الرئيس الصيني إلى البيت الأبيض... بدلاً من منبر الأمم المتحدة

ترامب سيستقبل الرئيس الصيني شخصياً لدى وصوله إلى قاعدة أندروز، في خطوة استثنائية في البروتوكول الأميركي، ثم تُقام مراسم رسمية ويستضيفه ترامب في عشاء دولة، مع حضور عدد من كبار مسؤولي وشخصيات قطاع التكنولوجيا الأميركي.

  • من التجارة إلى هرمز... القمة التي تتجاوز واشنطن وبيجين.
    من التجارة إلى هرمز... القمة التي تتجاوز واشنطن وبيجين.

في الوقت الذي تستعد فيه الأمم المتحدة لاستقبال قادة العالم في نيويورك، يستعد الرئيس الصيني شي جين بينغ للذهاب إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب. 

المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة تبدأ في 22 أيلول/سبتمبر، بينما تبدأ زيارة شي للولايات المتحدة في 23 منه وتستمر حتى 25 أيلول/سبتمبر، على أن يلتقي ترامب في البيت الأبيض في 24 منه.

قد يبدو الأمر مجرد تفصيل في جدول الزيارات الرئاسية، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة المرحلة التي دخلتها العلاقات الأميركية- الصينية. 

الأمم المتحدة هي المكان الذي تتحدث فيه دول العالم عن النظام الدولي، أما واشنطن فهي المكان الذي ستبحث فيه القوتان الأكثر تأثيراً في الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن الدوليين حدود المنافسة بينهما.

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها. فشي لا يذهب إلى واشنطن لأن الأمم المتحدة فقدت أهميتها، وإنما لأن العلاقة مع الولايات المتحدة أصبحت، في حد ذاتها، أحد المفاتيح الأساسية لفهم شكل النظام الدولي المقبل. 

ما سيبحثه مع ترامب لن يتوقف عند الرسوم الجمركية وحجم الصادرات والواردات، بل سيمتد إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والطاقة وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى الملفات الأمنية التي أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالعلاقة بين القوتين.

لماذا واشنطن الآن؟

منذ انتهاء الحرب الباردة، اعتادت الولايات المتحدة أن تنظر إلى النظام الدولي باعتباره نظاماً تقوده هي، بينما تعاملت الصين، طوال عقود، مع هذا النظام من موقع الدولة الصاعدة التي تستفيد من مؤسساته وأسواقه، وتعمل في الوقت نفسه على زيادة قدرتها على التأثير فيه.

لكن هذا التوازن تغير. الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية تستفيد من السوق الأميركية. أصبحت منافساً في الصناعات المتقدمة، وفي الذكاء الاصطناعي، وفي السيارات الكهربائية، وفي الطاقة النظيفة، وفي سلاسل توريد المعادن النادرة، وفي البنية التحتية الرقمية. 

ولهذا، لم تعد واشنطن تتعامل مع الصين باعتبارها قضية تجارية منفصلة عن الأمن القومي. ومن هنا أيضاً، يمكن فهم طبيعة الاستقبال الأميركي لشي.

ترامب سيستقبل الرئيس الصيني شخصياً لدى وصوله إلى قاعدة أندروز، في خطوة استثنائية في البروتوكول الأميركي، ثم تُقام مراسم رسمية ويستضيفه ترامب في عشاء دولة، مع حضور عدد من كبار مسؤولي وشخصيات قطاع التكنولوجيا الأميركي.

هذه التفاصيل ليست هي جوهر القمة، لكنها تعكس إدراك واشنطن لحجم الطرف الآخر. فالصين التي تصل إلى واشنطن اليوم ليست هي الصين التي كانت قبل عشرين عاماً، عندما كان الحديث الأميركي عنها يدور أساساً حول التجارة والعجز التجاري وحقوق الملكية الفكرية.

الحديث اليوم مختلف. الرقائق الإلكترونية أصبحت قضية أمن قومي، والمعادن النادرة أصبحت ورقة استراتيجية، والذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالتفوق العسكري والاقتصادي، والطاقة أصبحت جزءاً من الحسابات الجيوسياسية، فيما تحوّلت سلاسل الإمداد نفسها إلى إحدى ساحات الصراع بين البلدين.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تحمله زيارة شي ليس: ماذا سيشتري الصينيون من الأميركيين، أو ماذا سيبيع الأميركيون للصينيين؟ السؤال هو: إلى أي حد يستطيع الطرفان إدارة المنافسة بينهما من دون تحويلها إلى مواجهة مفتوحة؟

فالحرب التجارية يمكن احتواؤها باتفاق تجاري، لكن عندما تدخل التكنولوجيا والأمن والطاقة إلى الصراع، تصبح الاتفاقات التجارية جزءاً من مشكلة أكبر بكثير.

