بعد قمة ترامب وتاكايتشي: تحرّك ياباني نحو مضيق هرمز؟

تكتسب زيارة تاكايتشي أهمية كبيرة كونها تأتي في وقت يُلقي الصراع في الشرق الأوسط، بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي وعلى اليابان التي تعتمد بنسبة 95% على نفط المنطقة.

0:00
  • من المفيد لليابان العمل مع الدول الأخرى على إنهاء الحرب على إيران.
    من المفيد لليابان العمل مع الدول الأخرى على إنهاء الحرب على إيران.

في ردهات البيت الأبيض، وبينما كانت عدسات الكاميرا تلاحق الابتسامات البروتوكولية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، كان ضجيج الأمواج في مضيق هرمز يتردد صداه خلف الأبواب المغلقة.

ففي لحظة جيوسياسية حرجة، استقبل ترامب المسؤولة اليابانية في البيت الأبيض وعقد قمة معها تناولت الصراع في الشرق الأوسط والعلاقات اليابانية الأميركية.

تكتسب زيارة تاكايتشي أهمية كبيرة كونها تأتي في وقت يُلقي الصراع في الشرق الأوسط، بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي وعلى اليابان التي تعتمد بنسبة 95% على نفط المنطقة، ويمر حوالي 90% إلى 94% منه عبر مضيق هرمز. 

لقد كان الهدف الأساسي من زيارة تاكايتشي إلى البيت الأبيض عندما أُعلن عنها قبل عدة أشهر مناقشة توتر العلاقات بين اليابان والصين، وتعزيز التحالف الياباني الأميركي والعلاقات الاقتصادية والتجارية بين اليابان والولايات المتحدة، إلا أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتقييد الملاحة في مضيق هرمز، طغت على المباحثات بين ترامب وتاكايتشي. 

فقبل زيارة تاكايتشي طلب الرئيس الأميركي من طوكيو وعواصم أخرى المشاركة في مجهوده الحربي وإرسال سفن حربية لفتح مضيق هرمز، على اعتبار أن الدول المستفيدة من النفط مثل الصين واليابان يجب أن تتحمل تكلفة حماية سفنها بدلاً من الاعتماد الكلي على البحرية الأميركية، إلا أن طلبه لم يلق استجابة من اليابان، ولذلك كانت طوكيو تخشى من أن يضغط ترامب على تاكايتشي لارسال سفن حربية بهدف حماية مضيق هرمز.

وقبل اجتماعه بـ تاكايتشي عقد ترامب مؤتمراً صحافياً في المكتب البيضاوي توقع فيه أن تتخذ اليابان موقفاً أكثر حزماً بشأن الحرب على إيران، باعتبار أن هناك علاقات وثيقة بين أميركا واليابان، إذ يوجد 45 ألف جندي أميركي في اليابان تنفق عليهم واشنطن مبالغ كبيرة ، فضلاً عن 90% من واردات اليابان من النفط تمر عبر مضيق هرمز. ولم تسلم تاكايتشي من الإحراج الذي يسببه ترامب لزعماء العالم، فبينما كان يجيب على الأسئلة أدلى ترامب بتصريح محرج للغاية، مستحضراً هجوم اليابان على بيرل هاربر عام 1941، عندما سئل عن سبب عدم إخطار الولايات المتحدة لحلفائها مثل اليابان قبل الضربات على إيران.

وبعد انتهاء القمة بين الرئيس الأميركي ورئيسة وزراء اليابان كرر ترامب بأنه سيكون من الجيد أن تنخرط دول مثل اليابان والصين من أجل ضمان المرور الآمن للسفن عبر المضيق. وعلى ما يبدو فإن رئيسة وزراء اليابان سعت إلى عدم إغضاب الرئيس ترامب، ولكنها بالمقابل حافظت على موقفها بعدم التدخل العسكري في مضيق هرمز. 

فقد اتبعت تاكايتشي موقفاً دبلوماسياً دقيقاً إذ أثنت على قيادة ترامب واصفة إياه بأنه الوحيد القادر على تحقيق السلام العالمي، وأدانت الهجمات الإيرانية على مضيق هرمز وقالت أنه لا يجب السماح لطهران بالحصول على سلاح نووي. وبالتزامن مع زيارة تاكايتشي لواشنطن أعلنت طوكيو مع دول أخرى استعدادها للانضمام إلى الجهود المناسبة لضمان مرور آمن عبر المضيق، ولم يتم تحديد ما هي هذه الجهود المناسبة التي قبلت اليابان المشاركة فيها. 

ولكن من ناحية أخرى أوضحت رئيسة وزراء اليابان للرئيس الأميركي ما يمكن لليابان فعله وما لا يمكن فعله في الحدود القانونية إذ أن دستور البلاد يفرض قيوداً صارماً على مشاركة الجيش الياباني والمعروف بقوات الدفاع الذاتي في معارك خارج أراضيها. 

