المفاوضات الأميركية الإيرانية.. تفاؤل حذر

تتجه الأنظار إلى المفاوضات الأميركية الإيرانية في إسلام آباد اليوم، وسط ترقّب حذر وتفاؤل بإمكانية التوصّل لتسوية بعد تعذّر الحسم العسكري.

  • المفاوضات الإيرانية الأميركية.. الحرب وسيلة للتفاوض.
    المفاوضات الإيرانية الأميركية.. الحرب وسيلة للتفاوض.

بدأت الانظار تشخص باتجاه العاصمة الباكستانية إسلام آباد حيث من المقرّر أن تنطلق المفاوضات الأميركية الإيرانية برعاية ووساطة باكستانية يقودها رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش الجنرال عاصم منير الذي أدّى دوراً محورياً في التوصّل إلى وقف إطلاق النار بعد أربعين يوماً من الحرب الضارية بين الجانبين. 

 تسود حالة من الترقّب والحذر وعدم اليقين في الأوساط الإعلامية والسياسية ومراكز القرار الإقليمية والدولية، وهو بطبيعة الحال يبدو مبرّراً إذا ما نظرنا إلى المستوى الذي بلغته الحرب على جميع الأصعدة الجغرافية والعسكرية، وكذلك بالنظر إلى التجارب السابقة حيث لجأت الولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل" إلى الغدر بالدبلوماسية وشنّتا حربين على إيران خلال المفاوضات سواء التي جرت في سلطنة عمان أو مؤخّراً في جنيف بوساطة عمانية وتحقّقت فيها نتائج إيجابية باعتراف وزير الخارجية العماني "بدر البوسعيدي"، وأيضاً في ظلّ استمرار التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة وما تردّد عن حركة جوية مكثّفة لطائرات الشحن العسكرية الأميركية إليها.

 على الرغم من ذلك فإنه ليس من الصواب بالمطلق المبالغة في هذه النظرة التشاؤمية للمفاوضات مع الإقرار بصعوبتها بل يمكن تقييم الموقف الحالي على أنه أقرب إلى التفاؤل الحذر منه إلى التشاؤم المبالغ فيه، ويمكن تبرير هذا التفاؤل الحذر استناداً لعوامل ومعطيات عديدة تفرضها الأسباب الحقيقة لهذا الصراع والنتائج التي أفرزتها الحرب الأخيرة طوال أربعين يوماً.

الحرب وسيلة للتفاوض 

لطالما كانت الحروب تنتهي بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مهما بلغت شدّتها طالما أنّ أحد الطرفين لم يستطع حسم المعركة لصالحه بشكل واضح ونهائي ومطلق، وفي حالة الحرب الأميركية الإيرانية فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحسم بات أقرب للمستحيل خاصة أنّ الطرف المعتدي الذي تمثّله الولايات المتحدة و"إسرائيل" أدرك عجزه عن تدمير عوامل القوة والاستمرارية العسكرية الإيرانية والمتمثّلة بشكل رئيسي بسلاحي الصواريخ والمسيّرات، ومن جانب آخر فإنّ الطرفين الأميركي والإيراني وإن كانا قد مارسا استراتيجية حافة الهاوية في الحرب فإنّ كلاً منهما ترك الباب مفتوحاً للحلّ من خلال عدم تجاوزه للخطوط الحمر التي كان من الممكن أن يؤدّي تجاوزها إلى حرب تدميرية لا رجعة فيها إلى الوراء.

وتشمل هذه الخطوط الحمر بشكل رئيسي مصادر الطاقة الأحفورية والكهربائية، والمنشآت الكيميائية والنووية، ويضاف إليها سلامة كابلات الإنترنت العالمي الممتدة في مياه الخليج وشركات التكنولوجيا العالمية وغير ذلك.

الانسداد العسكري 

 أظهرت الأيام الأربعين من عمر الحرب قبل وقف إطلاق النار أنّ الولايات المتحدة عجزت عن تحقيق الأهداف التي أعلنتها للحرب بعد سقوط تكتيك عنصر المفاجأة، وتمكّنت إيران من فرض معادلات ردع تكتيكية خلال المعركة ساهمت في كبح جماح العدوان وضبطه في محاور متوازنة ومتقابلة، ووضعت لكلّ اعتداء ردعاً مقابلاً يوازيه في التأثير على المستوى الإقليمي ويمتدّ أثره على الصعيد العالمي، بدءاً من منشآت الطاقة ووصولاً إلى مقابلة الاغتيالات بشركات التكنولوجيا، وبعد أن ثبت لخصومها بأنها قادرة على الاستمرار في الحرب وبوتيرة أكبر لفترة طويلة جداً وهي التي تجهّزت لها لعقود طويلة، وقد أظهرت تقارير الاستخبارات الغربية أنّ إيران ما زالت تمتلك آلاف الصواريخ البالستية وعشرات آلاف المسيّرات إضافة إلى قدرتها الفائقة على صناعة منصات إطلاق الصواريخ.