الثلاثون مليار دولار ليست القصة

قبل وصول شي إلى واشنطن، كانت المفاوضات الاقتصادية قد بدأت بالفعل في نيويورك بين نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير. 

المفاوضات لم تقتصر على الرسوم التجارية، بل شملت أيضاً الذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة وملفات أخرى.

تتحدث المباحثات عن احتمال أن يخفض كل طرف الرسوم الجمركية على سلع بقيمة تقارب 30 مليار دولار، بالتوازي مع بحث خفض أو إلغاء التعرفة الصينية البالغة 15% على الغاز الطبيعي المسال الأميركي، وهي التعرفة التي فرضتها بيجين في شباط/فبراير 2025 رداً على الرسوم الأميركية. وقد أدى ذلك عملياً إلى توقف تجارة الغاز الطبيعي المسال الأميركي مع الصين لفترة طويلة.

لكن اختزال القمة في رقم 30 مليار دولار سيكون قراءة سطحية. القصة الحقيقية هي أن الولايات المتحدة والصين تحاولان الانتقال من مرحلة التصعيد غير المحسوب إلى مرحلة أكثر تنظيماً من المنافسة.

وهذا لا يعني انتهاء الحرب التجارية، ولا يعني أن الخلافات الاستراتيجية تراجعت، بل يعني أن الطرفين وصلا إلى نقطة يدركان فيها أن استمرار التصعيد في كل الملفات في الوقت نفسه ستكون له كلفة على الطرفين وعلى الاقتصاد العالمي.

الصين تحتاج إلى الأسواق الخارجية، والولايات المتحدة تحتاج إلى سلاسل توريد مستقرة وأسواق للغاز والطاقة والمنتجات الزراعية والتكنولوجيا. 

لكن الاعتماد المتبادل الذي كان يوماً أساساً للعلاقة أصبح الآن نفسه مصدر قلق استراتيجي. وهنا تظهر المعادن النادرة.

الصين تمتلك موقعاً قوياً في إنتاج ومعالجة عدد من المعادن النادرة والمكونات المرتبطة بها، بينما تحتاج إليها الصناعات الأميركية في السيارات والطاقة والدفاع والتكنولوجيا. 

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أدوات ضغط في التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال والوصول إلى بعض مكوّنات النظام التكنولوجي العالمي.

بمعنى آخر، لم تعد واشنطن وبيجين تتفاوضان على التجارة فقط؛ كل طرف يحاول معرفة حدود اعتماد الطرف الآخر عليه، وهذه هي طبيعة الصراع الجديد.

فإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع الضغط من خلال الرقائق والتكنولوجيا، فإن الصين تستطيع استخدام موقعها في سلاسل المعادن النادرة. 

وإذا كانت واشنطن قادرة على التأثير في حركة رأس المال، فإن بيجين تستطيع التأثير في سلاسل التصنيع والإنتاج. وفي هذه البيئة يدخل الذكاء الاصطناعي باعتباره الملف الأخطر.

المفاوضات الحالية تبحث حتى في إمكانية وضع آليات للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت تتنافس فيه الصين والولايات المتحدة على التفوق في هذه التكنولوجيا.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث إذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية اتخاذ القرار الأمني والعسكري لدى القوى الكبرى؟

هذه ليست فرضية بعيدة تماماً. فقد أفادت تقارير إعلامية بأن معلومات استخبارية جرى إنتاجها بمساعدة الذكاء الاصطناعي كادت تؤدي إلى عملية أميركية لاعتراض سفينة صينية في الشرق الأوسط خلال الحرب مع إيران، قبل أن يتبيّن وجود خطأ في المعلومات. 

في زمن الحرب الباردة كان الخوف من سوء تقدير بشري يقود إلى الحرب. أما اليوم، فإن الخوف يمكن أن يكون من معلومة خاطئة تنتجها آلة، ثم يصدقها الإنسان ويتصرف على أساسها.

لهذا، فإن الحوار الأميركي- الصيني حول الذكاء الاصطناعي قد يكون أهم من بعض الأرقام التي ستصدر عن الرسوم الجمركية.

من التجارة إلى هرمز... القمة التي تتجاوز واشنطن وبيجين

هناك ملف آخر سيحضر في خلفية لقاء شي وترامب، حتى لو لم يكن هو العنوان الرئيسي: الشرق الأوسط.

