القنبلة النووية الأوكرانية... لماذا الآن؟

رسالة روسية، على لسان الاستخبارات الخارجية، إلى دوائر القرار في بريطانيا وفرنسا وواشنطن: السلوك البريطاني–الفرنسي قد يدفع نحو انتشار السلاح النووي. ماذا يحدث؟

  •  مخطط بريطاني/فرنسي لمساعدة أوكرانيا على امتلاك سلاح نووي..
    مخطط بريطاني/فرنسي لمساعدة أوكرانيا على امتلاك سلاح نووي..

تزامناً مع الذكرى السنوية الرابعة للحرب الروسية الأوكرانية، نشر جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR) تقريراً يمكن وصفه بالشديد الخطورة حول مخطط بريطاني/فرنسي لمساعدة أوكرانيا على امتلاك سلاح نووي، وسلّط التقرير الضوء على أربعة محاور رئيسية، شملت الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذا المخطط، والتفاصيل المتعلقة بتنفيذه، والمبررات المزعومة لحصوله، وأخيراً التحذير من خطورته.

قراءة في مضمون التقرير 

أولاً؛ الدوافع الحقيقية: جاء في التقرير أن "بريطانيا وفرنسا تدركان أن الوضع الراهن في أوكرانيا لا يتيح لهما فرصة لتحقيق النصر المنشود على روسيا على يد القوات الأوكرانية، ولا يمكنهما الاعتراف بالهزيمة، وبالتالي فإن امتلاك أوكرانيا سلاحاً خارقاً، كالقنبلة النووية، سيمكنها من الحصول على شروط أفضل لإنهاء القتال".

لقد بات واضحاً أن موقف الولايات المتحدة كراعية لمفاوضات إنهاء الصراع بين موسكو وكييف يتلخص بضرورة انسحاب القوات الأوكرانية من إقليم الدونباس بالكامل من أجل تحقيق السلام، وهو ما ترفضه كييف بالمطلق بدعم وتشجيع من لندن وباريس. ومن المعلوم بأن لندن تشكل العقل المدبر لجميع الاستفزازات الميدانية التي تنفذها كييف ضد روسيا، بينما تتولى باريس عملية الزج بمقدرات الناتو العسكرية على الأرض لمصلحة أوكرانيا. وفي ظل اليأس من إمكانية تحقيق نتائج ملموسة على الأرض وسعي واشنطن لإغلاق الملف، فإن لندن وباريس تعتقدان بأن امتلاك كييف سلاحاً نووياً سيكون كفيلاً بوقف المعارك وفقاً لخط الجبهة الحالي على الأقل أو الدفع بموسكو إلى الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها في الدونباس. وفي نظرهما، فإن هذا المخطط هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر على روسيا.

ثانياً؛ تفاصيل المخطط: يكشف التقرير عن نشاط تقوم به لندن وباريس لنقل المعدات والأنظمة اللازمة لتنفيذ هذا المخطط. "يتضمن ذلك نقلاً سرياً للمكونات والمعدات والتقنيات الأوروبية في هذا المجال إلى أوكرانيا. ويجري النظر في استخدام الرأس الحربي الفرنسي TN75 صغير الحجم، المُستخدم في الصواريخ الباليستية M51.1 التي تُطلق من الغواصات، كخيارٍ مطروح".

تظهر هذه التفاصيل الواردة في التقرير بأن المخطط قد وضع قيد التنفيذ، وأن لندن وباريس ماضيتان على وجه السرعة في ذلك، وهو ما يعكس الحاجة الملحة لديهما إلى اللجوء إلى خيار الضرورة القصوى أو خيار اليأس بهدف الإجهاز على مبادرة ترامب للسلام في أوكرانيا، إذ تعتقد لندن وباريس أن ترامب ينظر إلى ملف السلام في أوكرانيا كخيار وحيد أمامه لإنقاذه من الهزيمة شبه المحققة في الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف المقبل.

ثالثاً؛ المبررات المزعومة للمخطط: يسلط التقرير الضوء على مناورة غربية لتبرير امتلاك كييف سلاحاً نووياً على أنه نتيجة حتمية لتطورات الوضع الأوكراني وبقرار أوكراني محض "يُركز الغربيون جهودهم على إظهار حصول كييف على الأسلحة النووية وكأنه نتيجة لتطورات أوكرانية"، والهدف من ذلك هو التهرب من المسؤوليات القانونية المتعلقة بحظر انتشار السلاح النووي.