التمثيل التفاوضي 

يشير مستوى التمثيل الذي اختاره الجانبان للتفاوض إلى رغبة حقيقية بالتوصّل إلى نتائج إيجابية، حيث سيرأس نائب الرئيس الأميركي "جي دي فانس" وفد بلاده للمفاوضات، فيما يترّأس رئيس البرلمان "محمد باقر قاليباف" الوفد الإيراني، وسبق أن تسرّبت معلومات صحفية متعلّقة برغبة واشنطن بترؤس قاليباف للوفد الإيراني، وكذلك رغبة إيران بالتفاوض مع نائب الرئيس الأميركي "دي فانس"، وهو ما يعكس استجابة كلا الطرفين لرغبة الآخر بغية التوصّل إلى نتائج إيجابية، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ قاليباف إضافة إلى صفته التمثيلية ومكانته داخل القيادة الإيرانية فهو رجل اقتصاد ومن الخلفيّة التي ترغب واشنطن في التفاوض معها، والأمر الذي يخصّ "دي فانس" فهو ما تسرّب عن موقفه المعارض لفكرة الحرب قبل أن يلجأ ترامب لهذا الخيار، ولعل ذلك جعله أكثر موثوقية لدى الطرف الإيراني في هكذا مفاوضات.

كذلك تشير تركيبة الوفدين إلى جدّية متبادلة، حيث من المقرّر أن يشمل الوفد الإيراني أيضاً وزير الخارجية عباس عراقتشي ومسؤولين عسكريين وقانونيين واقتصاديين، وكذلك سيضمّ الوفد الأميركي كلاً من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ومسؤولين عسكريين.

ما قبل المفاوضات 

على الرغم من الخطاب التصعيدي المستمر طوال الحرب وبعد وقف إطلاق النار، فإنّ اليوم الأخير الذي سبق موعد التفاوض شهد انخفاضاً ملحوظاً في مستوى التصعيد السياسي ورغبة متبادلة في التوصّل إلى نتائج إيجابية، فقد عبّر رئيس البرلمان الإيراني قاليباف لدى وصوله إلى باكستان عن حسن نية بلاده "إذا تحلّت الولايات المتحدة بالإرادة الحقيقية لإعطاء الشعب الإيراني حقوقه في المفاوضات فسيرى من جانبنا أيضاً استعداداً لإبرام الاتفاق"، فيما أبدى الرئيس الأميركي خطاباً متوازناً عندما حصر المشكلة الرئيسية بالنسبة لبلاده بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي "بالنسبة لما يبدو عليه الاتفاق الجيد فهو أولاً وقبل كلّ شيء عدم امتلاك سلاح نووي وهو يشكّل 99% من هذا الاتفاق"، وهذه التصريحات المتبادلة وبغضّ النظر عن مطابقتها لما ستجري عليه المفاوضات لكنها تعكس رغبة في عدم تفجيرها قبل انطلاقتها.

إلى جانب التصريحات المتبادلة استجابت الولايات المتحدة لشروط إيرانية متعلّقة بالضغط على "إسرائيل" لوقف العدوان على لبنان، وأيضاً جرى الإفراج عن أرصدة إيرانية مجمّدة في كلّ من قطر وكوريا الجنوبية في خطوة تعكس رغبة أميركية في إطلاق المفاوضات.

مضامين التفاوض 

لا شكّ بأنّ محاور التفاوض قد جرى الاتفاق على معظمها أو جميعها، ولولا ذلك لما تمّ التوصّل إلى وقف إطلاق النار وتحديد موعد للمفاوضات، وبغضّ النظر عن الالتباس الذي وقع بخصوص تلك المحاور سواء ما تعلّق منها بالخطة الأميركية المؤلفة من 15 نقطة والتي رفضتها طهران، أو الخطة الإيرانية التي جرى تداولها والمؤلفة من 10 نقاط والتي جرى على أساسها وقف إطلاق النار بالرغم من نفي واشنطن لذلك. فإنه يمكن الإشارة إلى ما يمكن أن يجري التفاوض حوله استناداً لتصريحات الجانبين.

فيما يخصّ الملف النووي فمن المستبعد أن يكون هذا الملف سبباً لعرقلة المفاوضات طالما أنّ الجانبين خاضا سابقاً جولات تفاوض عديدة بخصوصه وتوصّلا إلى نتائج مثمرة حوله في مفاوضات جنيف وفقاً لتصريحات وزير الخارجية العماني كما أسلفنا، بل إنّ ترامب يمكنه الاعتماد على هذا المحور لتسويق أيّ اتفاق مع إيران على اعتبار أنّ الموقف الإيراني واضح لجهة عدم امتلاك سلاح نووي.

