الخيار النووي السعودي: بين رهانات التحالف الأميركي ومخاطر سباق التسلح الإقليمي
السعودية تقف أمام مفترق استراتيجي بين استمرار الارتهان للضمانات الأميركية وخيار الانفتاح على المحور الأوراسي وبناء نظام إقليمي، فيما يعكس مشروعها النووي أزمة أعمق تتعلق بالأمن والهوية والسيادة.
-
الخيار النووي السعودي: بين رهانات التحالف الأميركي ومخاطر سباق التسلح الإقليمي
ألقى الصراع المتصاعد في منطقة غرب آسيا، منذ لحظة انفجاره بعملية “طوفان الأقصى” عام 2023، بظلاله الثقيلة على القرار السياسي السعودي. فالرياض أدركت أن توازن القوى الذي كانت تراهن عليه في سياسات التحوط شديدة الحذر في أخطر منطقة في العالم، والذي كان يؤمّن لها شيئاً من الاستقرار والقيام بدور إقليمي عبر استخدامها القدرات المالية الضخمة بفعل الوفرة النفطية، قد لا يؤمّن لها الاستمرار والاستقرار. وهي اليوم أمام قوتين إقليميتين متناقضتين كلياً، إيران و“إسرائيل”، بالإضافة إلى قوة إقليمية ثالثة برزت خلال الحرب الإقليمية الدولية في سوريا وبعدها، وهي تركيا، التي ظهرت كلاعب إقليمي كبير في مواجهة التهديدات التوسعية لـ“إسرائيل الكبرى”.
كانت الرياض تتابع التحولات الدولية وبروز قوى دولية عظمى كالصين، وإلى حد ما روسيا، فسعت إلى تحقيق أمنها واستقرارها استناداً إلى احتياج الصين لقدراتها المالية، بوصفها أكبر مستهلك في غرب آسيا، ما جعلها تعتقد أن الاحتياج الصيني سيشكّل لها مظلة حماية على المستوى الإقليمي في أي مواجهة عسكرية. لكنها لم تحسم خياراتها الجيوسياسية، واستمرت في الرهان على القدرات الأميركية الهائلة، الأمر الذي أفرغ لقاءها مع إيران في بكين، في 10 آذار/مارس 2023، من محتواه، معتمدة على يقين بأن القرار الأميركي-“الإسرائيلي” سينجح في تحييد ما تعتبره خصماً تاريخياً، إيران، إلى الأبد.
المؤشرات الداخلية: عوامل القلق تحت السطح
رغم إمساك ولي العهد محمد بن سلمان بزمام الأمور في المفاصل الأمنية، فإن هناك ما يغلي تحت السطح. فعلى مستوى العائلة المالكة، لم تعد موحدة ومنسجمة في قرار سياسي، بعد القيام بحملتين لاحتجاز أفراد من العائلة تحت عنوان الفساد في فندق ريتز كارلتون، الأولى عام 2017، والثانية عام 2020، وحرمانهم من المكاسب الكبيرة التي أُسقطت عنهم. كما أن الواقع القبلي شديد التعدد والتعقيد ما زال يحكم التوجهات السياسية والاقتصادية، فهناك عشرات القبائل التي تعتبر نفسها متضررة.
يمكن لهذه المؤشرات أن تعلن عن نفسها عند أي اهتزاز إقليمي أو دولي، وخاصة المأساة اليمنية التي لم تكن حسابات الرياض دقيقة عندما دخلت الحرب على أنصار الله. فإذا باليمن يتحول إلى أكبر تهديد إقليمي للمملكة ككيان موحد، وقد يكون لتأثيره عليها دور في إطلاق آليات الصراع الداخلي التي قد تصل إلى مرحلة التفكك الداخلي.
