بعد محاولة عزلها: إيران عبر نفق كاراجان تسدّد ضربة لتركيا وأذربيجان

صراعُ الممرات في جنوب القوقاز تحوّل إلى مواجهة جيوسياسية بين إيران وتركيا وأذربيجان والولايات المتحدة، مع تمسّك طهران وأرمينيا بالحفاظ على الممرات البديلة عبر مشروع نفق كاجاران.

0:00
  • بعد محاولة عزلها: إيران عبر نفق كاراجان تسدّد ضربة لتركيا وأذربيجان
    بعد محاولة عزلها: إيران عبر نفق كاراجان تسدّد ضربة لتركيا وأذربيجان

شكّل ممر زنغزور نقطة خلاف جوهرية وصراع نفوذ محتدماً بين تركيا وأذربيجان من جهة وإيران من جهة أخرى، يمرّ ممر زنغزور عبر محافظة "سيونيك" الأرمينية الجنوبية الملاصقة للحدود الإيرانية. سيطرة أذربيجان أو تركيا على هذا الشريط الحدودي تعني خسارة إيران لحدودها البرية المباشرة مع أرمينيا (بطول 44 كم). وهي المنفذ البري الوحيد لإيران نحو القوقاز، ومنها إلى البحر الأسود وروسيا وأوروبا من دون المرور بأراضي تركيا أو أذربيجان.الممر يربط أذربيجان مباشرة بإقليم "نخجوان" المعزول، ومنه مباشرة إلى تركيا. يتيح لتركيا اتصالاً برياً مباشراً ونفوذاً غير مشروط يمتدّ من أنقرة، عبر بحر قزوين، وصولاً إلى دول آسيا الوسطى الناطقة بالتركية.

ترى إيران في هذا التمدّد "القومي التركي مع منظمة الدول التركية محاولة لتطويقها جغرافياً وإضعاف نفوذها الإقليمي. كانت تركيا وأذربيجان تستخدمان الأراضي والأجواء الإيرانية للوصول إلى بعضهما البعض أو إلى آسيا الوسطى، مما يمنح طهران عوائد مالية ونفوذاً سياسياً. فتح ممر زنغزور يجعل أذربيجان وتركيا في غنى عن الأراضي الإيرانية، مما يفقد طهران مئات الملايين من الدولارات سنوياً من رسوم العبور والجمارك.

تستثمر إيران بقوة في ممر "شمال - جنوب" البري والبحري الذي يربط الهند وخليج عمان بروسيا وأوروبا عبر الأراضي الإيرانية والأرمينية. يمثّل ممر زنغزور جزءاً من "الممر الأوسط" المدعوم من الغرب وتركيا، وهو منافس مباشر للممر الإيراني ويهدف إلى تحويل حركة التجارة الدولية بعيداً عن الرقابة الإيرانية-الروسية.

من ممر زنغزور إلى تسميته بممر ترامب؟

تتوجّس إيران من العلاقات العسكرية والاستخباراتية القوية بين باكو و"تل أبيب". وتخشى طهران أن يتحوّل ممر زنغزور في المستقبل إلى قاعدة متقدّمة للمخابرات الإسرائيلية أو قوات حلف الناتو على حدودها الشمالية مباشرة.

جرت عملية تغيير اسم الممر ووظيفته وحمل اسم "ممر ترامب"  بناءً على اتفاق سلام تاريخي وُقّع برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في آب/أغسطس 2025، وأفضى إلى تغيير معادلة إدارة هذا الممر الجيوسياسي. نجح ترامب في جمع الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في واشنطن لإنهاء الخلاف الطويل حول الممر، مقدّماً المشروع كإنجاز دبلوماسي كبير لإدارته.

ينصّ الاتفاق على منح شركة أميركية خاصة حقّ إدارة وتطوير وتشغيل هذا الممر (الممتد بطول 43 كم) بموجب عقد إيجار يمتدّ لـ 99 عاماً. ستقوم الشركة الأميركية بضمان حركة الشحن "من دون عوائق" لصالح أذربيجان مع محاولة مراعاة السيادة الأرمينية، مما أزال الاسم التاريخي القديم (زنغزور) وحوّله رسمياً في الدوائر السياسية إلى "طريق ترامب". 

كان من المفترض أن يتولّى حرس الحدود الروسي إدارة وتأمين حركة المرور في زنغزور وفق اتفاقيات السلم السابقة (عام 2020)، وبدخول الخطة الأميركية حيّز التنفيذ، تمّ إقصاء روسيا بالكامل من الإشراف على المعبر، ووضعت واشنطن موطئ قدم مباشر لها على الحدود الإيرانية-الأرمينية، مما يبرز الأثر السياسي الذي جعل اسم ترامب ملتصقاً بالمشروع كأداة لاحتواء الخصوم وتغيير الخريطة الجيوسياسية للقوقاز. 

تواجه الحكومة الأرمينية انتقادات لاذعة من المعارضة والشعب، الذين يرون أنّ السماح بإنشاء ممر زنغزور (حتى لو كان بإدارة أميركية) هو انتهاك للسيادة الوطنية وقبول غير مباشر بالشروط التركية.