في الدرجة الثانية يأتي ملف التعويضات الذي تطالب به إيران، وهو من الملفات المهمة ويمكن التوصّل إلى حلّ توافقي بخصوصه سواء عبر الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة في الخارج، أو عبر رفع العقوبات، وهي بطبيعة الحال من المحاور التي يمكن الاتفاق عليها من دون أن تكون سبباً لفشل المفاوضات، لكنّ ذلك قد لا يكون كافياً بالنسبة للجانب الإيراني ولذلك تطرح طهران قضية مضيق هرمز كأحد المحاور التفاوضية التي تشكّل هاجساً بالنسبة لواشنطن، والتي يمكن تحويلها من عقدة في المفاوضات إلى حلّ يرضي الطرفين حيث تطرح إيران فكرة الحصول على رسوم مالية مقابل إدارة الملاحة في مضيق هرمز الذي يقع ضمن مياهها الإقليمية وبدأت باتخاذ إجراءات قانونية في البرلمان الإيراني بهذا الخصوص، وفي حال رضخت واشنطن لهذا الطلب الإيراني بحكم الأمر الواقع فإنّ هذا الأمر سيشكّل بديلاً لمطالبة إيران بالتعويضات عن الحرب، وتبدو تصريحات ترامب بخصوص هذا الموضوع متناقضة فتارة يعلن رفضه لفكرة حصول إيران على رسوم الملاحة عبر مضيق هرمز، وتارة يعلن عن رغبته في مشاركة إيران في هذا الملف، وربما أراد ترامب من ذلك أن يقول إنّ الأمر متروك للتفاوض وإنه يريد مقابلاً لذلك.

وحقيقة الأمر فإنّ ما يهم واشنطن بالدرجة الأولى أمران؛ الأول يتعلّق برغبتها في الاستثمار بمصادر الطاقة الإيرانية، والثاني هو أن تضمن واشنطن بأنّ إيران لن تكون جزءاً من حلف معادٍ لواشنطن، إذاً واشنطن تنظر إلى إيران كأحد أهم مصادر الطاقة العالمية، وتنظر إلى البعد الجيوسياسي الاستثنائي لإيران، وعليه فإنّ واشنطن التي تدرك استحالة تحوّل إيران إلى حليف للولايات المتحدة تسعى لأن ترتبط معها باتفاقيات شراكة اقتصادية ولو كانت جزئية تشكّل بالنسبة لواشنطن ضمانة بعدم تموضع إيران في حلف معادٍ لها إلى جانب حصولها على نسبة من الإستثمارات الاقتصادية الطاقوية وهو أمر قابل للنقاش مع طهران خلال المفاوضات طالما أنه لا يمسّ بسيادتها ويضمن لها مصالحها وموقعها ودورها.

العقدة المحتملة 

 العقبة الأهمّ التي قد تعترض المفاوضات هي لبنـــان، قضية لبنان متعلّقة بالدرجة الأولى بموقعه الإقليمي الذي يجب أن يكون فيه. فلا الإيراني سيقبل بوجوده في محور إسرائيلي، ولا الأميركي سيقبل بوجوده في محور إيراني بالمطلق، والسؤال هو: هل يمكن إيجاد صيغة وسطية من خلال المفاوضات؟

ربما يشكّل إطلاق مسار تفاوضي لبناني إسرائيلي جزءاً من هذا السياق، وعلى الرغم من الاتفاق على هذا المسار بين حكومة لبنان وواشنطن، فإنّ نتائجه تبقى مرتبطة بما ستؤول إليه مفاوضات الولايات المتحدة مع إيران في باكستان، أو بالحدّ الأدنى فإنّ أيّ اتفاق لبناني إسرائيلي عبر واشنطن سيبقى قاصراً عن المرور من دون الأخذ بعين الاعتبار لحليف طهران الرئيسي ونقصد به حزب الله.

في النهاية لا بدّ من القول بأنّ المفاوضات لن تكون سهلة أبداً وقد تطول ويجري تمديدها، وقد يشهد وقف إطلاق النار خروقات عديدة خلالها، لكن من المؤكّد بأنها الخيار الوحيد أمام إدارة ترامب، وأنّ ترامب الذي دخل حربه على إيران على قاعدة "الأفضل هو الكلّ" بات يدرك استحالة تطبيق هذا الأمر، والأفضل بالنسبة له هو القبول بمبدأ "الأفضل هو الأقلّ أو الممكن".

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.