انتهى زمن القاعدة الآمنة.. من حوّل الجغرافيا العربية إلى ميدان حرب؟

الضربات الإيرانية للقواعد الأميركية تكشف نهاية زمن "القاعدة الآمنة"، بعدما تحوّلت الجغرافيا العربية من منصة للحرب الأميركية إلى جزء مباشر من ميدانها.

  • انتهى زمن القاعدة الآمنة.. من حوّل الجغرافيا العربية إلى ميدان حرب؟
    انتهى زمن القاعدة الآمنة.. من حوّل الجغرافيا العربية إلى ميدان حرب؟

بنت الإمبراطوريات قواعدها العسكرية خارج حدودها لكي تُبقي الحرب بعيدة من مواطنيها، وتنقل كلفتها إلى شعوب الآخرين. كانت الطائرات تقلع من أرض بعيدة، والصواريخ تُوجَّه من وراء البحار، والجنود يحاربون على جبهات لا تصل نيرانها إلى المدن التي أرسلتهم.

وهكذا، تحولت القاعدة الأجنبية، طوال عقود، إلى خلفية آمنة للحرب: تضرب ولا تُضرب، وتدير المعركة من دون أن تصبح جزءاً ظاهراً من ميدانها.

لكن هذه المعادلة بدأت تتهاوى. فالضربات الإيرانية المتكررة للقواعد الأميركية في المنطقة لا تكشف فقط عن قدرة صاروخية نجت من أشهر القصف، ولا تمثل مجرد رد عسكري على العدوان الأميركي؛ إنها تعلن نهاية زمن كانت فيه واشنطن تتوهم أن بوسعها استخدام الجغرافيا العربية منصة للحرب وملاذاً من عواقبها في آن واحد.

لم تعد القاعدة العسكرية "خلفية آمنة" لمجرد أنها تقع خارج أراضي الطرف المعتدي. وحين تتحول إلى مركز لقيادة العمليات، أو مطار للطائرات، أو محطة للرادارات والإنذار والاستطلاع، فإنها تدخل ميدان المعركة، شاءت القوة التي أنشأتها أم أبت. من هنا، لا يعود السؤال: لماذا تضرب إيران قواعد أميركية فوق أرض عربية؟ السؤال الذي يسبق ذلك هو: من حوّل هذه القواعد إلى جزء من الحرب؟

الحرب التي أرادت واشنطن إبقاءها بعيدة

لم تنشر إيران القوات الأميركية في الخليج والعراق والأردن، ولم تُقم الأساطيل والمطارات العسكرية حول أراضيها، ولم تنقل مراكز القيادة والرادارات ومستودعات السلاح إلى بلاد العرب.

الولايات المتحدة هي التي أعادت، على مدى عقود، تشكيل الجغرافيا العسكرية للمنطقة؛ فوزعت قواتها وقواعدها بحيث تستطيع التدخل السريع، وحماية الكيان الصهيوني، ومراقبة الممرات البحرية، وشن الحروب من مواقع قريبة، من دون أن تضطر إلى الانطلاق من الأراضي الأميركية البعيدة.

وظلت هذه الشبكة تعمل وفق معادلة أحادية: القوة الأميركية تملك حق الحركة والضرب، بينما يُحرم الطرف المستهدف من الوصول إلى أدوات الحرب المنتشرة حوله.

ومع بدء الحرب الأميركية المباشرة على إيران، لم تعد واشنطن مجرد حليف سياسي أو ممول للكيان الصهيوني، بل أعلنت قيادتها المركزية رسمياً تنفيذ عملية عسكرية تستهدف تفكيك الأجهزة والقدرات الأمنية والعسكرية الإيرانية، وواصلت شن موجات يومية من الغارات داخل إيران.

في المقابل، لم تترك إيران الكيان الصهيوني خارج دائرة النار، كما يزعم بعض المنتقدين العرب؛ فقد استهدفته مباشرة، لكنها أدركت أن الحرب لا تُدار من داخله وحده. فالمنظومة التي تضرب إيران أوسع من جغرافية فلسطين المحتلة، وتمتد عبر شبكة أميركية من القواعد والطائرات والسفن ومراكز القيادة والدعم اللوجستي في المنطقة.

لذلك، يصبح استهداف القواعد محاولة لضرب البنية التي تتيح لواشنطن مواصلة الحرب وإبقاءها بعيدة من أراضيها، لا تعبيراً عن رغبة في الاعتداء على الدول العربية أو استضعاف شعوبها. والحقيقة أن الولايات المتحدة تريد أن تجمع بين السيف والدرع: تستخدم القواعد سيفاً ضد إيران، ثم تستخدم السيادة العربية درعاً يحميها من الرد. وهي معادلة لم تعد قابلة للاستمرار.

