر قد يدفع "إسرائيل" إلى البحث عن حلفاء جدد، وهي لن تجدهم، وليس أمام مصر إلا أن  تستثمر بدء انحسار المظلة الأميركية للكيان، بالبحث عن طريقة للانسحاب من اتفاقيات "كامب ديڤيد" التي حجمتها. 

ثالثاً: تعزيز الدور المصري في غزة وفلسطين

مع تراجع الدعم الغربي لـ"إسرائيل"، ومع إدراك واشنطن أن استمرار الصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي" يهدد استقرار المنطقة بأكملها، قد تجد مصر فرصة لفرض رؤيتها لحل الدولتين، كمرحلة على طريق انهيار الكيان بشكل نهائي.

رابعاً: مواجهة التحدي الإثيوبي

انشغال "إسرائيل" بالحرب، وتورط الولايات المتحدة في صراعين (أوكرانيا وإيران)، وتضعضع موقف بعض الدول العربية الداعمة لإثيوبيا، التي أصابها ما أصابها، قد يضعف الدعم الغربي لإثيوبيا في ملف سد النهضة. مصر تستطيع استغلال هذه الفرصة لتعزيز موقفها في المفاوضات، والبحث عن حلول إقليمية لأزمة المياه.

خامساً: الحفاظ على الأمن المائي والحدودي

الحرب وما بعدها قد تؤثر على إمدادات الأسمدة والغذاء العالمي، ما يرفع خطر المجاعة. مصر، التي تعتمد على واردات القمح بشكل كبير، مطالبة بتأمين احتياجاتها الغذائية في ظل الاضطراب العالمي.

الخلاصة: مصر في مواجهة النظام العالمي الجديد

مصر تخرج من هذه الحرب في موقع مختلف تماماً عن موقع إيران المنتصرة أو أميركا المنهزمة. مصر لم تخض الحرب، لكنها ستكون من أكثر الدول تأثراً بنتائجها.

الروح المصرية الجامعة، التي تشكلت عبر آلاف السنين من الحضارة المتصلة، والتي مزجت بين التراث الفاطمي والطرق الصوفية والأزهر الشريف، جعلت من مصر دولة مركزية قادرة على احتواء التناقضات ولعب دور الوسيط الأمين.

كما خلص تقرير Ahram Online الاستراتيجي، "لن ينبثق الاستقرار الإقليمي من رؤى مثالية أو تسويات شاملة، بل من إدارة منضبطة للتحولات الاستراتيجية عبر ترتيبات متعددة الأطراف، مرنة تجمع بين الدبلوماسية والوجود الأمني والتنسيق الاقتصادي. دور مصر ليس مجرد دور إقليمي؛ إنه دور هيكلي. بموقعها الجيوستراتيجي الفريد ورصيدها الدبلوماسي المتراكم، تقف مصر كمفصل يرتكز عليه المسار المستقبلي لغرب آسيا وشرق أفريقيا – سواء نحو استقرار نسبي أم فوضى متجددة".

السؤال المتبقي: هل تستطيع القيادة المصرية استغلال هذه الفرصة التاريخية لاستعادة دور مصر الريادي في العالم العربي والإسلامي والأفريقي، بعد عقود من الانكفاء تحت عبء كامب ديفيد؟ وأن تسهم بشكل فعال في بناء نظام إقليمي يعيد المنطقة إلى سياقها التاريخي الحضاري بالتعاون مع تركيا وإيران، وربما السعودية وباكستان؟ أم أن الأزمات الاقتصادية الداخلية والضغوط الخارجية ستمنع مصر من اللعب بالحجم الذي تستحقه؟

الأشهر والسنوات المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن المؤكد أن روح مصر، التي صمدت عبر آلاف السنين من الفراعنة إلى الفاطميين إلى ثورة يوليو، ستبقى حاضرة، قادرة على تجاوز كل التحديات، واستعادة دورها الطبيعي كقلب العالم العربي النابض ورافعته.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.