الكرد بين الأسطورة والإسلام والإقطاع والديمقراطية... أمة تبحث عن روح جامعة
هل سيبقى الكرد "أمة في شقاق"؟ أم سيجدون في كاوا وصلاح الدين والبارزاني وأوجلان عناصر لروح جديدة جامعة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.
-
الكرد.. أمة تبحث عن روح جامعة.
بعد أن تحطّمت الدولة العثمانية واصطنعت القوى الغربية دولاً متعدّدة بعد الحرب العالمية الأولى، كان الكرد من أكثر الشعوب ظلماً. فبينما حصل الترك بمساعدة الكرد على دولتهم بالحديد والنار، وحصل العرب على دولهم المفتّتة بخنوع على دولهم في غرب آسيا، حُرِم الكرد من دولتهم، ووزّعت شعوبهم بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. واليوم، بعد تحوّلات الحرب الأخيرة التي هزّت غرب آسيا، يبدو الموقع الكردي غائباً، إن لم يكون الكرد من أكبر الخاسرين.
عند البحث عن روح كردية جامعة، لا نجد رمزاً واحداً يجمع الجميع، بل أربعة رموز متباينة، يمثّل كلّ منها حقبة مختلفة ورؤية متضاربة للهوية والمستقبل: كاوا الحداد الأسطوري، وصلاح الدين الأيوبي الإسلامي، ومصطفى بارزاني الإقطاعي العشائري، وعبد الله أوغلان صاحب نظرية "الأمة الديمقراطية". هذا التعدّد، بدلاً من أن يكون مصدر قوة، أصبح مصدر شقاق وتشرذم. فما الذي يوحّد الكرد إن لم يكن كاوا وحده؟
كاوا الحداد: البطل الأسطوري والجذور ما قبل الإسلامية
كاوا الحداد هو البطل الأسطوري الكردي الذي قاد انتفاضة ضدّ الطاغية الآشوري الضحّاك. وفق الأسطورة، خرج كاوا من حدادته، ورفع مئزره الجلدي على رمح، ودعا قومه للثورة. هذا المئزر هو ما أصبح لاحقاً علم كردستان (الألوان: الأحمر للدم، والأخضر للأرض، والأبيض للسلام، والشمس في الوسط رمزاً للنور والحرية).
عيد النوروز، الذي يحتفل به الكرد (والفرس) في أول أيام الربيع، يرمز لانتصار كاوا على الطاغية. كاوا يمثّل الكردي المتمرّد، الثائر على الظلم، الذي لا يقبل القهر. إنه رمز ما قبل الإسلام، وما قبل الأديان، يعود إلى جذور عميقة في تاريخ المنطقة.
ميزته: كاوا هو الرمز الوحيد الذي يمكن أن يجمع الكرد بغضّ النظر عن مذاهبهم وانتماءاتهم السياسية. فهو ليس سنياً ولا علوياً بكتاشياََّ ولا شيعياََ ولا إيزيدياً، بل هو بطل أسطوري يخصّ كلّ الكرد. هذا ما يجعله الأكثر شعبية، والأقلّ إثارة للجدل.
لكن: كاوا وحده لا يكفي. الأسطورة وحدها لا تبني دولة، ولا تقدّم برنامجاً سياسياً للمستقبل. يحتاج الكرد إلى أكثر من رمز أسطوري.
صلاح الدين الأيوبي: البطل الإسلامي والمفارقة الكبرى
صلاح الدين الأيوبي (1137-1193) هو أعظم قائد كردي في التاريخ. وحّد مصر والشام والجزيرة تحت رايته، وحطّم الصليبيين في معركة حطين (1187)، واستعاد القدس. لكنّ صلاح الدين لم يقاتل باسم "الكرد"، بل باسم الإسلام.
المفارقة: أنّ صلاح الدين هو رمز الإسلام الموحّد، الذي تتجاوز هويته القومية الضيّقة إلى أفق إسلامي أوسع. لكن هذا بالذات هو ما يجعله مشكلةً بالنسبة للكرد العلمانيين أو اليساريين، الذين يرون في الإسلام جزءاً من "الهوية القمعية" للدولة التركية أو الإيرانية. كما أنّ صلاح الدين، رغم كونه كردياً، لم يهتم أبداً بإنشاء "دولة كردية"، بل أسس دولة إسلامية شملت العرب والكرد والتركمان.
ميزته: يرمز إلى القوة، والوحدة، والقدرة على هزيمة أعداء الأمة.
لكن: لا يمثّل الكرد الذين يرفضون الهوية الإسلامية كأساس للسياسة، كما لا يقدّم نموذجاً لدولة كردية حديثة.
مصطفى بارزاني: الزعيم الإقطاعي الذي أسس الحركة الكردية الحديثة
مصطفى بارزاني (1903-1979) هو مؤسس الحركة الكردية الحديثة في العراق. قاد ثورات كردية متعدّدة ضدّ الحكومات العراقية، وأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP). كان نموذجاً للزعيم العشائري التقليدي، الذي جمع بين الكاريزما الشخصية والقيادة العسكرية والولاءات العشائرية.