الخيار النووي: بين الحلم الأميركي والبدائل الأكثر واقعية
من هنا يأتي الخيار النووي، الذي لم يقم على حسابات جيوسياسية دقيقة بقدر ما كان استمراراً للرهان على الولايات المتحدة كضامن لاستمرار السعودية. فالذهاب نحو الولايات المتحدة لبناء محطة نووية مدنية لم يكن سوى تأكيد على استمرار هذا الرهان، مع العلم أن الولايات المتحدة لم تبنِ خلال الثلاثين عاماً الماضية سوى وحدتي طاقة نووية في محطة واحدة في ولاية جورجيا، واستغرقت الوحدتان مدى زمنياً بلغ 30 عاماً حتى تم تدشينهما، بينما بنت روسيا أكثر من 60 محطة، والصين أكثر من ذلك، وهي قادرة على بناء المحطة خلال خمس سنوات.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وخلال زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، وقّعت المملكة والولايات المتحدة اتفاقيات في مجال الطاقة النووية. وجاء هذا بعد توقيع مذكرة تفاهم شاملة في نيسان/أبريل 2025 بين وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. وبحلول تموز/يوليو 2026، كشفت مصادر مطلعة أن إدارة ترامب وافقت مبدئياً على السماح للمملكة العربية السعودية بتخصيب اليورانيوم، وذلك من دون تفعيل الضمانات الدولية الرامية إلى منع تطوير الأسلحة النووية.
لكن المفارقة أن الاتفاق المقترح لا يتضمن “المعيار الذهبي” الذي يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكن من خلالهما إنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة النووية. كما أن ترامب يشترط انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام مع “إسرائيل” للموافقة على الاتفاق النووي. هذا الشرط يعيد إنتاج المعضلة نفسها، فالرياض مطالبة بدفع ثمن سياسي باهظ، هو التطبيع مع “إسرائيل”، مقابل الحصول على قدرات نووية تخضع في النهاية للرقابة الأميركية.
دروس التاريخ: عندما يتحول المدني إلى عسكري
التاريخ يزخر بأمثلة على برامج نووية مدنية تحولت إلى عسكرية. فالهند استخدمت مفاعلاتها المدنية لإنتاج البلوتونيوم لاختبار “بوذا المبتسم” عام 1974. وباكستان، التي كانت تتعاون مع الغرب في المجال النووي المدني، حولت معرفتها إلى صناعة القنبلة بحلول عام 1998. وكوريا الشمالية انسحبت من معاهدة عدم الانتشار وطورت أسلحتها النووية رغم كل الضمانات الدولية.
هذه الدروس التاريخية تفرض على الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية النظر بعين الشك إلى أي برنامج نووي في منطقة مضطربة مثل غرب آسيا. والأشد اعتراضاً عليه هي “إسرائيل”، التي لا يمكنها أن تقبل بدخول أي دولة من دول غرب آسيا إلى النادي النووي، ولو تحت عنوان الاستخدام المدني. لكن السعودية، من جانبها، تنظر إلى هذه الأمثلة من زاوية مختلفة، فالهند وباكستان امتلكتا السلاح النووي من دون أن تتعرضا لغزو أو تفكيك، وكذلك كوريا الشمالية المعادية للغرب، بينما الدول التي تخلت عن طموحاتها النووية، مثل العراق وليبيا، واجهت مصيراً مختلفاً. هذا الدرس لم يغب عن بال الرياض.
طائرات F-35: رمز التبعية الأميركية
يتزامن المسار النووي مع مسار آخر لا يقل أهمية، هو صفقة طائرات F-35. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن ترامب تصنيف السعودية حليفاً رئيسياً خارج الناتو، مع صفقة دفاعية ضخمة تشمل طائرات F-35. لكن التفاصيل تكشف القيود المفروضة على الرياض. فوفقاً للقانون الأميركي، ستكون طائرات F-35 التي ستشتريها السعودية أقل تقدماً مما تحصل عليه “إسرائيل”، لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي.
تحتفظ “إسرائيل” بصلاحيات فريدة تمكّنها من تعديل طائراتها F-35، وتضمينها أسلحة محلية وأنظمة تشويش راداري متطورة، كل ذلك من دون حاجة إلى موافقة مسبقة من واشنطن. أما السعودية، فستكون محدودة في قدرتها على تحديث الطائرات أو دمج أنظمة جديدة من دون موافقة أميركية. هذه الفجوة في القدرات ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضاً، فالسعودية تشتري أسلحة لا تمتلك السيادة الكاملة عليها، ما يجعلها أداة بيد واشنطن وتل أبيب، وهذا أكبر مؤشر على عدم قدرتها على استخدام مشروعها النووي لصالحها إذا ما تعارض مع ما تعتبره “إسرائيل” تهديداً لها.