قد تساعد اليابان في إزالة الألغام بعد انتهاء الصراع إذ أن الدستور الياباني لا يمنع من المساعدة في إزالة الألغام حول مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب، وهو ما قامت به طوكيو سابقاً ففي عام 1991 عندما أرسلت ست كاسحات ألغام إلى الخليج العربي، بعد أكثر من ستة أشهر من إنتهاء عملية عاصفة الصحراء.

وعلى الرغم من أن اليابان أرسلت سفينة حربية إلى خليج عمان عام 2020 لحماية خطوط الملاحة البحرية التي تعتمد عليها في وارداتها النفطية ولجمع المعلومات في المنطقة وسط التوترات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إلا ان القوات اليابانية بقيت خارج مناطق القتال النشطة ولم تنضم إلى الحلف العسكري الأميركي.

إن نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز خلال النزاع لا يمكن تبريره إلا في حالة تهديد وجود اليابان ولكن ذلك يشكل عملاً حربياً ضد إيران. وكانت طهران قد توعدت بمهاجمة أي سفينة تحاول عبور المضيق دون التنسيق معها. 

كما أن إرسال سفن حربية يابانية إلى مضيق هرمز سيضع حكومة تاكايتشي في موقف محرج إذ لا تحظى الحرب على إيران بتأييد الشعب الياباني الذي يعارض 82% منهم الحرب، كما سيضعف شعبية تاكايتشي التي حقق حزبها فوزراً كاسحاً في الانتخابات البرلمانية التي حصلت الشهر الماضي، وارتفعت نسبة تأييد رئيسة الوزراء بسبب موقفها الصارم ضد الصين لذلك لا تسعى تاكايتشي إلى إضعاف صورتها تجاه شعبها وتفضيل علاقاتها مع الولايات المتحدة على الأمن القومي لبلادها خاصة أنه يمكن معالجة عبور السفن اليابانية عبر مضيق هرمز بالطرق الدبلوماسية مع انفتاح ايران على عبور السفن شرط التنسيق معها.

فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي بأن هناك مشاورات تجري بين طهران وطوكيو للسماح بعبور ناقلات النفط اليابانية وبالتالي خيار الدبلوماسية هو الأخيار الأمثل لليابان كي تمر ناقلاتها النفطية بسلام عبر مضيق هرمز. وقد سبق لدول عديدة أن نسقت مع إيران ومرت ناقلاتها النفطية عبر المضيق دون التعرض لها كما هو الحال مع الهند والصين وباكستان.

ومن أجل عدم إثارة غضب ترامب بعد رفض الاستجابة لطلبه إرسال مدمرات بحرية إلى مضيق هرمز، وتعزيز التحالف بين طوكيو وواشنطن، وإبقاء الأخيرة ملتزمة بأمن آسيا، سعت تاكايتشي إلى إغراء الرئيس الأميركي عبر استثمار اليابان في مشاريع تجارية أميركية تصل قيمتها إلى 73 مليار دولار وذلك في إطار التزام استثماري أوسع بقيمة 550 مليار دولار حتى عام 2029 أعلن عنه العام الماضي مقابل خفض الرسوم الجمركية المفروضة على اليابان من 25% إلى 15%.

وتشمل المشاريع الجديدة تطوير مفاعلات نووية صغيرة، خطة عمل لتطوير المعادن الأرضة النادرة وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع، والتعاون في صناعة السفن، وتطوير الذكاء الاصطناعي.

 كما التزمت اليابان شراء المزيد من النفط الخام من آلاسكا والاتفاق على أن تقوم طوكيو بتخزين النفط الأميركي محلياً وهو ما يُعد أكبر عملية صياغة لسلاسل إمداد الطاقة في العصر الحديث إذ أن الطاقة الأميركية القادمة من الولايات المتحدة تمر مباشرة عبر المحيط الهادئ، واستراتيجية اليابان حالياً هي نقل مراكز ثقل إمداداتها من منطقة مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 90% من نفطها إلى منطقة محيط الهادئ عبر الاستيراد من أميركا.

من المفيد لليابان العمل مع الدول الأخرى على إنهاء الحرب على إيران وقد تكون طوكيو وسيطا جيداً نظراً لعلاقاتها الوثيقة مع كل من أميركا وإيران، وبالنظر أيضاً إلى نجاح رئيسة وزرائها في الإبقاء على تحالفها مع واشنطن بعد الامتناع عن تلبية الطلب الأميركي بإرسال مدمرات بحرية إلى مضيق هرمز لتأمين العبور الآمن، فبدلاً من الدخول في صراعات إقليمية معقدة في الشرق الأوسط، اختارت طوكيو قوة الاستثمار عوضاً عن قوة السلاح.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.