القنبلة والهوية: كيف تُحوّلان المشروع "النووي الإسلامي" إلى معركة عالمية ثالثة؟

لماذا يتحوّل احتمال امتلاك دولة إسلامية للسلاح النووي إلى أزمة عالمية كبرى، بينما لا تُثير ترسانات نووية أخرى القدر نفسه من الاعتراض أو القلق؟

  • المسألة لم تعد مجرد سلاح، بل معادلة حضارية وسياسية.
    المسألة لم تعد مجرد سلاح، بل معادلة حضارية وسياسية.

لم يعد السلاح النووي منذ منتصف القرن العشرين صعوداً، مجرد وسيلة عسكرية فائقة التدمير، بل أصبح عنواناً لمعادلة القوة - توازن الردع في النظام الدولي. فمنذ أن ألقت الولايات المتحدة الأميركية القنبلتين الذريتين على مدينتَي (هيروشيما وناكازاكي) اليابانيّتين خلال الحرب العالمية الثانية؛ دخل العالم مرحلة جديدة، أصبح فيها امتلاك القدرة النووية، معياراً للقوة السياسية والهيمنة الاستراتيجية، وسلاحاً وازناً في القدرات العسكرية من بوابة استثمار التقنية في مجالات الطب والتكنولوجيا الصاعدة.

غير أن هذه المعادلة لم تكنْ يوماً متساوية بين جميع الدول، بل تشكّلت على حين غِرة ضمن نظام دولي يقوم على احتكار محدود للسلاح النووي، يسمح لبعض الدول بامتلاكه، بينما يمنع دولاً أخرى من الاقتراب منه.

وقتئذٍ، برز التساؤل المشروع- المركزي الذي أثار جدلاً في الشرق الأوسط: لماذا يتحوّل احتمال امتلاك دولة إسلامية للسلاح النووي إلى أزمة عالمية كبرى، بينما لا تُثير ترسانات نووية أخرى القدر نفسه من الاعتراض أو القلق؟ ولماذا يُصادق على امتلاك السلاح النووي عندما يكون تحت يد دول تنتمي إلى ديانات أخرى، بينما يتحول إلى تهديد وجودي عندما يقترب منه العالم الإسلامي؟ أليست هذه التساؤلات مشروعة؟!.

إن الإجابة عن هذه الاستفهامات تقودنا إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الدولي نفسه. فالقوى الكبرى التي رسمت ما يُسمى "النظام العالمي" بعد الحرب العالمية الثانية، سعت إلى إبقاء التفوق العسكري والتكنولوجي حكراً عليها، أو على حلفائها المباشرين. لهذا امتلكت عدة دول السلاح النووي من دون أن تتحول إلى هدف دائم للعقوبات أو الحصار، من بينها دول تنتمي إلى خلفيات دينية وثقافية مختلفة، مثل الهند التي تنتمي حضارياً إلى الديانة الهندوسية، وكذلك العدو الإسرائيلي الذي يلتصق بالديانة اليهودية. كما تمتلك قوى عظمى مثل روسيا والصين ترسانات نووية هائلة من دون أن يكون ذلك موضع جدل أخلاقي عالمي.

لكن المفارقة في أن النقاش يحتدم بشكل غير مسبوق عندما يتعلق الأمر بدولة إسلامية، كما هي الحال في البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية في إيران. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا أو التقانة النووية أو بمستوى تخصيب اليورانيوم، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي تقوده الدولة.

فالجمهورية الإسلامية تقدم نفسها بوصفها دولة تقوم على مرجعية دينية إسلامية، وتحديداً "المرجعية الشيعية"، حيث تلعب الفتوى الفقهية لديها دوراً هامّاً في تحديد طبيعة استخدام القوة. وقد أعلن المرشد الأعلى الشهيد السيد علي خامنئي غير مرة، أن استخدام السلاح النووي محرّم شرعاً، استناداً إلى قواعد فقهية تحرّم الإبادة الجماعية واستهداف المدنيين.

هذا البعد الفقهي والأخلاقي يضع المشروع النووي الإيراني في سياق مختلف عن التجارب النووية الأخرى. فالفكر الإسلامي، سواء في مدوناته الفقهية القديمة أو في مستحدثات اجتهاداته المعاصرة، يضع قيوداً صارمة على استخدام وسائل التدمير الشامل. ومع ذلك، فإن مجرد امتلاك القدرة النووية من قبل دولة إسلامية يثير قلقاً عميقاً لدى المحور الصهيوأميركي، لأن المسألة تتعلق بتغيير موازين القوة في الشرق الأوسط وصراع النفوذ والسيطرة على الثروات ليس إلا.

