رهان السيادة العراقية في الأمن والاقتصاد.. فراغ لن يُبقى فارغاً

انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، الذي تشاهدونه على الشاشات ليس نهاية القصة، ومن يظن ذلك لم يُدرك أنّ الحقيقة في أول سطر منها.

  • انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق ليس نهاية القصة.
    انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق ليس نهاية القصة.

أحذّر في السطر الأول، من قراءة سطحية لحدث الانسحاب الأميركي المرتقب من العراق في نهاية أيلول/ سبتمبر الجاري بوصفه نهاية فصل أو بداية آخر، بمعزل عمّا سبق وما يليه، فهو يندرج ضمن حرب الاستنزاف الهيكلي التي يشهدها الشرق الأوسط.

فلا داعي للّف والدوران من أيتام المشروع الصهيوأميركي في العراق: هذا انسحاب لا يشبه سابقه في 2011، ولا ينفع فيه استحضار مقارنات قيلت في محطات سابقة من العلاقة الأميركية-العراقية.

فالمعطى الجديد بسيط وقاسٍ في آن: قوة عسكرية دولية توشك أن تطوي صفحتها في العراق، وما يبقى بعدها ليس فراغاً نظرياً يُناقَش في صالونات النُخب وندوات الأحزاب؛ بل هو استحقاق فعلي على الأرض بدأ من اللحظة الأولى للتنفيذ.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بلا مواربة هو التالي: من يملأ هذا الفراغ فعلياً؟ الدولة العراقية بمؤسساتها؟ أم تلك القوى الخارجية التي تستعين بمرتزقة الداخل وتنتظر منذ سنوات لحظة كهذه بالذات، لتُعيد ترتيب جغرافيا ومستقبل العراق على مقاس مصالحها؟

الإجابة لن تُحسم بالمعادلات الرياضية؛ بل بما سيجري فعلياً على أكتاف الحدود، وفي أروقة التفاوض الداخلي على السلاح، وفي المواقف التي ستتخذها قوى إقليمية معروفة بأنها لا تكتفي بمراقبة الأحداث، ستشترك في صناعتها حين تُتاح لها الفرصة -هذا إذا لم تكن صنعتها بالفعل ونعيش مخاضها- لتصفية حساباتها الطائفية والايديولوجية.

الفراغ الذي يُصطاد فيه

القاعدة الأمنية التي أثبتتها التجارب العراقية بعد 2003 من الأحداث الطائفية و"القاعدة" مروراً بمرحلة "داعـش" وصولاً الى شظايا "طوفان الأقصى" والحرب على الجمهورية الإسلامية؛ تقول: لا يبقى فراغ أمني فارغاً أكثر من لحظات الصدمة الأولى.

فحين تنسحب قوة من موقع، لا تنتظر القوى الأخرى إذناً لملء مكانها، وأسرع من يتحرك عادةً مجموعات تلبس لباس الحشود الشعبية الجاهزة أصلاً تحت عنوان مجاميع "جهادية" أو "فصائل" أو "مرتزقة" تُجيد العمل في السرّ والعلن، وهناك بون شاسع بين المُسميات في الشكل والمضمون العقدي- العسكري. 

والمشهد المتوقع هنا ليس اعتباطياً: إنما محاولات لافتعال حوادث أمنية متفرقة، تسريبات مضبوطة التوقيت، تخويف من انهيار اقتصادي أشبه بسنين يوسف السبع العجاف، وأزمات حدودية تُفتعل بعناية لتُصوَّر كأنها نتيجة طبيعية لضعف الدولة والنظام السياسي، بينما في الحقيقة هي نتاج عمل مدروس، يُنفّذه من له مصلحة مباشرة في إبقاء العراق رهينة حاجته إلى حماية خارجية دائمة.

ولمن يستغرب هذا الكلام وسط زحام خطابات السيادة الوطنية الرنانة، فليَعُد إلى نمط تكرر أكثر من مرة في المنطقة: قواعد سرية، ذئاب منفردة، خلايا محلية مُجنَّدة تنشط في هدوء تام قبل أن تُنفذ عملية تخلط الأوراق بين مكونات الداخل أو بين جوار لم يكن بينهما خلاف حقيقي أصلاً، ثم يبدأ البحث عن "من فعلها؟"، بينما المستفيد الحقيقي واضح لكلّ من يقرأ المشهد خارج سياق البيانات الرسمية، لمن المصلحة في أن تشتعل حدود العراق مع جيرانه، أن تتوتر علاقته بمحيطه الإسلامي، أن يُستنزف في نزاعات داخلية أقرب إلى أنْ تكون طائفية -لا سامح الله-.