من الواضح أن لندن وباريس تدركان أن انتهاء معاهدة "نيو ستارت" في الخامس من شباط/فبراير الحالي بين واشنطن وموسكو، وكذلك إعلان ترامب استئناف بلاده للتجارب النووية في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، قد أسهما في تشكيل بيئة ملائمة للتغطية على مخطط كهذا وإلصاقه بقرار داخلي أوكراني، وخصوصاً أن القيادة الأوكرانية سبق لها أن أعربت في مناسبات سابقة عن رغبة لديها في هذا التوجه، كما حدث في مؤتمر ميونخ للأمن 2022، عندما هدد الرئيس الأوكراني زيلينسكي بمراجعة انضمام أوكرانيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وخصوصاً أن أوكرانيا تمتلك المعدات والتكنولوجيا والخبراء لتحقيق ذلك منذ العهد السوفياتي.

رابعاً؛ خطورة المخطط: "إنّ هذه الخطط الخطيرة للغاية التي وضعتها لندن وباريس تُظهر انفصالهما عن الواقع. إنهما يتوقان عبثاً إلى التهرب من المسؤولية. هناك العديد من العقلاء في الأوساط العسكرية والسياسية والدبلوماسية في بريطانيا وفرنسا ممن يُدركون الخطر الذي تُشكّله تصرفات قادتهم المتهورة على العالم أجمع".

يمكن الاستنتاج من صيغة التحذير الوارد في التقرير بأن موسكو توجه الخطاب على لسان استخباراتها الخارجية إلى أوساط القرار العليا في بريطانيا وفرنسا، بل وإلى أوساط القرار العالمي، وتحديداً في واشنطن، بأن هذا السلوك البريطاني الفرنسي قد يشكل حافزاً لانتشار السلاح النووي، وتقع على لندن وباريس المسؤولية الكاملة عن النتائج التي سيتسبب بها هذا المخطط في حال تنفيذه، وأخطرها يتمثل بسقوط القواعد القانونية والردعية التي تمنع دولاً عديدة في العالم من حيازة السلاح النووي، وهو ما يعني بالضرورة الوصول إلى حالة انفلات السيطرة على هذه التكنولوجيا وصناعة الأسلحة النووية.

ردود الفعل على التقرير

جاء الموقف الروسي حازماً وسريعاً وغير قابل للتأويل على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه لمناسبة الذكرى الرابعة للحرب بعد ساعات من صدور تقرير جهاز الاستخبارات الخارجية، واتهم القوى الغربية بمواصلة السعي لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وحذر من أن مساعيهم قد تصل إلى "نقطة اللاعودة"، وحينها سيندمون على أفعالهم، ووجه تحذيراً شديد اللهجة بشأن احتمال استخدام أسلحة نووية ضد بلاده، قائلاً إن الخصوم "يعرفون كيف يمكن أن تنتهي الأمور إذا لجؤوا لاستخدام عنصر نووي"، ولاحقاً لموقف بوتين، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي "ديميتري مدفيديف" إن نقل تقنيات نووية إلى كييف هو "مسار مباشر نحو حرب عالمية"، وحذر من أن بلاده قد تشن ضربات نووية على بريطانيا وفرنسا إذا زودتا أوكرانيا بأسلحة نووية، كما هدد باستخدام الأسلحة النووية ضد أهداف في أوكرانيا. 

وبالنسبة إلى رد الفعل الأوكراني، فقد نفت كييف على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية بشدة ما ورد في تقرير المخابرات الروسية، ووصفت الاتهامات بالسخيفة، وكذلك فعلت لندن في في موقف مشابه واتهمت موسكو بمحاولة حرف الأنظار عن "الفظائع" التي ترتكبها قواتها على الأرض"، بينما وصف المتحدث باسم الخارجية الفرنسية التقرير بأنه "تضليل سافر" .

توقيت التقرير وخلفياته

إن محاولة فهم التوقيت الذي أصدرته الإستخبارات الخارجية الروسية يستوجب أيضاً مناقشة التوقيت المتعلق بالمخطط الذي تضمنه التقرير في حال القول بصحته، وهو ما يعني البحث في احتمال وجود مصلحة روسية من اختيار هذا التوقيت للإعلان عن هذا التقرير. وفي المقابل، البحث في توقيت المخطط البريطاني الفرنسي الذي تضمنه التقرير.