ما ميزته: تحت قيادته، حصل الكرد العراقيون على الحكم الذاتي (1970، ثم 2005)، وأسسوا إقليماً كردياً شبه مستقل.
لكنّ نموذج البارزاني عانى من عدة مشكلات:
· كان "إقطاعياً عشائرياً" في زمن تطلّب قيادات ديمقراطية حديثة.
· أسس لصراع عائلي على الزعامة بين أبنائه وأحفاده، مما أضعف الحركة الكردية.
· تحالف مع أنظمة إقليمية (إيران، "إسرائيل"، أميركا) على حساب وحدة الصف الكردي، مما زاد الانقسامات.
اليوم، ابنه مسعود بارزاني وحفيده نيجيرفان بارزاني يواصلان النهج نفسه، لكن بفعّالية أقلّ بكثير. نموذج الزعيم العشائري لم يعد صالحاً لزمن التحوّلات الكبرى.
عبد الله أوجلان: "آبو" ونظرية الأمة الديمقراطية
عبد الله أوجلان (المولود 1949) هو مؤسس حزب العمال الكردستاني (PKK). منذ اعتقاله عام 1999، وهو في سجن إمرالي التركي، لكنه تحوّل إلى رمز عالمي لأتباعه، الذين يطلقون عليه "آبو" (أي "الأب" بالكردية).
أوجلان ليس مجرّد زعيم سياسي، بل هو منظّر طوّر نظرية "الأمة الديمقراطية"، التي تتجاوز فكرة الدولة القومية نحو نموذج من الحكم الذاتي القائم على اللامركزية والمشاركة المباشرة. نظريته أثّرت بشكل كبير على "الإدارة الذاتية الكردية" في شمال شرق سوريا (روج آڤا-اسم مستحدث)، التي طبّقت نموذجها النظري.
ميزة أوجلان:
· يمثّل نموذجاً حديثاً وعلمانياً للقيادة الكردية، بعيداً عن الإقطاع العشائري أو الإسلام السياسي.
· نظريته عن "الأمة الديمقراطية" تقدّم بديلاً للمشروع القومي الانفصالي الكلاسيكي، وقد تشكّل إطاراً أولياً لحلّ مستقبلي للكرد بشكل خاصّ، بل لكلّ شعوب المنطقة، أكثر واقعية في ظلّ رفض دول الجوار لتقسيم المنطقة.
· رغم سجنه، لا يزال "آبو" حاضراً في وجدان ملايين الكرد، خاصة في تركيا وسوريا وإيران.
لكن:
· أوجلان وحزبه (PKK) مصنّفان إرهابيين من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما يحدّ من قدرتهم على التحرّك السياسي العلني.
· كثير من الكرد (خاصة في العراق، وأتباع بارزاني، والإسلاميين) لا يعترفون به كقائد لهم.
· نظريته عن "الأمة الديمقراطية" طموحة لكنها لم تثبت بعد قدرتها على بناء مؤسسات دولة مستقرة.
غياب الروح الجامعة: لماذا لا يستطيع الكرد الاتفاق على رمز واحد؟
هذا التعدّد في الرموز يعكس تعدّداً في الرؤى والانتماءات:
الرمز يمثّل أشخاصاً ولا يمثّل آخرين
كاوا الحداد الأسطورة، الثورة، الجذور ما قبل الإسلامية برنامجاً سياسياً للمستقبل
صلاح الدين القوة الإسلامية، الوحدة، النصر الكرد العلمانيين واليساريين
بارزاني الزعيم العشائري، الدولة الكردية في العراق الكرد في تركيا وسوريا وإيران
أوجلان الحداثة، الديمقراطية، اللامركزية الكرد المحافظين دينياً، وأنصار بارزاني
هذا التعدّد ليس مجرّد اختلاف في الأذواق، بل هو انعكاس لانقسامات عميقة:
· انقسام مذهبي: بين سنة كرد (الغالبية) وعلويين بكتاشيين (في تركيا) وإيزيديين (في العراق).
· انقسام سياسي: بين القوى التقليدية (KDP) والراديكالية (PKK) والوسطية (PUK).
· انقسام وطني: كرد العراق الذين حقّقوا حكماً ذاتياً مقابل كرد تركيا وسوريا وإيران الذين لا يزالون يعملون بظروف وشروط إقليمية ودولية تختلف عن تجربة العراق.
الانقسامات لا تتوقّف بتوزّعهم. بل داخل البلد الواحد وغالباً ما تصل إلى مرحلة دموية، تتوقّف لتترك جراحاً غائرة مغمّسة بالتوتر واللا ثقة. وتجربة الصراع الكردي-الكردي في العراق (طالباني-بارازاني)، وفي تركيا (حزب العمال الكردستاني-حزب الهدى)
· انقسام جيوسياسي: كلّ دولة تريد توظيف كردها لمصلحتها، مما يزيد الانقسام.
كما وصفهم جوناثان راندل، الكرد هم "أمة في شقاق". وغياب روح جامعة هو جوهر مأساتهم.