فالمنطقة ومنذ عقود طويلة تقوم على تفوق عسكري واضح لصالح العدو الإسرائيلي، وهو تفوق يرتكز على امتلاكه قدرات عسكرية متقدمة، إذ يعتقد كثير من الخبراء العسكريين أنها تشمل أيضاً ترسانة نووية غير معلنة. وبخاصة إن هذا التفوق يشكّل أحد أعمدة الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي منذ عقود. لذلك، تُصبح نتيجة طبيعة أن أي احتمال لظهور قوة إقليمية تمتلك تكنولوجيا نووية متقدمة؛ تُمثل تهديداً مباشراً لهذه المعادلة.

غير أن التحولات السياسية في العالم العربي، أسهمت في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. ففي العقود الأولى بعد إعلان قيام الكيان الغاصب كان الصراع يُعرف بأنه صراع عربي- إسرائيلي، إذ كانت الدول العربية تقف في مواجهة المشروع الصهيوني. لكن هذا المشهد سرعان ما تغير مع توقيع عدد مما تسمى باتفاقيات السلام، ثم مع موجة التطبيع السياسي التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، أدى هذا التحول إلى انتقال الصراع من كونه مواجهة عربية شاملة إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، ثم إلى مرحلة ثالثة أصبح يُوصف فيها بأنه صراع بين "إسرائيل" وفصائل فلسطينية تموّلها إيران.

إنّ عملية ترشيق الاحتلال إلى صراع؛ أدت إلى تقليص أطراف المواجهة، وأعادت تعريف القضية في الوعي الدولي من مناظير بعيدة عن واقع الجرائم والمأساة التي عاش ومازال يعيشها الشعب الفلسطيني، بحيث تبدو كأنها نزاع محلي محدود بدلا من كونه قضية تحرر وطني لشعب وأمة وقضية دينية- عقدية.

وفي الوقت الذي ما عادت فيه الحكومات العربية تفكر أو تأخذ قراراً سيادياً أو تدخل تحالفاً إسلامياً نتيجة التخمة ومواسم الترفيه والانحلال الأخلاقي والقيمي والديني واختارت طريق التطبيع بدلاً من المواجهة، ظهرت قوى إقليمية أخرى تبنّت خطاباً صارماً في الردع والمقاومة، ومن بينها إيران، التي أصبحت مؤسسة لمحور مترامي الأطراف والقوة (محور المقاومة)، الذي حوّل بوصلة الاهتمام العالمي إلى القضية الفلسطينية من جديد على الرغم من أنه يُوصف طائفياً بـ"المحور الشيعي" إلا أنه أعاد رسم الفسيفساء الإسلامية نحو مركزية الهدف الأكبر وهو فلسطينية وإسلامية (القدس). 

إن التطورات الحالية واللاحقة في المنطقة- (العدوان الأميركي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة)- تعكس تحوّل العدو في استراتيجيته نحو تفكيك القوى المحيطة به وصناعة "المحور السداسي"، وصولاً إلى نتائج يرجونها استنطاقاً تلمودياً بالقتل والإبادة وترسيم الجغرافيا لأنهم يعدّونها معركة دينية!. إذ شهدت حرب الـ12 يوماً قبل أشهر تصعيداً خطيراً بعد هجمات شنّتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على مواقع داخل إيران، في محاولة لإضعاف قدراتها العسكرية والتكنولوجية. وردّت الجمهورية الإسلامية بسلسلة من العمليات الصاروخية والطائرات المسيرة وضربت قلب الكيان، في مشهد حوّلته "إسرائيل" من الصراع المزعوم إلى مواجهة إقليمية واسعة، وهي فرصة تاريخية لها لإعادة تشكيل محيطها.