ولا يمكن فهم ذلك إلا بتتبع الملفات المتشابكة الخاصة بالأمن النووي، فقد سبق لقناة RT الروسية أن سربت تقريراً عن سعي تركيا الجار الجنوبي لروسيا والعضو في حلف التاتو لامتلاك سلاح نووي. وفي التوقيت ذاته، أعرب الرئيس البولندي نافروتسكي عن اعتقاده بأن بلاده يجب أن تنظر في تطوير قدراتها النووية الخاصة، وأن تبدأ في العمل نحو امتلاك أسلحة نووية كردّ على التهديد المتصاعد من روسيا، أو أن تنضم بولندا إلى مشروع أو قدرة نووية، بحسب ما أوردته وكالة بلومبيرغ. وقد بات واضحاً أن فرنسا تطرح مشروع بناء مظلة نووية خاصة بأوروبا، وتمتد إلى شرقها خاصة، بعد اختلال الثقة بالحليف الأميركي الذي يدفع بأوروبا إلى الاعتماد على نفسها وبناء قدرتها العسكرية والدفاعية كجناح مقابل للولايات المتحدة في حلف الناتو.

بالتوازي مع ذلك، فإن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي الإيراني بلغت نقطة حاسمة عشية انعقاد الجولة الثالثة في جنيف، وكذلك مع انتهاء معاهدة نيوستارت وإعلان واشنطن قبل ذلك استئناف التجارب النووية، وأيضاً وصول المفاوضات بين روسيا وأكرانيا إلى مرحلة بات فيها خيار السلام ومحدداته واضحة المعالم في حال قبول أوكرانيا بخطة تارمب.

وفقاً لهذا المشهد الواسع بكل تشعباته وحيثياته، يمكن تقدير المصالح الروسية من اختيار هذا التوقيت لنشر التقرير برغبة موسكو في حث واشنطن على تمديد معاهدة نيو ستارت، والضغط عليها للعدول عن قرار استئناف التجارب النووية من خلال الإيحاء باهتزاز الأمن العالمي وتفلت السلاح النووي، وضرورة الكيل بمكيال واحد بهذا الخصوص مع جميع الدول الطامحة لامتلاك التكنولوجيا النووية، كما هو الحال مع إيران التي تضغط واشنطن عسكرياً وسياسياً من أجل الحصول على ضمانات منها بعدم حيازتها السلاح النووي، وهو ما ترى موسكو أنه يجب أن يكون ملزماً للدول المجاورة لها أيضاً. من جانب آخر، من غير المستبعد أن موسكو أرادت من هذا التقرير التلويح باستخدام السلاح النووي كوسيلة للضغط على أوروبا، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، من أجل دفعها إلى التوقف عن عرقلة مسار السلام في أوكرانيا على اعتبار أن استمرار الحرب سيمتد إلى أوروبا عاجلاً أو آجلاً.

أما بالنسبة إلى الثنائي البريطاني/الفرنسي، فإنه، إضافة إلى ما ذكرنا سابقاً حول لجوئهما إلى هذا المخطط كخيار اليائس في هذا التوقيت في ظل قناعتهما بأن ترامب سيفرض خطته للسلام على زيلينسكي ولم يعد هناك متسع من الوقت لتجنب ضغوط ترامب، فإنه ليس من المستبعد أنهما يسعيان إلى استفزاز روسيا لاستخدام السلاح النووي ضد أوكرانيا، وسبق لهما، وتحديداً بريطانيا، أن دبرتا العديد من الاستفزازات ضد البنى التحتية الاقتصادية والعسكرية الروسية، ولكن دون جدوى، وغايتهما من ذلك الدفع بواشنطن للعودة إلى الانخراط بالأمن الأوروبي بعد أن قرر ترمب الانكفاء ببلاده إلى حديقتها الخلفية من القطب الشمالي إلى أميركا اللاتينية. ولعل أكثر ما تخشاه بريطانيا وفرنسا هو أن يؤدي السلام في أوكرانيا إلى تقارب استراتيجي روسي أميركي تحت عنوان التشاركية في مجال الطاقة والمعادن انطلاقاً من أوكرانيا على حساب أوروبا.

ختاماً؛ في الظل الظروف غير الاعتيادية التي يشهدها العالم، والتحول المتسارع نحو التعددية القطبية، وتبدل أولويات الأمن الاستراتيجي للعديد من الدول، وما سينتج منه من تغيير في خريطة التحالفات العالمية، والانكفاء العالمي نحو مفهوم الأمن الوطني والدولة الوطنية، فمن البديهي أن يشهد العالم الكثير من المغامرات الخطرة التي لا يمكن التنبؤ بها وبنتائجها. ولعل ذلك ما جعل الحديث عن حرب عالمية ثالثة يكثر تداوله في الأوساط الإعلامية و السياسية.