وهذا الطرف ليس لغزاً يحتاج إلى تخمين، فتاريخ أعداء العراق السابقين والمُستحدثين في المنطقة معروف وموثّق: عندما يَستخدم أراضي دول ضعيفة البنية الأمنية كمنصات انطلاق لعمليات لا يريد أن تُنسب إليه مباشرة، ثم يترك الأطراف المتضررة تتقاذف الاتهامات في ما بينها بينما هو يراقب من بعيد، وأحياناً يُدير خيوط اللعبة بنفسه.

الجغرافيا العراقية لا تترك هامشاً للتراخي في هذا الملف تحديداً: فمن الحدود الغربية مع سوريا، حيث الوضع ما يزال هشاً وقابلاً للاشتعال، إلى الشريط مع الأردن والسعودية، وصولاً إلى الشرق الإيراني، كل نقطة من هذا الامتداد قابلة لأن تتحول إلى ساحة اختبار لصبر الجميع، وأي حادثة مفتعلة بذكاء كافية لأن تُشعل نزاعاً بين العراق وجاره لا طائل من ورائه لأيّ من الطرفين، لكنه يخدم طرفاً ثالثاً لا يظهر اسمه في أي بيان ولعل حادثة قصف البترولاين السعودي خير دلالة على ذلك.

فاستقرار الخليج والعراق معاً لا تريده "تل أبيب" ولا واشنطن بصيغتها الحالية: عراق يستعيد دوره الجيوسياسي كجسر لاستقرار المنطقة، بدلاً من أن يكون ساحة نزاع دائمة، وإيران في موقع لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة لتثبيت نفوذها الإقليمي، ودول خليجية تُعيد حساباتها بعيداً من الاصطفاف الكامل خلف واشنطن، وهذا السيناريو من زاوية مَن يخطط لمنطقة مضطربة لا مستقرة، غير مقبول إطلاقاً.

أما إذا تحولت المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، أو حتى إلى سلسلة أزمات داخلية أو عابرة لجغرافيا الجيران تُبقي الجميع في حالة توتر دائم؛ فالقصة مختلفة كلياً:

إذ؛ تتبخر الحدود، تُعاد صياغة موازين القوى، وتتحول دول مثل العراق -بضعفه الهيكلي الذي لا فائدة من إنكاره- من كيانات ذات قرار إلى ساحات تُدار عليها حسابات الآخرين. ولإشعال مثل هذا السيناريو، لا تحتاج الجهة المعنية إلى الكثير سوى (قاعدة انطلاق خفية على أرض ثالثة، حادثة تُستخدم ذريعة، وسياق إقليمي مشحون أصلاً يجعل كل طرف جاهزاً لتصديق أن جاره هو من استهدفه). والعراق بحكم موقعه الجغرافي وتعدد جبهاته المفتوحة، مرشح دائم لأن يكون تلك القاعدة، سواء أدرك ذلك قادته أم لم يُدركوا.

حكومة بلا هامش مناورة

أما الحكومة العراقية في مثل هذا المشهد، وعلى الرغم من أنها حجزت مقعداً في ركب الحج إلى واشنطن مع قادة العالم على هامش المشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً ملفات يشاركه إياها عدد من قادة المنطقة تدور جُلّها في فلك حرب المضائق؛ فتجد نفسها بين ثلاثة اتجاهات متعارضة لا تحتمل قراراً واحداً يُرضي الجميع: إيران الجارة صاحبة النفوذ العميق والعلاقات الممتدة اقتصادياً وأمنياً ومذهبياً، والسعودية وواشنطن اللتان تنتظران مواقف أكثر وضوحاً من بغداد تجاه محور المقاومة، و "إسرائيل" التي تستخدم مرتزقتها بغية الدخول الناعم داخل المجتمع وتُنشئ -بحسب التسريبات الاستخبارية- حقول تجارب متقدمة لعملياتها بعيداً من أضواء المواجهة المباشرة مع طهران.