لكن قراءة هذه الأحداث بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، قد تؤدي إلى فهم ناقص للصورة. فالصراع حول المشروع النووي الإيراني؛ يرتبط أيضا بتوازنات عالمية تتجاوز الشرق الأوسط. فبعد إيران تبرز دولتان مرشحتان تمتلكان التقنيات النووية هما (تركيا- باكستان)، لكني اليوم استبعد الأولوية الأميركية- الإسرائيلية تجاه تركيا لعدة أسباب، وأرجّح أن تكون باكستان الدولة التالية بعد إيران التي ستنتصر في هذه المعركة كما انتصرت في معركة الـ12 يوماً. ومن هنا، قد يتساءل بعض المراقبين، عمّا إذا كانت الضغوط المتزايدة على إيران تمثل مرحلة أولى في مسار أوسع قد يمتد لاحقاً إلى باكستان؟.

إن انتقال الصراع نحو باكستان سيعني عملياً فتح جبهة جديدة في جنوب آسيا، وتغطية للفشل الاستراتيجي الأميركي- الإسرائيلي في المعركة الحالية، لأنها يجب أن تبقى مفتوحة ومتوسعة لتعديد الخيارات وتوزيع الفشل، إذ ستقف باكستان في مواجهة تاريخية مع الهند، وبخاصة مع تنامي العلاقات الاستراتيجية بين الهند و"إسرائيل" والولايات المتحدة، وتذّكر عزيزي القارئ قبل أسبوع الصور واللقاءات الحميمية بين رئيسي وزراء الكيان والهند (بنيامين نتنياهو وناريندرا مودي)، إذ سيصبح هذا التحالف جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع قد تؤثر في توازنات القارة الآسيوية بأكملها.

وهنا تظهر الأبعاد الدولية الأكثر تعقيداً، لأن أي اضطراب كبير في جنوب آسيا سيؤثر مباشرة على مصالح القوتين العالميتين الكبيرتين (الصين وروسيا). فالصين ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع باكستان، كما أن استقرار المنطقة يشكل جزءاً مهماً من مشروعاتها الاقتصادية الكبرى. أما روسيا فتنظر إلى التحولات الجارية في آسيا بوصفها جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في النظام الدولي.

وبهذا المعنى فإن الحديث عن القنبلة النووية الإسلامية لا يتعلق فقط في دولة بعينها، بل في سلسلة من التوازنات العالمية، التي تمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا. فالمسألة في جوهرها ليست مجرد منع انتشار السلاح النووي، إنما الحفاظ على بنية النظام الدولي الجديد الذي بدأ بالتشكّل، مقابل النظام الإسلامي الذي يعد أخطر من القنبلة النووية على "إسرائيل".

إن القلق الذي يظهر في الخطاب السياسي الغربي تجاه المشروع النووي الإيراني يعكس في جانب منه الخوف من تغيّر هذه البنية. فظهور قوة إقليمية في العالم الإسلامي تمتلك تكنولوجيا متقدمة وقدرة ردع حقيقية، فضلاً عن مواجهة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، قد يفتح الباب أمام تحولات أعمق في ميزان القوة العالمي، أو دول جوار إيران وهذا خطر على اللقيطة "إسرائيل".

ينجلي لنا مما سبق سبب الحساسية الشديدة التي تحيط بهذا الملف (النووي الإسلامي). فالقضية في نظر كثير من صناع القرار في الغرب ليست مجرد مسألة عسكرية، بل احتمال ظهور أنموذج جديد في العالم الإسلامي يجمع بين الهوية الدينية والتقدم العلمي والتكنولوجي.

ومع أن الطريق إلى امتلاك التكنولوجيا النووية مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية، فإن الجدل الدائر حوله يكشف عن حقيقة أعمق وهي: أن الصراع في عالم اليوم لم يعد صراعاً على أراضٍ وثروات وجغرافيا فقط، بل هو صراع على المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على امتلاك أدوات القوة الحديثة، وعلى رأسها (القنبلة النووية الإسلامية)، سواء أتحققت أم بقيت مجرد احتمال، أو تطوّرت إلى رمز لصراع أوسع يتعلق بالسيادة والهوية وموازين القوة في القرن الحادي والعشرين.

فالمسألة لم تعد مجرد سلاح، بل معادلة حضارية وسياسية تتعلق بموقع العالم الإسلامي داخل النظام الدولي الجديد، المولّد بأدوات الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني واقتصاد الانتباه، وبالسؤال الذي يظل مفتوحاً لجيل "زد- Z" الذي سيصبح قائداً للعالم الجديد: من له الحق في امتلاك القوة في عالم يتغير أسرع من (سكرولات- التمرير السريع) للتطبيقات الذكية التي جعلكم العدو تدمنون عليها، وتنشغلون عمّا يدور حولكم؟