الحضارة في مواجهة الغطرسة.. من فائض التهديد إلى انكشاف المأزق الصهيوأميركي (2-2)

من يهدّد اليوم بإعادة الآخرين إلى "العصر الحجري" قد لا يكون كاشفاً عن فائض قدرة، بقدر ما يكون معلناً، من حيث لا يدري، عن ارتجاف عميق في أعصاب الإمبراطورية نفسها.

0:00
  • القوة التي لا ترى إلا ما يمكن قصفه.
    القوة التي لا ترى إلا ما يمكن قصفه.

كلما ارتفعت نبرة التهديد الأميركي، ازداد انكشاف الفراغ الكامن خلفها. فالدول الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى لغة "العصر الحجري"، ولا إلى هذا القدر من الصراخ كي تخفي غموض أهدافها وعجزها عن تحويل النار إلى سياسة.

إذا كان الجزء الأول قد واجه التهديد الأميركي من زاوية الجهل بالحضارة والتاريخ، فإنّ الجزء الثاني يذهب إلى موضع الجرح مباشرة: ماذا تقول هذه اللغة عن أميركا نفسها؟ فالمسألة لم تعد متصلة بإيران وحدها، ولا بحدود التصعيد العسكري فحسب، بل بطبيعة القوة التي تتكلّم بهذا القدر من الفظاظة، وبالخلل الذي يصيب الإمبراطوريات حين تفقد القدرة على التمييز بين الردع والعصاب، بين السياسة والانفعال، بين الدولة والنزوة.

للاطلاع على الجزء الأول من المقال: اضغط هنا

حين تفقد القوة لغتها

الدول الواثقة من نفسها لا تتكلّم هكذا. فالقوى الكبرى، حين تكون ممسكة فعلاً بأعصابها وبأهدافها، لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها إلى هذا الحدّ، ولا إلى أن تستبدل لغة المؤسسات بلغة الإذلال الحضاري. هي تعرف ما تريده، وتحدّد ما تستطيع فعله، وترسم خط النهاية قبل أن تتحدّث عن كلفة الطريق. أما حين يتحوّل الخطاب إلى مزيج من الوعيد المفتوح، والتفاخر العصبي، والتهديد بتدمير الخصم لا عسكرياً فقط بل رمزياً وحضارياً، فذلك لا يكشف ثقةً بالقوة، بل قلقاً عليها.

هنا لا تتكلّم الإمبراطورية من ذروة الطمأنينة، بل من ضيق في الأفق، ومن ارتباك في الحساب، ومن حاجة دائمة إلى تعويض غموض الرؤية بفظاظة العبارة. ولذلك لا يبدو هذا التصعيد اللفظي دليلاً على فائض قدرة، بقدر ما يبدو محاولة يائسة لإخفاء تصدّعٍ في اليقين السياسي نفسه.

غموض الهدف... وضجيج التهديد

أخطر ما في الخطاب الترامبي ليس عنفه اللفظي وحده، بل فراغه الاستراتيجي. فالرجل يقول إنّ "المهمّة الأساسية" تكاد تكتمل، لكنه لا يعرّف المهمة. يتحدّث عن الحسم، ثم يفتح أبواب التصعيد. يلوّح بالنهاية، ثم يمدّ الحرب بسلالم جديدة. وهذا التناقض لا يصدر عادة عن قوة حسمت أمرها، بل عن قوة تحاول أن تستر ارتباكها بتضخيم قاموسها التهديدي.

ولهذا لا يبدو التهديد بإعادة إيران إلى "العصر الحجري" تعبيراً عن وضوح في الرؤية، بل عن ارتباك يحتاج دائماً إلى لغة أعلى، وضجيج أكبر، وإهانات أفدح، كي يغطي خواءه الاستراتيجي. فكلما غاب التعريف السياسي الدقيق للنصر، ارتفع منسوب الصخب الذي يحاول أن يوحي بوجوده.

حين تتكلّم الإمبراطورية بأعصابها

في هذه اللحظة، لا يعود السؤال متعلّقاً بشخص الرئيس وحده، رغم أنّ شخصيته جزء من المشهد، بل بالبنية التي تسمح لمزاج الفرد أن يجرّ صورة الدولة معه إلى هذا المستوى من الانفعال. هنا لا يبدو ترامب مجرّد رئيس مبالغ أو نزق، بل يبدو عرضاً مكثّفاً لمرض أعمق: تضخّم الدعاية، وتآكل المسافة بين القرار والاستعراض، واختلاط صورة القوة بمعناها.

فالولايات المتحدة لا تزال تملك السلاح، والقواعد، والأساطيل، والقدرة على الإيذاء. لكنّ امتلاك أدوات البطش ليس هو نفسه امتلاك القدرة على تحويلها إلى سياسة ناجزة، أو إلى رؤية متماسكة، أو إلى نهاية مفهومة. فالإمبراطوريات لا تبدأ بالأفول فقط حين تُهزم على الجبهات، بل تبدأ به أيضاً حين يصبح خطابها أكبر من رؤيتها، وصورتها أعلى من معناها، وضجيجها أكثر كثافة من يقينها.