أين يقف الكرد بعد الحرب الأخيرة؟
الحرب التي هزّت غرب آسيا كشفت عن مأزق الكرد الاستراتيجي:
في سوريا: الإدارة الذاتية الكردية (روج آفا)، التي حصلت على حكم ذاتي بدعم أميركي، وجدت نفسها في مأزق بعد سقوط نظام الأسد. الإدارة الجديدة في دمشق ترفض أيّ شكل من أشكال الحكم الذاتي. ومع انسحاب القوات الأميركية (في سياق الحرب الإيرانية-الإسرائيلية)، أصبح الكرد السوريون في موقف ضعيف، مرهونين بتسوية نهائية مع دمشق أو مع تركيا.
في العراق: إقليم كردستان يعاني من أزمات داخلية: صراع بين KDP وPUK، أزمة مالية، وتوترات مع بغداد. استفتاء 2017 فشل، والكرد العراقيون عالقون بين مطرقة بغداد وسندان إيران وتركيا.
في تركيا: أكبر تجمّع كردي (15-20 مليون). PKK لم يحقّق أياً من أهدافه، وحزب المساواة والديمقراطية للشعوب يواجه حملة اعتقالات وتهديدات متواترة. وعملياً رهانات الكرد على "الديمقراطية التركية" شبه تبخّرت.
في إيران: كرد إيران (8 ملايين) يعيشون انقساماً كبيراً بين الأحزاب والقوى اليسارية المتمركزة في شمال العراق، وبين كتلة شعبية تسلّحت على يد السلطات الإيرانية.
الخلاصة: الكرد لم يكونوا لاعبين في هذه الحرب، بل كانوا ساحة وورقة مساومة.
هل يمكن للكرد اصطناع روح جامعة؟
إذا أراد الكرد أن يكونوا لاعباً في غرب آسيا الجديد، فعليهم القيام بخطوات جريئة:
1. تجاوز الانقسامات الداخلية: الاتفاق على "حدّ أدنى" من الأهداف المشتركة (حقوق ثقافية وسياسية، حكم ذاتي) بدلاً من الانشغال بالصراع على الزعامة.
2. بناء رموز جديدة تجمع: كاوا الحداد وحده لا يكفي. الكرد بحاجة إلى "روح جديدة" تجمع بين الأسطورة (كاوا) والواقعية السياسية (أوجلان) والقوة التاريخية (صلاح الدين). هذا المزج قد يكون صعباً، لكنّه ضروري.
3. تبنّي رؤية إقليمية، لا انفصالية: في عالم ما بعد الحرب، القوى الإقليمية لن تقبل بتقسيم الدول. الحلّ الواقعي هو الحكم الذاتي ضمن الدول من دون حدود فاصلة (تجربة العراق)، ليس الاستقلال، وانتقال جميع هذه الدول نحو نظام إقليمي جديد تكاملي، تتماهى به الحدود، كأهمّ نتيجة من نتائج الحرب المفصلية الكبرى.
٤. إعادة تعريف "الروح الكردية": روح تعترف بأنّ الكرد جزء من غرب آسيا، وأنّ مستقبلهم مرتبط بمستقبل المنطقة، ليس بالانفصال عنها.
الخلاصة: أمة تبحث عن روحها
كاوا الحداد وحده لا يكفي. الكرد بحاجة إلى أكثر من أسطورة. يحتاجون إلى قيادة موحّدة، ورؤية سياسية واضحة، وتحالفات إقليمية ذكية. لكنّ غياب هذه العناصر ليس قدراً محتوماً.
فالتاريخ الكردي يعرف لحظات وحدة نادرة جداً لكنها كانت مؤثّرة (مثل فترة مصطفى بارزاني في الستينيات، أو الإدارة الذاتية الكردية في سوريا بعد 2012). السؤال: هل تستطيع هذه الأمة تجاوز انقساماتها الحالية والبحث عن "روح جامعة" تمكّنها من تأدية دورها الطبيعي في غرب آسيا الجديد؟
غرب آسيا لن يستقرّ من دون الكرد. فهم الركن الرابع الأساسي من شعوب المنطقة، ولا يمكن بناء نظام إقليمي ناجح من دون مشاركتهم. لكنّ المشاركة تتطلّب أولاً أن يشارك الكرد في صنع قرارهم، لا أن يكونوا أداة بيد الآخرين.
المفارقة الكبرى: الكرد هم أكثر شعوب المنطقة ديمقراطية في تطلّعاتهم (نظرية أوجلان عن "الأمة الديمقراطية")، لكنهم الأقلّ قدرة على تحقيق هذه الديمقراطية لأنفسهم. وهم أكثر الشعوب تضامناً في الأساطير (كاوا)، والأمجاد التاريخية (صلاح الدين)، لكنهم الأكثر انقساماً على أرض الواقع.
هل سيبقى الكرد "أمة في شقاق"؟ أم سيجدون في كاوا وصلاح الدين وبارزاني وأوجلان عناصر لروح جديدة جامعة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة. لكنّ المؤكّد أنّ البحث عن الروح الكردية لم ينتهِ بعد، وأنّ المنطقة بأسرها ستتأثّر بنتيجة هذا البحث.