التواطؤ السعودي ليس الأول.. فلماذا لا يكون الأخير؟

ألا يرى آل سعود أن كل سياساتهم في اليمن تخدم الكيان الصهيوني الذي استغلّ التآمر السعودي على هذا البلد العربي فنقل منه كل ما تبقّى من اليهود إلى فلسطين؟

  • آل سعود وصلوا إلى نهاية النفق المظلم!
    آل سعود وصلوا إلى نهاية النفق المظلم!

ليست هي المرة الأولى التي يتآمر فيها آل سعود على شعب اليمن الأبيّ وأياً كان من يحكمه.  ومن دون العودة إلى التاريخ القديم ومنذ السنوات الأولى لسيطرة آل سعود على أجزاء من شبه الجزيرة العربية.

فالتاريخ القريب يذّكرنا بالعدوان السعودي الأول على اليمن عام 1934، وبعد عامين من الإعلان عن قيام المملكة العربية السعودية. واستمر هذا العدوان عامين ليكون العدوان الثاني عام 1969 (حرب الوديعة) ثم حرب جبل دخان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، وأخيراً ما يسمّى عاصفة الحزم التي بدأت في الـ 26 من مارس/آذار 2015 وما زالت مستمرة بأشكال مختلفة.

ومع أن "عاصفة الحزم" كانت قد بدأت بمشاركة كل الدول الخليجية باستثناء سلطنة عمان، وبدعم من مصر والأردن والمغرب والسودان، إلا أنها انتهت في النهاية بمواجهة سعودية - إماراتية وعلى حساب الشعب اليمني الأصيل.

وأما العدوان الأهم في تاريخ التآمر السعودي على شعب اليمن، فقد كان بعد ثورة عبد الله السلال في الـ 26 من أيلول/ سبتمبر 1962 حيث هرب الإمام البدر إلى السعودية، التي استنفرت كل إمكانياتها لإفشال الثورة التي حظيت بدعم الرئيس الراحل جمال  عبد الناصر.

وأراد بدوره أن يسترجع هيبته وسمعته بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة التي تآمر عليها آل سعود مع بريطانيا، التي كان عبد الناصر يسعى لطردها من جنوب اليمن وميناء عدن الاستراتيجي القريب من باب المندب.

ووقّع آل سعود فوراً على اتفاقية للدفاع المشترك مع الأردن، بعد أن لجأ العديد من الطيارين السعوديين إلى مصر بعد أن رفضوا قصف المواقع المصرية في اليمن. كما استنجد آل سعود ببريطانيا التي ساعدتهم، ومعها "تل أبيب"، في جمع حوالى 20 ألفاّ من المرتزقة الأجانب وخاصة الأوروبيين.

وقام الكيان العبري بإنشاء جسر جوي سري من جيبوتي والصومال إلى اليمن، لنقل المعدات والأسلحة ومراقبة التحركات المصرية في البحر الأحمر. واستغلّت باكستان بدورها هذه الحرب فأرسلت مستشاريها وقامت ببيع كميات كبيرة من الأسلحة، واعتبرت ذلك فرصة للربح من أموال آل سعود.

واستغلّ الشاه رضا بهلوي بدوره هذه الحرب، ليس فقط بحجة أن الإمام البدر كان من المذهب الشيعي الزيدي، بل لأنه كان على تحالف وطيد مع آل سعود والكيان الصهيوني وبريطانيا وأميركا.

ولعب هذا التحالف دوراً مهماً في إطالة أمد الحرب وإضعاف الجيش المصري عشية حرب 5 يونيو/ حزيران 1967، حيث كان آل سعود قبل وبعد هذه الحرب ضد التيار القومي العربي والإسلامي المناهض للصهيونية العالمية والإمبريالية العالمية، والتي كانت مدعومة آنذاك من الاتحاد السوفياتي.

وتعهد آل سعود بمحاربته بسلاح الدين والمذهب الوهابي والبترول، فدعموا كل حركات الإسلام السياسي المعتدل منه والمسلّح، بدءاً من القاعدة وطالبان ومروراً  بعشرات المجموعات الإرهابية المسلّحة، وانتهاءً بداعش  والنصرة ومثيلاتها، التي دمرت الدول العربية خلال ما يسمّى الربيع العربي، وبالمال السعودي والخليجي. وحجة آل سعود  في ذلك بسيطة، ألا وهي محاربة العلويين ومن يدعمهم من الشيعة في لبنان والعراق واليمن و إيران، ناسين أن الشاه أيضاً كان شيعياً، حاله حال الإمام البدر، الذي تحالف مع آل سعود والمستعمر الصليبي والصهيوني، وهو حال الرئيس الأذربيجاني الحالي إلهان عالييف صديق المجرم نتنياهو.

فالقضية ليست  قضية سني أو شيعي أو عربي وتركي وفارسي وكردي، أو مسلم ومسيحي أو أزيدي ودرزي  وغيره، بل هي قضية تواطؤ وعمالة وخيانة جينية، كانت وما زالت السبب الرئيسي في معاداة الشعب اليمني بكل قبائله وأطيافه ومكوناته الأصيلة.

وهو ما عشناه ونعيشه الآن في ما يسمّى حرب اليمن التي تشهد أغرب التناقضات الخليجية أولاً ثم العربية والإسلامية . فالجميع يعرف أن الإمارات وقطر سعيدتان بهزيمة آل سعود في اليمن، في الوقت الذي تسعى فيه الرياض لجرّ مصر إلى مغامراتها الخطيرة ضد الشعب اليمني، وهي التي حاربتها في حرب اليمن الكبري للفترة 1962-1968. كما تسعى الرياض للاستنجاد بواشنطن التي تتمنى لآل سعود أن يجلسوا في الحضن الإسرائيلي، بعد أن فشلوا في جرّ تركيا إلى مستنقع اليمن، وللأتراك فيه الكثير من الذكريات الأليمة من العهد العثماني، والتي ما زالوا يتذكرونها في أغنياتهم الحزينة. 