إيران تحفر نقق كاراجان: أبعاد وخلفيّات المشروع الاستراتيجي

تحفر الشركات الإيرانية نفق "كاجاران" بطول 7.2 كيلومترات في مقاطعة سيونيك بجنوب أرمينيا، وهو خطوة استراتيجية تهدف إلى إفشال مشروع "ممر زنغزور" الذي تدعمه تركيا وأذربيجان. هذا النفق، الذي يعدّ أحد أكثر المشاريع الهندسية تعقيداً في منطقة القوقاز، يمنح إيران ممراً برياً دائماً نحو أوروبا وروسيا، ويمنع عزلها جغرافياً..  ترى طهران أنّ هذا الممر سيقطع شريطها الحدودي المباشر والحيوي مع أرمينيا. لذا، جاء حفر نفق كاجاران كخطوة عملية لتثبيت الوجود والسيادة الأرمينية-الإيرانية المشتركة على هذه الحدود. يختصر النفق الجديد المسافة بمقدار 14 كم، ويرفع سرعة الشاحنات من 50 إلى 80 كم/ساعة، مما يضمن تدفّقاً برياً مستمراً للبضائع الإيرانية نحو البحر الأسود، جورجيا، وروسيا من دون المرور بأذربيجان. 

يعدّ النفق جزءاً رئيسياً من ممر "شمال - جنوب" الدولي. يتيح هذا الممر البري الآمن لكلّ من إيران وروسيا نقل البضائع وموارد الطاقة بعيداً عن الرقابة البحرية والممرات الخاضعة للعقوبات والضغوط الغربية. 

يمكن وصف مشروع نفق وطريق كاجاران بأنه "ضربة مضادّة واستباقية" سدّدتها إيران وأرمينيا لتغيير قواعد اللعبة وإفشال مخططات الأطراف الأخرى. من خلال هذا المشروع، تحوّلت إيران من وضعيّة "الدفاع" ومحاولة منع ممر زنغزور (طريق ترامب)، إلى وضعية "الهجوم الرقمي والجيوسياسي" عبر فرض واقع على الأرض يسدّد ضربات مباشرة لمصالح القوى المنافسة

كيف يسدّد نفق كاجاران الضربة للجميع؟

النفق الجديد يوفّر خطاً سريعاً وآمناً وعصياً على الظروف المناخية الصعبة، مما يجعل التجارة الإيرانية نحو جورجيا وروسيا مستقلة تماماً عن أيّ مضايقات أو ابتزاز سياسي وأمني من باكو.

كانت الخطة الأميركية القائمة على إدارة الممر لمدة 99 عاماً تهدف إلى عزل إيران شمالاً، ووضع موطئ قدم استخباراتي وأمني أميركي على حدودها مباشرة. عبر ضخّ مئات الملايين من الدولارات وبدء الحفر الفعلي بواسطة شركات هندسية إيرانية، أثبتت طهران أنّ الخيار البري البديل بات حقيقة قائمة، مما يفرغ خطة "الاحتواء الأميركية" من قيمتها الاقتصادية الكبرى.

في صراع الممرات الشرس بمنطقة القوقاز، كانت الأطراف (أميركا، تركيا، أذربيجان) تظن أنها حاصرت إيران جغرافياً عبر اتفاق واشنطن لعام 2025. لكنّ البدء الفعلي بحفر نفق كاجاران أثبت أنّ طهران وأرمينيا قرّرتا حفر ممر موازٍ تحت الجبال البركانية الوعرة، ليكون بمثابة الشريان الذي يبقي حدود الملاحة الدولية مفتوحة، ويحرم الخصوم من إعلان الانتصار الكامل في معركة خطوط التجارة العالمية.

الموقف الداخلي لأرمينيا 

تعرّضت أرمينيا لضغوط هائلة بعد خسارتها العسكرية في إقليم قره باغ. توقيع اتفاق واشنطن (عام 2025) وإعطاء ممر زنغزور لأميركا لإدارته لمدة 99 عاماً كان حلاً مرّاً قبلت به الحكومة لتفادي حرب جديدة شاملة مع أذربيجان وتركيا، وللخروج من العزلة الاقتصادية.

لكن تدرك يريفان أنّ التخلّي عن الحدود الإيرانية يعني انتحاراً سياسياً وجغرافياً. لذلك، تدعم أرمينيا المشروع الإيراني لحفر النفق، واقترضت من "صندوق أوراسيا للاستقرار والتنمية" لتمويله، لأنه يضمن بقاء بوابتها الجنوبية مفتوحة مع حليف موثوق كايران في حال حدوث أيّ غدر أو إغلاق لـ "ممر زنغزور" من قبل باكو أو أنقرة مستقبلاً. الأمر الذي يجعل من نفق كاجاران مشروعاً حيوياً لتهدئة الرأي العام وإثبات أنّ جنوب البلاد لم يتم التنازل عنه.

كانت تركيا تخطط لأن يكون "ممر زنغزور" شرياناً برياً متصلاً وخاضعاً لنفوذها بالكامل نحو آسيا الوسطى.

بإنشاء هذا النفق الضخم في قلب مقاطعة سيونيك، تثبّت إيران الوجود الأرميني الجغرافي، وتؤكّد أنّ حدودها مع أرمينيا خط أحمر غير قابل للإلغاء، مما يمنع تركيا من فرض سيطرة مطلقة على جنوب القوقاز.

بعد حرب القره باغ، بدأت أذربيجان بفرض رسوم باهظة ومضايقات أمنية على الشاحنات الإيرانية المتجهة شمالاً.