الحضارة في مواجهة الغطرسة.. حين تتوعّد القوةُ العمياء أمةً من صُنّاع العقل الإنساني (1 / 2)

إيران ليست مجرد دولة حديثة يمكن قراءتها في ضوء توازنات اللحظة فقط. إنها امتداد تاريخي يعود إلى آلاف السنين، من الإرث الأخميني الذي ارتبط باسم قورش الكبير، إلى التراكم الفارسي عبر العصور.

0:00
  • حضارة أقدم من خطاب الحرب.
    حضارة أقدم من خطاب الحرب.

ليست المشكلة في عبارة دونالد ترامب أنها فظة أو متغطرسة فقط، بل إنها عبارة جاهلة على نحو صادم. حين يهدد رئيس الولايات المتحدة بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، فهو لا يعبّر عن ثقة قوة تعرف نفسها، بل عن عجز عن فهم ما تعنيه الحضارات حين تتجاوز عمر الدول، وحين تصبح جزءًا من الوجدان الإنساني لا مجرد هدف على شاشة حرب.

وفي هذا تكمن المفارقة الفادحة: رجل يتكلم باسم أقوى دولة في العالم بلغة تدميرية بدائية، في مواجهة بلد لا تختصره خريطة عسكرية ولا نظام سياسي راهن، بل يمتد في الزمن بوصفه إحدى الكتل الحضارية الأقدم والأعمق في المنطقة.

حضارة أقدم من خطاب الحرب

فإيران، أو بلاد فارس في معناها الحضاري الأوسع، ليست مجرد دولة حديثة يمكن قراءتها في ضوء توازنات اللحظة فقط. إنها امتداد تاريخي يعود إلى آلاف السنين، من الإرث الأخميني الذي ارتبط باسم كورش الكبير، إلى التراكم الفارسي الذي عبر العصور القديمة والوسيطة والحديثة، وظل حاضرًا في التنظيم والرمز واللغة والثقافة.

ومن هنا، لا تبدو الإشارة إلى أسطوانة قورش مجرد عودة أثرية إلى الماضي، بل استدعاءً لمعنى أن ثمة شعوبًا لا تبدأ بتاريخها من نظامها الراهن، بل من عمق حضاري يسبق الدول المتعاقبة ويظل أبقى منها.

من قورش إلى اللغة الحية

غير أن الحضارة ليست حجارة وتماثيل وآثارًا محفوظة في المتاحف فقط، بل قدرة على البقاء في المعنى. وفارس القديمة لم تكن مجرد سلطة توسع، إنما فضاء حضاري ترك أثره في الإدارة والرمز والدلالة، ثم جاء الإسلام فلم يبتلع ذلك الإرث، بل أعاد صهره في دورة حضارية جديدة شاركت فيها الفارسية لا بوصفها بقايا ماضٍ منقرض، بل بوصفها لغة مشاركة في بناء عالم إسلامي جديد. ومن هنا، يصبح الحديث عن الأدب الفارسي، والفكر الفارسي، والروح الفارسية، حديثًا عن أحد الروافد الكبرى التي صبّت في نهر الحضارة الإسلامية، لا عن هامش يجاورها من بعيد.

حين يتجاور الشعر والعقل

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز أسماء بعينها، لا على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفها شواهد حية على عمق الإسهام الفارسي. فعمر الخيام، مثلًا، لا يُستدعى هنا كشاعر رباعيات فحسب، بل بوصفه صورة لحضارة لا تفصل بين الحس الجمالي والعقل العلمي؛ شاعرًا ورياضيًا وفلكيًا في آن.

وابن سينا لا يحضر باعتباره طبيبًا وفيلسوفًا كبيرًا فقط، بل باعتباره واحدًا من الجسور الكبرى التي عبرت عليها الفلسفة والطب من العالم الإسلامي إلى أوروبا. ثم يأتي جلال الدين الرومي، ليشير إلى أن الفارسية لم تكن مجرد لغة قومية، بل لغة حملت معنى روحيًا كونيًا، ووسّعت أفق التجربة الصوفية في الإسلام إلى أقصى مداه.

خراسان: مصنع العقل الإسلامي

لكن الصورة لا تكتمل بالأدب والفلسفة والروح وحدها. فحين نقترب أكثر من بنية العقل الإسلامي نفسه، نجد أن الإسهام الفارسي-الخراساني لم يكن إضافيًا أو ثانويًا، بل تأسيسيًا في غير باب من أبوابه الكبرى.