عندما تنتقل القاعدة من الخلف إلى الجبهة

ما جرى في الأردن يقدم النموذج الأوضح لهذا التحول. فالهجوم الإيراني على قاعدة موفق السلطي لم يكن ضربة منفردة. وقد كشفت تقارير أميركية أن القوات الأميركية تعرضت لسلسلة هجمات خلال أيام قليلة، أصابت منشآت وأفراداً ومروحيات، قبل الضربة التي قتلت عسكريين أميركيين، ثم أكدت واشنطن لاحقاً وفاة العسكري الثالث الذي كان مفقوداً.

وليست الدلالة الأهم في أعداد القتلى، وإنما في سقوط وهم الحصانة. فقد أظهرت الضربات أن القواعد التي أُنشئت لتقريب القوة الأميركية من ميادين الحرب قرّبت الحرب، بدورها، من القوات الأميركية. وما كان يُفترض أن يوفر عمقاً آمناً أصبح نقطة تعرض، وما كان مركزاً لإدارة المخاطر تحوّل إلى مصدر لها.

ولم يعد البنتاغون قادراً على إخفاء كلفة هذه المعادلة. فحتى 21 تموز/يوليو، أقر بمقتل 18 عسكرياً أميركياً وإصابة نحو 430 منذ بدء الحرب، فيما بلغت كلفتها المعلنة 37.5 مليار دولار.

هذه الأرقام ليست مجرد حصيلة عسكرية، بل مؤشر على تحوّل في فلسفة الردع. فالولايات المتحدة أنشأت وجودها الخارجي على افتراض أنها قادرة على توزيع قواتها في العالم من دون أن تسمح لخصومها بفرض كلفة مقابلة عليها. وكانت القواعد المتقدمة إحدى أدوات الهيمنة، لأنها تقرّب القوة الأميركية من الخصوم، فيما تُبقي المجتمع الأميركي بعيداً من الحرب.

لكن انتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وقدرات الاستطلاع جعل المسافة أقل قيمة، وحوّل القواعد الثابتة، براداراتها ومدارجها ومستودعاتها، إلى أهداف مرئية يمكن رصدها وضربها.

لم تختفِ القوة الأميركية، ولم تصبح قواعدها عاجزة عن أداء أدوارها، لكن الوظيفة الاستراتيجية للقاعدة تغيرت: لم تعد أداة لإسقاط القوة وحدها، بل أصبحت أيضاً نقطة ضعف تتيح للخصم إعادة الكلفة إلى صاحب الحرب. وهذا هو المعنى الحقيقي لنهاية "القاعدة الآمنة".

من يحمي السيادة العربية؟

يثير سقوط الصواريخ داخل دول عربية مخاوف مفهومة ومشروعة. فلا مواطن عربي يريد لبلده أن يتحول إلى ساحة لمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، أو أن يتعرض المدنيون والمنشآت الحيوية للخطر بسبب صراع لا يملكون قراره. لكن الدفاع عن السيادة لا يبدأ عند وصول الصاروخ، بل عند تحديد وظيفة القاعدة الموجودة فوق الأرض الوطنية.

هل تملك الدولة المضيفة القرار الكامل على حركة القوات الأجنبية؟ هل تعرف بدقة طبيعة العمليات التي تنفذها؟ هل تستطيع منع استخدامها في العدوان على دولة أخرى؟ وهل تستطيع أن تقدم لشعبها ضمانات قابلة للتحقق، لا مجرد بيانات سياسية، بأن أرضه وأجواءه لم تتحولا إلى منصة للحرب؟

هذه الأسئلة ليست تبريراً مسبقاً لأي ضربة، لكنها تعيد المسؤولية إلى بدايتها الصحيحة. فالقانون الدولي يقر حق الدولة في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح، كما يقصر الهجمات على المنشآت التي تسهم فعلياً في العمل العسكري، ويحقق تعطيلها ميزة عسكرية محددة. وبذلك، لا تصبح كل قاعدة أميركية هدفاً تلقائياً لمجرد وجودها، لكنها لا تحتفظ أيضاً بحصانة مطلقة إذا شاركت فعلياً في العدوان.

