المفاوضات المباشرة بين لبنان و "إسرائيل"… صناعة الأوهام
تبنّى رئيسا الجمهورية والحكومة الخيار التفاوضي في ظل غياب تفويض وطني جامع وموحّد، وفي ظل ضعف واضح في وحدة القرار السياسي، وافتقار إلى الحد الأدنى من الإجماع اللبناني.
-
المفاوصات اللبنانية- الإسرائيلية.. التفاوض من موقع انعدام الخيارات.
تذهب السلطة في لبنان إلى المفاوضات المباشرة بطريقة تثير كثيراً من الاستغراب وعلامات الاستفهام. وتوحي وقائع المسار التفاوضي اللبناني بأنه يسير في اتجاه «صناعة الأوهام» أكثر مما يسير نحو صناعة الحلول أو تحصيل حقوق لبنان.
فمراجعة الأسس العلمية والنظرية للتفاوض تظهر افتقار الطرف اللبناني إلى عدد من الشروط اللازمة لإنجاح أي عملية تفاوضية. كما أن مراجعة التجارب التفاوضية السابقة مع "إسرائيل" توحي بأن لبنان يتجه نحو نسخة مشابهة، إلى حدّ بعيد، من التجربة الفلسطينية -الإسرائيلية في أوسلو، والتي عانت، بحسب ما ورد في كتاب المفاوضات السرية العربية الإسرائيلية: صناعة الأوهام للكاتب المصري محمد حسنين هيكل، من خلل لم يكن محصوراً في تفاصيل الاتفاق، بل طال «بنية العملية التفاوضية نفسها».
ويعتبر هيكل أن اتفاقية أوسلو «لم تكن نتيجة تفاوض متكافئ بقدر ما كانت نتيجة اختلالات سياسية واستراتيجية تراكمت قبل التفاوض وأثناءه».
ويبدو أن اختلالات سياسية واستراتيجية مشابهة ترافق العملية التفاوضية اللبنانية - الإسرائيلية منذ بداياتها وحتى اليوم. ويمكن تلخيص أبرز هذه الاختلالات في الوقائع الآتية:
أولاً: غياب التفويض الوطني الشامل
تبنّى رئيسا الجمهورية والحكومة الخيار التفاوضي في ظل غياب تفويض وطني جامع وموحّد، وفي ظل ضعف واضح في وحدة القرار السياسي، وافتقار إلى الحد الأدنى من الإجماع اللبناني.
وفي بلد كلبنان، يشكّل التوافق الداخلي شرطاً أساسياً لإنجاح أي خيار سياسي، حتى وإن كان محدود الأهمية، فكيف إذا تعلق الأمر بقرار كبير كالتفاوض المباشر مع "إسرائيل"، والذي يرى فيه جزء واسع من اللبنانيين مساراً قائماً على تنازلات مهينة لا تحترم تاريخهم وتضحياتهم السابقة والحالية؟
واللافت أن المعنيين لم يُبدوا حرصاً جدياً على بناء حدّ أدنى من التوافق الوطني، بل تبنّوا خطاباً استفزازياً في ظل غياب أي رغبة، أو ربما قدرة، على صياغة سردية سياسية مقنعة.
واكتفوا بترداد شعارات عامة من قبيل «الاستعداد للذهاب إلى أي مكان من أجل السلام»، وهي العبارة التي استخدمها الرئيس المصري أنور السادات لتبرير ذهابه إلى القدس وتبنّيه خيارات أحدثت زلزالاً سياسياً في العالم العربي، وأدت إلى انقسام عميق لا تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم على أكثر من مستوى.
ثانياً: محدودية الخبرة التفاوضية والمؤسسية
تبدو محدودة الخبرة التفاوضية والمؤسسية اللبنانية مقارنة بالفرق الإسرائيلية والأميركية الأكثر خبرة وتنظيماً. وقد بدأ هذا الخلل ينعكس في ضعف الصياغة القانونية الدقيقة، وفي القبول ببنود وعبارات فضفاضة قابلة لتفسيرات متعددة.