خراسان وما جاورها لم تكونا مجرد أقاليم طرفية في الدولة الإسلامية، بل تحوّلتا، منذ القرون الأولى، إلى مراكز هائلة لإنتاج العلم والمعرفة. بخارى ونيسابور وطوس ومرو وسمرقند لم تكن محطات على الهامش، بل كانت مراكز جذب للعلماء والرحالة وطلاب المعرفة، وأسهمت بقوة في تدوين السنة، وصوغ المذاهب، وتطوير الجدل الكلامي، وتوسيع آفاق الفلسفة والتصوف.

ولهذا، لم تكن ملاحظة ابن خلدون عن غلبة العجم على حمل العلم في الإسلام عبارة إنشائية أو مجاملة لفارس، بل تشخيصًا لبنية حضارية كاملة ازدهرت فيها البيئات الفارسية والخراسانية بوصفها أحد أكبر ينابيع المعرفة في الإسلام.

من البخاري إلى الغزالي

وفي مقدمة هذه السلسلة المعرفية يقف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الذي لم تقتصر أهميته على جمع الحديث، بل أسهم في تأسيس عقلية التمحيص والتوثيق التي أصبحت جزءًا أصيلًا من بنية المعرفة الإسلامية. ومعه لم يعد الحديث مجرد مرويات متناثرة، بل صار علمًا له شروط صارمة في السند، وقواعد في الجرح والتعديل، ووعي حاد بالفارق بين المقبول والمردود.

ثم يأتي الترمذي والنسائي وأبو داود، لا بوصفهم ملحقات باسم البخاري، بل بوصفهم أعمدة شاركت في بناء الخزانة السنية الكبرى، التي تشكلت منها تصورات واسعة عن السنة والفقه والاقتداء وضبط الاستدلال. ومن الحديث ننتقل إلى الفقه والكلام، حيث يظهر إمام الحرمين الجويني ثم أبو حامد الغزالي بوصفهما شاهدين آخرين على أن خراسان لم تكن هامشًا، بل أحد المختبرات الأساسية التي تشكلت فيها أدوات العقل السني النظري. والغزالي، على وجه الخصوص، ليس اسمًا في سجل العلماء فقط، بل لحظة مفصلية في التاريخ الفكري الإسلامي: فقيه ومتكلّم وصوفي وناقد للفلسفة في آن، أعاد ترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وبين الشريعة والروح، وبين ظاهر الدين ومقاصده الأخلاقية.

ثم يكتمل المشهد مع الفارابي وابن سينا من جهة، والرومي من جهة أخرى. فهنا لا نتحدث عن رواة ومحدثين فقط، بل عن عقول وسّعت أفق الإسلام إلى مناطق المنطق والبرهان وتأمل الوجود، ثم إلى الشعر والحدس والمحبة والوجدان. وبهذا المعنى، فإن العقل الإسلامي الذي أسهم الفرس في صوغه لم يكن عقلًا فقهيًا أو فلسفيًا محضًا، بل عقلًا مركبًا، يعرف كيف يبني الحجة، وكيف يدقق النص، وكيف يرمم الداخل الإنساني في الوقت نفسه.

ما الذي يريد العدوان محوه؟

لهذا، يكتسب كل هذا الاستدعاء أهميته الآن. فحين يهدد ترامب إيران بلغة "العصر الحجري"، فهو لا يهدد دولة معاصرة فحسب، بل يتكلم بجهل فادح عن بلد أسهم، عبر تاريخه الطويل، في بناء جزء معتبر من العقل الإسلامي الذي ما يزال حيًا في وجدان مئات الملايين من المسلمين. من قورش إلى الخيام، ومن ابن سينا إلى الرومي، ومن البخاري إلى الغزالي، نحن أمام إسهام لا يمكن شطبه من الذاكرة الإسلامية إلا بشطب جزء من الإسلام الحضاري نفسه.

ولهذا، فإن الدفاع عن حقيقة هذا الإسهام ليس انحيازًا قوميًّا ضيقًا، بل دفاعاً عن صدق التاريخ في مواجهة تبسيط وحشي لا يرى في الأمم إلا خرائط قصف وأهدافًا عسكرية. فالحضارات لا تُقرأ من فوهة المدفع، ولا تختصرها عبارة كراهية عابرة، حتى لو خرجت من فم رئيس أقوى دولة في العالم. ومن هنا، ينفتح الباب على السؤال الذي سيشكّل محور الجزء الثاني: ماذا يكشف هذا الخطاب المتوحش، بكل ما ينطوي عليه من فظاظة وتهديد حضاري، عن أزمة القوة الأميركية نفسها؟

 

للاطلاع على الجزء الثاني: اضغط هنا

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.