الصوت الذي لا يُحتوى: لماذا يُستهدف محمد فرج؟
محمد فرج يصطف مع محور مقاوم يمرّ بأقسى مراحله، وهذا بالضبط ما يجعل احتجازه مسألة أكثر فجاجة، ويجعل الصمت حياله أكثر افتضاحاً.
-
لم يكتُب محمد فرج ليُرضي أحداً سوى شغفه الذاتي.
مع نضوج التجربة التي فرضتها السنوات اللاحقة لعام 2011، ومع تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءٍ سياسي وثقافي لا يمكن الفكاك منه، تشكّلت لديّ شبكة اهتمام ومتابعة أكثر كثافة مع ناشطين ومثقفين في بلدين عربيين تحديداً: الأردن وتونس.
مع مرور الوقت، تراجع الحضور التونسي نسبياً، فيما استمر الحضور الأردني أكثر انتظاماً وتأثيراً. وحين أراجع اليوم الأسماء التي أتابعها وأحرص على قراءة إنتاجها، أجد أن الغالبية منها أردنية، من هنا، جاءت قضية احتجاز الكاتب والإعلامي محمد فرج في عمّان منذ أكثر من أسبوعين قاسية بشكلٍ خاص، قبل أن تكون قضية عامة.
منذ الإعلان عن احتجازه، ومن دون أسباب، بدا واضحاً أن التعامل مع القضية بوصفها حادثة فردية تقليدية لا يستقيم. فمحمد فرج لا يمكن اختزاله في توصيف مهني مباشر: صحافي، كاتب، أو مقدّم برامج. مشروعه الفكري والإعلامي يتجاوز هذه العناوين، واستهدافه لا يرتبط بوظيفته الإعلامية بحدّ ذاتها، بل بالمحتوى السياسي والمعرفي الذي قدّمه عبر المساحات التي أُتيحت له، منذ ظهوره ضيفاً على الشاشات، وصولاً إلى احترافه العمل الإعلامي وتقديمه برامج تحمل اسمه وخطابه.
في الجوهر، ما يهمّنا في محمد فرج هو انحيازاته، وأسلوبه النموذجي الذي استخدمه للتعبير عنها، بعيداً عن الصخب، واللغة الاستفزازية، والاستخفاف بعقل الجمهور. وحين يُغيَّب صوت معروف بمواقفه المقاوِمة، وبقراءاته النقدية العميقة لدور الغرب والصهيونية وأدواتهما في المنطقة، يصبح السؤال أبعد من مجرد اسم شخص، وأقرب إلى معنى ما يمثّله: نموذج الصحفي المثقف الذي يرى في الكلمة وسيلة للتغيير، وفي التعبير عن الحقيقة التزاماً أخلاقياً لا ترفاً فكرياً.
أشهد أن محمد فرج لم يكن يوماً مجرّد صحفي يؤدّي وظيفة، ولا كاتب يملأ الصفحات بكلماتٍ بلا روح، بل شخصية نادرة جمعت بين الأخلاق الرفيعة والرسالة الإعلامية الصادقة. تعاملت معه بصورةٍ مباشرة خلال فترة إدارته لموقع الميادين، فتأكد لديّ الانطباع الذي كوّنته عنه، وهو أن شخصيته أقرب إلى مثقف منعزل عن الضجيج (راهب في معبدٍ للعلوم السياسية)، يقرأ كثيراً.. ويفكّر كثيراً.. ويدير حواراً داخلياً متواصلاً مع نفسه، في سبيل إنتاج محتوى معرفي شديد التميّز. ورغم ذلك، لم ألمس فيه يوماً أي نزعة إلى التباهي أو الاستعراض ولا ذلك التأفّف الذي يَسِمُ بعض من يتصدّرون مواقع المسؤولية، بل تواضع ينبع من ثقافة موسوعية وثقة هادئة بالنفس.
لم يكتُب فرج ليُرضي أحداً سوى شغفه الذاتي، ولم يحترف الإعلام كوظيفة، بل لأنه كان لديه ما يقوله في زمن يزداد فيه الضجيج ويقلّ فيه المعنى. هذا المزيج النادر من الأخلاق والثقافة والانحياز للقضايا العادلة، جعله نموذجاً له خصوصية لا يمكن الإعراض عنه، ولا شك أن استهدافه اليوم ليس استهدافاً لشخص، بل هو بمنزلة استهداف لخطّ كامل، ولصوتٍ ضمن أصوات اختارت أن تكون منحازة للمواطن العربي في مواجهة "إسرائيل" ومشاريع الهيمنة الغربية.
القضية كمحطة توحيد فكرية، ولماذا يُراد إسكاته؟
ما يجعل قضية محمد فرج استثنائية ليس الانتهاك الحقوقي فحسب، بل أيضاً قدرتها على جمع أطياف فكرية وسياسية مختلفة. التيار الحقوقي اعتبر اعتقاله انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة، بينما وجد القوميون والعروبيون واليساريون فيه صوتاً رافضاً للمخططات الغربية والمشروع الإسرائيلي في المنطقة. هنا، تظهر المفارقة: قضية واحدة توحد أطرافاً عادة ما تتباين في المرجعيات السياسية والفكرية.
الحقيقة أن خطاب محمد فرج طوال مسيرته كان عقلانياً ومسؤولًا، يدرك تماماً مخاطر الفوضى المدارة، ولديه وعي بالمؤامرات التي تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمعات العربية، باسم "الثورات". حتى نقده للتطبيع أو إداناته للتحالف مع البيت الأبيض لم تتحوّل إلى دعوات تحريض انفعالية ضد الأنظمة، بل كانت نقداً سياسياً متزناً يسعى إلى كشف الحقائق وتحليل المؤامرات. هذا الخطاب يجعل استهدافه استهدافاً للكلمة الصادقة بحدّ ذاتها، وللنموذج الذي يثبت أن الإعلام يمكن أن يكون حراً ومسؤولاً في الوقت ذاته.