الرهانات البديلة: المحور الأوراسي والنظام الإقليمي
يشي الواقع العام للسعودية بأنها تحتاج إلى تحديد هويتها السياسية وتموضعها الجيوسياسي. فهي تستطيع أن تنزاح بسرعة أكبر نحو المحور الأوراسي، الذي ترتكز عليه الآن الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. كما يمكنها أن تتلافى التهديدات الإقليمية عالية المستوى بمسار أكثر واقعية، هو الانخراط والعمل على نظام إقليمي جامع بعيداً عن التطبيع.
السعودية اليوم أمام ثلاثة مشاريع إقليمية تحمل تهديدات عميقة لها. فهناك المشروع الإيراني والمشروع التركي، حتى الآن، في مواجهة المشروع الثالث “الإسرائيلي”. وهناك المشروع الرابع المصري الذي يحتاج إليه الجميع للعودة إلى الدور الإقليمي. والمطلوب بناء ثلاثة مرتكزات أساسية، بالحد الأدنى، في غرب آسيا، تحقق التوازن والاستقرار، بعيداً عن “إسرائيل” والإبراهيمية، ومن المدخل اليمني الذي ينبغي أن يخرج من أزمته بالخروج من الحصار والاتجاه نحو التوحد.
الخلاصة: السعودية بين مطرقة الأمن وسندان الهوية
الخيار النووي السعودي ليس مجرد خيار تقني، بل هو مرآة تعكس أزمة هوية واستراتيجية أعمق. فالرياض تريد أن تكون قوة إقليمية كبرى، لكنها تريد أيضاً الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن. تريد امتلاك قدرات نووية، لكنها تريد أيضاً ألا تفقد ثقة ما يسمى المجتمع الدولي. تريد مواجهة التهديد الإيراني، لكنها تريد أيضاً ألا تنزلق إلى حرب إقليمية كبرى تكون فيها الأضعف، إذ إن 70% من مصادر المياه مصدرها محطات تحلية مياه البحر، وهذه وحدها كفيلة بانهيارها إذا ما أُخرجت من الخدمة في أي صراع عسكري صفري.
الاختبار الحقيقي للسعودية سيكون في قدرتها على تحويل هذا المشروع النووي المدني إلى أداة للتنمية والاستقرار، وإلى قيمة مضافة للقوى الإقليمية الساعية إلى إنهاء المشروع الصهيوني، لا إلى مصدر جديد للتوتر والصراع. وهذا يتطلب انزياحاً واضحاً نحو المسار التاريخي الطبيعي للمشرق الكبير، وتعاوناً إقليمياً حقيقياً، وإرادة سياسية لتجاوز منطق “اللعبة الصفرية” الذي يهيمن على المنطقة.
فالسعودية، التي تمتلك ثقلها الديني والاقتصادي والسياسي، يمكنها أن تساهم في تغيير مسار منطقة غرب آسيا إذا ما قدرت على تغيير رؤيتها السياسية لذاتها وللمنطقة. لكن هذا الطريق يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، وحكمة في إدارة التحالفات، ورؤية بعيدة المدى تتجاوز المخاوف الآنية.
أسئلة مفتوحة في زمن الغموض
· ما البديل السعودي إذا فشلت المفاوضات مع واشنطن أو تعثرت؟ هل ستتجه الرياض نحو الصين أو روسيا لبناء برنامجها النووي، أم ستكتفي بالخيارات التقليدية في مواجهة التهديدات؟
· كيف سينعكس الموقف السعودي من الخيار النووي على علاقتها مع إيران وتركيا ومصر؟ وهل سيكون عاملاً دافعاً نحو التكامل الإقليمي أم نحو مزيد من التنافس والصراع؟
والسؤال الأهم: هل تدرك القيادة السعودية أن استقرار المملكة واستمرارها ككيان موحد لا يتحققان بالقوة النووية وحدها، بل بالاستقرار الداخلي، والعدالة الاجتماعية، وإدارة التنوع القبلي، وحل الأزمات الإقليمية كالأزمة اليمنية، والتعاون مع الجيران على أساس المصالح المشتركة؟
· في ظل بروز المحور الأوراسي وتراجع الهيمنة الأميركية، هل ستختار السعودية التحول نحو هذا المحور الجديد، أم ستظل متمسكة بتحالفها التقليدي مع واشنطن رغم تكاليفه الباهظة؟
الأيام والأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار السعودية والخيارات المصيرية التي ستتخذها. فالخيار النووي ليس مجرد قرار تقني، بل هو قرار مصيري سيحدد مكانة السعودية في النظام الإقليمي والدولي الجديد.