وقد ذهب قانونيون غربيون إلى أن الأصول العسكرية الأميركية المقامة في دول ثالثة يمكن أن تصبح أهدافاً عسكرية إذا استُخدمت في الحرب، مع بقاء أي رد مقيداً بالضرورة والتناسب وحماية المدنيين. هذه هي المسألة في أبسط صورها، ولا تحتاج إلى إغراق المقال في المصطلحات القانونية: القاعدة التي تدخل الحرب تفقد امتياز الوقوف خارجها.

أما القول إن استهداف قاعدة أميركية فوق أرض عربية هو، في ذاته، "استضعاف للعرب"، فيتجاهل من استضعف السيادة العربية منذ البداية، وحوّل بلاد المنطقة إلى مخازن سلاح ومهابط طائرات ومراكز قيادة تابعة لقوة أجنبية. ومن يستضعف العرب ليس فقط من يرسل الصاروخ، بل كذلك من يقرر أن تكون أرضهم حزاماً عسكرياً يحاصر دولة أخرى، ثم يطلب منهم تحمل عواقب قراره.

صمت عربي ورواية أميركية

تكشف التغطية الإعلامية للحرب مفارقة لا تقل أهمية عن التحول العسكري نفسه. فقد نشرت صحف أميركية تفاصيل عن الأضرار والخسائر وإصابة المروحيات وتكرار الهجمات، واعترف البنتاغون بمئات الإصابات، بينما مرّ كثير من القنوات العربية على هذه الوقائع سريعاً، أو قدم الضربات الإيرانية باعتبارها استعراضاً محدود الأثر.

لم تكن المعلومات غائبة، بل كانت منشورة في الصحافة الأميركية. لكن قطاعاً من الإعلام العربي اعتاد قراءة المنطقة بعين القيادة المركزية الأميركية: الغارة الأميركية "عملية عسكرية"، والرد الإيراني "تصعيد"؛ القاعدة الأجنبية وجود طبيعي، أما استهدافها فتهديد للسيادة والاستقرار.

هكذا تُفصل النتيجة عن سببها، ويُمحى الفعل الأول من المشهد، ويُطلب من الدولة المستهدفة أن تمارس دفاعاً لا يمس أدوات المعتدي ولا يربك حساباته.

إن النقاش ليس حول تقديس إيران أو إعفائها من النقد؛ فسياساتها وأدواتها وتحالفاتها قابلة للمساءلة، مثل سياسات أي دولة. لكنه يتعلق برفض معادلة تريد واشنطن فرضها على المنطقة: أن تستخدم الجغرافيا العربية لإدارة حربها، ثم تجعل مجرد وجود قواعدها فوق هذه الجغرافيا حجة لتحصينها من الرد. هذه ليست سيادة عربية، بل استعارة أميركية للسيادة من أجل حماية الوجود العسكري الأميركي.

نهاية زمن "القاعدة الآمنة"

ما تكشفه الحرب الراهنة أوسع من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وأبعد أثراً من خسائر قاعدة بعينها. إنها تكشف تآكل نموذج عسكري حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية: قواعد متقدمة تطلق منها الإمبراطوريات قوتها، بينما تحتفظ لنفسها بمسافة آمنة من النيران.

هذه المسافة تضيق اليوم. فالصواريخ تستطيع الوصول، والطائرات المسيّرة تستطيع المناورة، والقواعد الثابتة لا يمكن إخفاؤها، والدول التي تتعرض للعدوان لم تعد مضطرة إلى قبول حرب تظل من طرف واحد. لقد انتهى زمن القاعدة التي تضرب ولا تُضرب، وتدير الحرب من دون أن تدخلها، وتستخدم أرض الآخرين ثم تتخفى خلف سيادتهم. وحين تصل الصواريخ إلى قاعدة أميركية في المنطقة، يجب أن لا يبدأ السؤال عند منصة إطلاقها وحدها.

يجب أن نعود إلى الطائرة التي أقلعت قبلها، وإلى الرادار الذي دلّها، وإلى مركز القيادة الذي اختار الهدف، وإلى القرار الذي جعل الأرض العربية جزءاً من آلة العدوان. فالقواعد لا تصبح أهدافاً عندما تصلها الصواريخ، بل عندما تتحول إلى منصات تنطلق منها الحروب. ومن يريد حماية الجغرافيا العربية، فليمنع استخدامها أولاً لإشعال الحرب، لا أن يطالب من تُقصف بلاده بأن يتحمل نتائجها في صمت.

بدأت يوم الجمعة 3 تموز/يوليو مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مراسم تستمر عدة أيام وتتنقل بين عدة مدن في إيران والعراق.