الهيبة التي تنقلب إلى هشاشة

والمفارقة أنّ هذا النوع من الخطاب، الذي يُفترض أنه يصنع الهيبة، قد ينتهي إلى تعرية الهشاشة. فالهيبة في السياسة الدولية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على التدمير، بل بقدرتها على التحكّم في إيقاع قوتها، وعلى جعل خصومها وحلفائها يعتقدون أنها تعرف ماذا تفعل ولماذا ومتى تتوقّف.

أما حين يتحوّل رأس القوة الأعظم إلى مصدر دائم للرسائل المتناقضة، بين حديث عن إنجاز المهمة وحديث عن توسيع بنك الأهداف، بين الإيحاء بوجود مخرج وتجديد التهديدات على نحو مفتوح، فإنّ صورة الدولة نفسها تبدأ في التصدّع. وما يبدو، في الظاهر، استعراضاً للقوة، قد يكون، في العمق، دليلاً على اهتزاز الثقة بالنفس، وعلى الحاجة الدائمة إلى رفع النبرة لتعويض ما ينقص في اليقين.

القوة التي لا ترى إلا ما يمكن قصفه

ثم تظهر المعضلة الأعمق: أنّ الخطاب الأميركي الراهن لا يكشف فقط عن ارتباك في إدارة الحرب، بل عن فقر في تصوّر العالم نفسه. فحين تختزل أمة بتاريخ إيران، وإسهامها الحضاري، وثقلها الجيوسياسي، إلى هدف ينبغي "إرجاعه" إلى ما قبل الحضارة، فأنت لا تكشف قسوة فقط، بل تكشف عجزاً عن فهم الفرق بين الخصم والفراغ.

هذه ذهنية لا ترى في العالم إلا ما يمكن قصفه أو كسره أو ابتزازه. وهي ذهنية خطرة، لا على إيران وحدها، بل على النظام الدولي كلّه؛ لأنها تعني أنّ القوة، حين تفقد ضوابطها السياسية والأخلاقية، تتحوّل من أداة في خدمة التوازن إلى ماكينة لإنتاج الفوضى، ومن عنصر ردع إلى مصنع هلع عالمي يهدّد الإقليم والعالم معاً.

أميركا أمام مرآتها القاسية

في هذا المعنى، لا يكشف خطاب ترامب حقيقة إيران بقدر ما يكشف حقيقة اللحظة الأميركية نفسها. فنحن أمام قوة لا تزال قادرة على الضرب، لكنها أقلّ قدرة على إقناع العالم بأنها تعرف إلى أين تمضي. وأمام رئيس يخلط بين لغة الحملات الانتخابية ولغة إدارة الحروب، بين المبالغة الإعلامية وتعريف المصالح، بين التلويح بالقوة وصناعة السياسة.

وهذه ليست مجرّد سمات شخصية منفّرة، بل أعراض سياسية خطيرة حين تصدر عن رأس أكبر قوة في العالم. فمن يهدّد بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء، ويتكلّم في الوقت نفسه عن اقتراب الإنجاز، لا يبدو قائداً يضبط مسار الحرب، بل رجلاً يطارد صورة النصر فيما تتآكل حوله شروطها السياسية والأخلاقية.

حدود العدوان... وحدود القوة

ولهذا فإنّ ما يجري اليوم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه عدواناً على إيران ولبنان فقط، بل أيضاً بوصفه مشهداً كاشفاً لحدود القوة الصهيوأميركية نفسها. نعم، هي قوة قادرة على التدمير الواسع، وعلى توسيع بنك الأهداف، وعلى رفع منسوب النار إلى مستويات كارثية. لكنها حتى الآن لا تقدّم تعريفاً مقنعاً لليوم التالي، ولا لشكل المنطقة التي تريد إخضاعها، ولا للنظام الإقليمي الذي يمكن أن يخرج من هذا الحريق أكثر استقراراً.

وكلما ارتفعت نبرة التهديد، تزايد انكشاف هذا الفراغ. ومن هنا تنقلب المعادلة: لا يعود السؤال فقط كيف تهدّد الإمبراطورية غيرها، بل كيف تفضح لغتها المرتجفة حدودها هي، وتكشف أنّ فائض النار لا يعوّض نقص السياسة.

حين ترتجف الإمبراطورية

الخلاصة أنّ من يهدّد اليوم بإعادة الآخرين إلى "العصر الحجري" قد لا يكون كاشفاً عن فائض قدرة، بقدر ما يكون معلناً، من حيث لا يدري، عن ارتجاف عميق في أعصاب الإمبراطورية نفسها. فالطائرات قد تفرض النار، لكنها لا تمنح الحكمة. والتهديد قد يصنع ضجيجاً، لكنه لا يصنع تاريخاً.

أما الحضارات الحقيقية، فإنها تبقى، وتظلّ قادرة، حتى وهي تحت النار، على أن تفضح هشاشة القوة حين تنطق بلسان الغرور والهلع معاً.

الجزء الأول: الحضارة في مواجهة الغطرسة.. حين تتوعّد القوةُ العمياء أمةً من صُنّاع العقل الإنساني

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.