ويفتقر بعض أعضاء الفريق اللبناني، وخصوصاً سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة، إلى الحد الأدنى من المواصفات المطلوبة لمثل هذه المهمة الحساسة، وهي التي جاءت إلى موقعها من خارج الملاك الدبلوماسي. أما على مستوى النصوص والوثائق، فقد عكس التعاطي اللبناني مع المذكرة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية خللاً يصل إلى حدّ الفضيحة السياسية والإدارية.
كما أظهرت التسريبات المتعلقة بالجلسات والجولات التفاوضية أن الفريق اللبناني حضر إلى طاولة المفاوضات من دون الحد الأدنى من الأدوات المهنية المطلوبة.
فلا دراسات متخصصة، ولا أبحاث معمّقة، ولا فرق عمل تتابع التفاصيل وتدرس السيناريوهات المحتملة، أو تحدد آليات التعامل مع المطالب الإسرائيلية المتوقعة، أو تفكك الاستراتيجية التفاوضية التي أنتجها العقل السياسي الإسرائيلي عبر عقود من الخبرة والتجربة.
ثالثاً: التخلي عن عناصر القوة والضغط
تخلّى المفاوض اللبناني، ومن خلفه صاحب القرار السياسي، عن أدوات ضغط ميدانية وسياسية كان يمكن أن تسهم في تحسين شروطه التفاوضية في هذه العملية المعقدة والصعبة.
فبدلاً من الاستفادة من عنصر المقاومة بوصفه ورقة قوة في أي عملية تفاوضية، شهدنا إصراراً من قبل السلطة المعنية بالمفاوضات على تجريمها ومحاصرتها سياسياً، فبدت كمن يطلق النار على نفسه بعدما تخلّى طوعاً عن الأدوات التي يمكن أن تعينه في معركته التفاوضية.
وفي السياق نفسه، يأتي رفض التواصل والتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تؤكد باستمرار ضرورة أن يكون لبنان مشمولاً بأي تفاهم أو اتفاق محتمل مع واشنطن. وبهذا السلوك، تسهم السلطة اللبنانية في صناعة نقطة ضعف سياسية إضافية بصورة يصعب فهمها أو العثور على مبررات منطقية مقنعة لها.
رابعاً: إنكار موازين القوى والتحولات الإقليمية
يصرّ أصحاب خيار التفاوض المباشر على تجاهل موازين القوى الفعلية، سواء داخل لبنان أو على مستوى المنطقة. فهم يتصرفون وكأن المقاومة لا تزال تعيش ظروف الأشهر الخمسة عشر التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، حين امتنعت عن الرد على الانتهاكات الإسرائيلية، الأمر الذي فسّره البعض على أنه مؤشر ضعف، بل وهزيمة.
إلا أن الوقائع التي تلت الثاني من آذار أظهرت أن المقاومة لا تزال حاضرة وفاعلة وقادرة على المبادرة. ومع ذلك، يبدو أن أصحاب المشروع الأميركي في لبنان ما زالوا يتعاملون مع المشهد من منطلق إنكار هذه الحقائق وتجاهل انعكاساتها السياسية.
ينطبق الأمر نفسه على التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب الأميركية على إيران. فثمة من يتعامل مع نتائج تلك الحرب وكأن واشنطن حققت أهدافها كاملة، وصولاً إلى إسقاط النظام الإيراني، متجاهلاً أن فشل الأهداف الأميركية الكبرى سيترك آثاراً عميقة على توازنات المنطقة ومساراتها السياسية.
ومن هنا، كان يفترض بالطرف اللبناني أن يقرأ هذه التحولات بدقة، وأن يفهم أبعادها وانعكاساتها، وأن يستفيد مما توفره من فرص وعناصر قوة، بدلاً من الاستمرار في إنكار الوقائع إلى حدّ الانفصال عن الواقع السياسي القائم.
خامساً: سوء تقدير الدور الأميركي
يُظهر الأداء الرسمي اللبناني، كما تعكسه التصريحات والمواقف، أن القائمين على التفاوض ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها «وسيطاً» بين طرفين متنازعين، في حين أن طبيعة الدور الأميركي أبعد ما تكون عن إدارة مفاوضات بين طرفين متساويين.