الخشية اليوم تكمن في أن يكون الاستهداف موجّهاً إلى نموذج فرج، وليس إلى شخصه فقط؛ إلى الموقف الإعلامي الجادّ، وإلى الصوت الذي اختار أن يكون منحازاً لفلسطين، وللقضايا الوطنية الكبرى. فحين يُغيّب صوت معروف بمواقفه المقاوِمة، يصبح السؤال أبعد من مجرد "ماذا فعل الرجل؟"، ليُصبح: لماذا يُراد إسكات صوته؟، ولمصلحة من خارج حدود الوطن العربي المكلوم؟.
شرف التضامن
ما يمنح قضية اعتقال محمد فرج هذه الدلالة الثقيلة هو أنه لا يستند إلى "ألتراس نخبوي" قوي يحميه، ولا يتحرك ضمن أحد الخيارات السياسية السائدة في المشهد العربي، ولا يقف خلفه أي من العواصم الغربية أو الخليجية التي تنفق بسخاء وتُمسك برقبة الإعلام في بلادنا.
هو صوت خارج شبكات النفوذ الأكثر هيمنة في الشارع العربي، وبلا ظهر سياسي داخلي نافذ يسنده، ولا ماكينة تمويل قادرة على إدارة حملات ضغط على وسائل التواصل تُشعل الاهتمام بقضيته وتفرضها على جدول الأعمال العام. في هذا السياق، يصبح من الطبيعي – بل المتوقّع – أن تمرّ قضيته بلا اكتراث من منظمات حقوق الإنسان الأوروبية، التي لا تتحرك خارج خرائط النفوذ والاهتمام المرسومة سلفاً. الرجل، ببساطة، خارج "الكود الإعلامي" المطلوب؛ لا يصلح للتوظيف، ولا يدخل في أسواق الاستثمار السياسي أو الحقوقي.
فرج، يصطف مع محور مقاوم يمرّ بأقسى مراحله، وهذا بالضبط ما يجعل احتجازه مسألة أكثر فجاجة، ويجعل الصمت حياله أكثر افتضاحاً. في هذه الحالة، لا يعود الاعتقال فعلاً أمنياً معزولاً، بل رسالة مقصودة مفادها أن النموذج المنفرد بخطابه، حين لا يكون قابلاً للاحتواء أو الاستثمار، يصبح هدفاً سهلاً للإقصاء.
ومن هنا، فإن التضامن مع محمد فرج اليوم ليس موقفاً مريحاً للبعض ولا اصطفافاً مجانياً، بل خياراً كربلائياً بامتياز. اختبار يكشف بوضوح من يؤمن فعلاً بكرامة الفرد والوطن معاً، ومن يتعامل مع قضايا الحرية بوصفها شعارات انتقائية تخضع لحسابات القوة والتمويل.
الميادين: الالتزام بالمسؤولية أمام التعسف
لا يمكن فصل القضية برمّتها عن الإطار الأوسع الذي تمثّله شبكة الميادين الإعلامية. فمن باب الإنصاف، يشهد سجل هذه المؤسسة بأنها لم تكن يوماً أداة تحريض أو منصة للكراهية، ولم تنخرط في الشعبوية أو أساليب الإثارة المعتادة، حتى في ذروة الفوضى الخطابية التي رافقت مرحلة ما بعد "الربيع العربي". بل حافظت على خط تحريري متوازن، يلتزم بدعم المقاومة في مختلف ساحاتها، ضمن رؤية عامة تجمع بين الجرأة والضبط، وبين الاستقلالية والالتزام بالرسالة.
وقد مثّل محمد فرج، في مسيرته ومواقفه، تجسيداً حيّاً لهذا النموذج الإعلامي المسؤول؛ إعلام يرى في الحرية التزاماً لا فوضى، وفي الكلمة موقفاً مبدئياً لا أداة تعبئة غوغائية. وهو ما يُحوّل استهدافه إلى استهداف لمنهج شامل، لا لذات متفردة.
إن تجربة الميادين، بفريقها وخطابها، تؤكد أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الإعلام يمكن أن يكون نقدياً دون أن يكون هدّاماً، ومتحرراً دون أن يكون منفلتاً. وفي زمن اختلال المعايير وانهيار الأوزان، يصبح الدفاع عن هذا النموذج ضرورة، لا تضامناً عاطفياً فحسب، بل دفاعاً عن دور الإعلام ذاته.
لدى محمد فرج الكثير ليقدّمه، وأمامه سنوات طويلة ليعيشها بسلامٍ وفرح مع عائلته، محتفظاً بروحه الشابة ونهمه الفكري. ولدي يقين بأن تجربته الإعلامية سيُعاد النظر فيها لاحقاً باعتبارها نموذجاً عزيزاً في الإعلام العربي بعد "الربيع"، إذ قلّما يجتمع في الإعلاميين من جيل الوسط، أي الذين تتراوح أعمارهم بين أوائل الثلاثينيات ومنتصف الأربعينيات، هذا المزيج من الجرأة والوعي، ومن الالتزام المهني والانحياز للقيم الوطنية. إنه نموذج الكاتب الذي يلتزم برؤيته، لا يكتب لإرضاء جمهور أو سلطة، بل ليقول ما يراه صائباً، مهما كانت التبعات أو الكلفة.