والسؤال بسيط جداً: ماذا يريد آل سعود من اليمن وشعبه، ونحو مليونين منهم يعيشون جنباً إلى جنب مع أشقائهم السعوديين؟ ألا يرى آل سعود أن كل سياساتهم في اليمن تخدم الكيان الصهيوني الذي استغلّ التآمر السعودي على هذا البلد العربي فنقل منه كل ما تبقى من اليهود إلى فلسطين؟

لماذا لا يفكر آل سعود ولو لمرة واحدة  بإقامة علاقات حُسن جوار وصداقة وأخوّة مع شعب اليمن، ليكون باب المندب وكل السواحل المطلّة على البحر الأحمر في اليمن والسعودية ومصر والسودان في خدمة القضايا العربية والإسلامية وفي مقدمتها فلسطين؟ لماذا  لا يتخلى آل سعود ولو لمرة واحدة عن نهجهم العدائي التقليدي لدول وشعوب المنطقة، وأياً كان السبب وهم يرون أن هذا النهج لا يخدم سوى أجندات الكيان العبري، وهو ما أثبتته السنوات الأخيرة في فلسطين وسوريا ولبنان و أخيراً إيران.

ألا يرى آل سعود ولو لمرة واحدة أن إيران ومنذ ثورتها الإسلامية  لا تعادي أحداً في المنطقة، بل إن كل ما قامت وتقوم به كان وما زال وسيبقى لمواجهة المشاريع والمخططات الإمبريالية والصهيونية التي تستهدف دول وشعوب المنطقة، ومن دون التفريق بين سني وشيعي وعلوي ودرزي ومسيحي ومسلم وكردي وتركي وعربي وفارسي، بل وحتى أفغاني وباكستاني، وهو ما أثبتته كل  تجارب المنطقة خلال السنوات الخمسين الماضية. 

ألا يتذكر آل سعود كيف أنهم  تحالفوا في يونيو/ حزيران 2017 مع آل نهيان وآل خليفة والسيسي ضد آل ثاني الذين استنجدوا بإردوغان، فأرسل جيشه لحمايتهم، وهم جميعاً في حماية القواعد الأميركية التي يستخدمها الكيان الصهيوني في السر والعلن.

ألا يرى آل سعود أن عداءهم لسوريا تحت حكم الأسد لم يخدم إلا المشروع الصهيوني الذي حقق الكثير من أهدافه في فلسطين وسوريا ولبنان بعد سقوط الأسد، الذي تآمر عليه القاصي والداني، وكلهم في "الهوا سوا" مع الرئيس ترامب، الذي اعترف أكثر من مرة أنه والرئيس إردوغان قد جاءا بأبو محمد الجولاني ليحكم سوريا، التي يصول ويجول المجرم نتنياهو في جنوبها، وأمام أنظار حكّام دمشق الجدد وحلفائهم العرب والمسلمين ومنهم آل سعود.

وفي نهاية المطاف، بات واضحاً أن آل سعود قد وصلوا إلى نهاية النفق المظلم الذي إن اصطدموا به فلا نجاة لهم من الفناء المطلق، الذي إن تحقق فالمنطقة ستدخل مرحلة جديدة من العلاقات الأخوية بين جميع دولها وشعوبها، بعيداً عن التدخلات الصهيو-أميركية التي اعتمدت دائماً على أزلامها، وهم السبب في كل المشاكل التي نعاني منها جميعاً منذ أكثر من مئة عام على الأقل .

ويبقى القرار لآل سعود الذين  إن أرادوا  التخلص من العبودية التي هم فيها بعد أن أهانهم الرئيس ترامب أكثر من مرة وأمام الملأ، فالطريق إلى ذلك ليس صعباً أبداً، شريطة أن يمر هذا الطريق عبر الصداقة الكريمة والشريفة مع الجارة إيران.

وقد أثبتت أكثر من مرة أنها لا تريد أي ضرر للسعودية ولكل دول المنطقة، وعلى الرغم من معاداة هذه الدول لها بحجج تافهة سوّقها الكيان العبري.

كما أثبتت إيران دائماً وللجميع، وخلال تصدّيها للعدوان الأخير، أن التحالف الصهيو-أميركي لا يعاديها سوى لأنها تدافع عن كرامتها وكرامة وشرف كل شعوب المنطقة، وفي مقدمتها  فلسطين، والعداء لها أو التحالف معها هو المعيار الوحيد والحقيقي لأي موقف عربي أو إسلامي أو دولي.

وقد آن الأوان للجميع، وفي مقدمتهم آل سعود، كي يُثبتوا كم هم ملتزمون بهذا المعيار، وضحّت إيران من أجله أكثر من كل الدول الغربية والإسلامية، التي لو رفعت شعار أنصار الله في اليمن لما كنّا اليوم نتحدث عما نتحدث عنه من العداءات والحروب، التي لا ولن تنتهي إلا بالحوار والتنسيق والتعاون والتلاقي الصادق بين السعودية "السنية" وإيران "الشيعية" التي أثبتت أنها لا تريد سوى الخير للجميع.

وبهذا التلاقي الذي سيقرر مصيره آل سعود وتنتظره إيران بفارغ الصبر، سيتحقق  الأمن والسلام والاستقرار  في هذه الجغرافيا المقدسة، على أن تكون الخطوة التالية هي التخلص من دويلة  "إسرائيل"، والعداء لها هو سر صمود وانتصار أنصار الله في اليمن العظيم.