فالولايات المتحدة تدير العملية التفاوضية ضمن حدود لا تتجاوز المصالح الإسرائيلية ومتطلباتها الأمنية. والمفارقة أن واشنطن لا تخفي ذلك ولا تمارسه عبر المناورة أو التضليل، بل تعلن بصورة واضحة أن أولوية سياستها في المنطقة هي ضمان الأمن الإسرائيلي، انسجاماً مع انحيازها التاريخي والبنيوي لـ"إسرائيل".
ويتجلى هذا الدعم الأميركي غير المحدود لـ"تل أبيب" في غياب أي إلزام واضح لـ"إسرائيل" بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو وقف الاعتداءات، أو حتى تقديم الحد الأدنى من الضمانات المتعلقة بتنفيذ البنود المطروحة على طاولة التفاوض.
في المقابل، يبدو الرهان اللبناني على ما يُسمّى «الصداقة الأميركية» أقرب إلى المقامرة السياسية منه إلى الاستناد إلى وقائع ومعطيات صلبة يمكن البناء عليها في معركة تفاوضية بهذا الحجم.
سادساً: القبول بالتفاوض تحت النار
يبدو لبنان، من خلال أدائه الرسمي، في حالة قبول أو تسليم بالأمر الواقع الذي تفرضه "إسرائيل" على الأرض خلال مسار التفاوض، سواء عبر استمرار الاحتلال أو عبر فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة قد تتحول مع الوقت إلى أمر واقع يصعب تغييره.
ويأتي ذلك نتيجة مباشرة للقبول بمبدأ التفاوض تحت النار، وهو الخيار الذي اعتمدته السلطة اللبنانية رغم ما أثاره من استغراب حتى لدى شخصيات لبنانية مؤيدة لخيار التفاوض المباشر مع "إسرائيل" ومعادية للمقاومة.
وفي هذا السياق، برز موقف رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، الذي يُعدّ من أبرز الداعمين للنهج السياسي الذي يمثله رئيس الحكومة الحالي نواف سلام، إذ لم يتردد في توجيه انتقادات علنية للأداء التفاوضي اللبناني، داعياً إلى الانسحاب من المفاوضات في حال رفضت "إسرائيل" الالتزام بوقف إطلاق النار.
ويعكس هذا الموقف حجم المأزق الذي وُضع فيه لبنان، ويُظهر إلى أي حد باتت شروط التفاوض محل تساؤل حتى لدى بعض المؤيدين لهذا الخيار.
سابعاً: التفاوض من موقع انعدام الخيارات
يخوض الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام هذه المفاوضات انطلاقاً من قناعة يعبّران عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومفادها أن لبنان يفتقر إلى البدائل، وأن "إسرائيل" تتمتع بتفوق ساحق يجعل من التفاوض الخيار الوحيد المتاح.
إلا أن هذه المقاربة تتناقض مع التجربة التاريخية اللبنانية خلال العقود الماضية، والتي شهدت انسحاب "إسرائيل" من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، وانتصار لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي عام 2006، وفرض معادلات ردع استمرت نحو سبعة عشر عاماً.
ورغم ذلك، تبدو السلطة وكأنها تتنكر لهذه الوقائع، وتتصرف من موقع العجز الكامل وانعدام الخيارات وقلة الحيلة. وهي مقاربة قد تصلح لتبرير الاستسلام أمام "إسرائيل"، لكنها لا تشكل أساساً صالحاً لتحصيل الحقوق أو تحسين شروط التفاوض.
وفي المحصلة، تبدو السلطة اللبنانية ذاهبة نحو تكرار تجربة أوسلو التي كانت نتائجها كارثية على القضية الفلسطينية. وما عدا ذلك لا يعدو كونه صناعة أوهام سياسية، تقوم على الاعتقاد بأن مفاوضات تُجرى في ظل هذه الاختلالات البنيوية يمكن أن تنتج سلاماً حقيقياً، أو أن تؤدي إلى استعادة السيادة الكاملة وتحقيق الاستقلال الوطني.