فالحرب مع إيران وأزمة مضيق هرمز وأمن البحر الأحمر جعلت الطاقة والممرات البحرية جزءاً من الحسابات الصينية- الأميركية.

 الصين ليست دولة بعيدة عن هذه التطورات؛ فهي أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم، وتعتمد بدرجة كبيرة على استقرار طرق التجارة البحرية. ولهذا، فإن ما يحدث في هرمز وباب المندب لا يمكن أن يبقى بالنسبة إلى بيجين مجرد أزمة إقليمية.

الصين تملك مصالح مباشرة في استمرار تدفق الطاقة وحركة التجارة. وقد ظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات إلى أن بيجين تحاول استخدام علاقاتها مع أطراف إقليمية مختلفة للمساعدة في احتواء بعض تداعيات الأزمة، بما في ذلك اتصالات مرتبطة بأمن البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، تريد واشنطن من الصين استخدام نفوذها لدى إيران، بينما تبدو بيجين حذرة في تحويل علاقاتها مع طهران إلى أداة للضغط الأميركي عليها.

الصين لا تريد حرباً جديدة في الخليج لأنها تهدد الطاقة والتجارة، والولايات المتحدة لا تريد أن تتحوّل الصين إلى لاعب يملك نفوذاً متزايداً في منطقة كانت واشنطن تعدّها لعقود مجالاً أساسياً لنفوذها.

فالولايات المتحدة والصين لا تتنافسان فقط داخل المحيط الهادئ. التنافس يمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى، وإلى المؤسسات المالية، وإلى التكنولوجيا، وإلى الموانئ والممرات البحرية.

حتى النظام المالي أصبح جزءاً من هذه المنافسة. وفي هذا السياق، أعادت قضية منصة mBridge طرح السؤال حول مستقبل المدفوعات الدولية. 

السعودية قالت إن مشاركتها في المنصة الصينية انتهت بعد استكمال إثبات المفهوم في أيار/مايو 2025، بعدما كانت قد انضمت إليها كمراقب ثم كمشارك. لكن الإعلان عن عدم استمرار المشاركة ظهر الآن في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مستقبل أنظمة الدفع العابرة للحدود.

المسألة هنا ليست أن السعودية اختارت الصين أو اختارت الولايات المتحدة. هذا تبسيط لا يعكس طبيعة النظام الدولي الجديد.

المسألة أن الدول باتت تحاول توسيع خياراتها المالية والتكنولوجية في عالم لم يعد فيه الاقتصاد منفصلاً عن السياسة.

الصين والولايات المتحدة لن تنتهيا من خلافاتهما في قمة واحدة، ولن تتحوّل المنافسة بينهما إلى تعاون شامل. لكنهما أمام مشكلة مشتركة: إذا لم توضع حدود للمنافسة، فقد تنتقل من التجارة إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى الأمن، ومن الأمن إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

لهذا، فإن أهمية القمة لا تقاس فقط بما إذا كان الطرفان سيخفضان الرسوم أو يستأنفان شراء الغاز الأميركي، الأهم هو ما إذا كانا سيتمكنان من بناء قواعد لإدارة الخلاف. وهنا تعود المقارنة بين نيويورك وواشنطن إلى الواجهة. 

في نيويورك، يجتمع العالم للحديث عن النظام الدولي وقواعده ومؤسساته وأزماته. وفي واشنطن، يجتمع شي وترامب للتعامل مع واحدة من الحقائق الأساسية لهذا النظام: أن مستقبل الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن العالمي لن يُحسم من خلال مؤسسة واحدة، ولا من خلال قوة واحدة.

الأمم المتحدة تبقى الإطار الدولي الأوسع، لكن العلاقات بين القوى الكبرى هي التي تحدد في كثير من الأحيان مساحة الحركة داخل هذا الإطار.

ولهذا، فإن ذهاب شي إلى البيت الأبيض في هذا التوقيت يجب أن لا يُقرأ باعتباره ابتعاداً عن الأمم المتحدة، بل باعتباره اعترافاً بحقيقة سياسية واضحة: "إذا كانت الصين والولايات المتحدة لا تستطيعان إدارة التنافس بينهما، فإن بقية العالم سيدفع ثمن ذلك".

المسألة إذاً ليست في مكان انعقاد اللقاء. المسألة في ما إذا كان الطرفان سيخرجان منه وقد حددا قواعد جديدة للمنافسة، أم سيتركان العالم أمام سباق مفتوح في التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن، وهذا هو الاختبار الحقيقي لقمة واشنطن.