وأي قرار متسرع في هذا السياق (إغلاق حدود، تصعيد لهجة، انحياز واضح لطرف دون آخر)؛ لا يُقاس بمردوده الآني، بل بما يفتحه من أبواب يصعب إغلاقها لاحقاً.

والدرس الذي يفرضه التاريخ هنا واضح: الدول ذات البنية الأمنية الهشة، ومهما امتلكت من إرادة سيادية وشعب صامد وقوات مسلحة أثبتت جدارتها ضد الإرهاب، تُدفع غالباً نحو صراعات أكبر من قدرتها على ضبط مسارها، وحين تجد نفسها في قلب حرب لم تختر أنْ تكون طرفاً فيها، تفقد القدرة على تحديد اتجاهها، فتتحوّل من طرف صاحب قرار إلى أداة تُدار من الخارج، والحرب ليست جوهر الخطر الحقيقي؛ بل أن تكون مفروضة عليك من طرف لم يُشركَّ في قرارها.

الفصائل: مواقف متباينة لا كتلة واحدة

من الخطأ الشائع التعامل مع "ملف السلاح" و"الفصائل المسلحة" وكأنهما كتلة متجانسة ستستجيب لأي تفاهم سياسي بصوت واحد؛ الواقع أعقد من ذلك بكثير، فبعض الفصائل التي راكمت حضوراً انتخابياً وسياسياً حقيقياً ولها مقاعد نيابية ومناصب تنفيذية، تجد في الانخراط الكامل بالمنظومة الرسمية خياراً أقل كلفة من الصِدام معها، وبخاصة في ظل ضغط العقوبات الدولية التي تجعل من "التسوية الرسمية" مخرجاً مقبولاً لا يُفقدها نفوذها الفعلي.

في المقابل، هناك فصائل أخرى لا تملك هذا الثقل الانتخابي ولا تُغريها المؤسسات الرسمية بديلاً من السلاح، وعقيدتها القتالية مبنية أصلاً على منطق "المقاومة المفتوحة" الذي لا يقبل التدجين المؤسساتي بسهولة. وفي ظلّ غياب ضمانات حقيقية -لا مجرد تصريحات- تكفل استمرار دورها وأمن كوادرها؛ يجعل من التمسك بالسلاح من منظورها الخاص، الخيار الأكثر أماناً، لا الأكثر عناداً. وهذا يعني عملياً أن أي "حلّ" لملف السلاح في هذه المرحلة لن يكون حسماً شاملاً، بل إعادة تموضع جزئية تُبقي بعض الأطراف خارج المعادلة الرسمية، وهو ما يُفرغ شعار "حصر السلاح بيد الدولة" من مضمونه الكامل ما لم تُرافقه ضمانات فعلية وحوافز واقعية لا وعود عابرة.

الجبهة الاقتصادية: المعركة الصامتة التي لا تقل خطورة عن الصلبة

لا معنى لأي حديث عن سيادة أمنية كاملة إذا تُرك الملف الاقتصادي يتفاقم في الخلفية بصمت، وإلا متى كان المواطن يتأثر برفع نسبة الفائدة من الفيدرالي الأميركي؟، فالعراق الذي يخطو نحو استعادة قراره الأمني، يواجه في الوقت نفسه أزمة بنيوية عمادها الاعتماد شبه الكلي على الريع النفطي الذي يمثل النافذة الرئيسة للتحكم الأميركي المطلق بعوائده المالية، وبهذا لن ينتصر الدينار على الدولار في معركة السوق التجارية المحلية، فضلاً عن تضخم الجهاز الإداري إلى حدّ يفوق طاقته الاستيعابية، ملفات فساد استنزفت -السوق- على مدى عقدين، موارد كان يمكن توظيفها في بناء منظومة دفاعية واستخبارية حديثة تُغني الدولة عن أي إسناد خارجي من الأساس.

فضلاً عن معركة الثقة التي خسرتها الدولة العاجزة عن توفير فرص العمل والخدمات لشبابها، إذ تركت خلفها فراغاً اجتماعياً لا يقل خطورة عن أي فراغ أمني على الحدود، بل ربما يفوقه في قابليته للاستغلال، لأن الفراغ الاجتماعي لا يحتاج إلى تسلل من خلال معبر حدودي؛ هو موجود أصلاً داخل كل مدينة عراقية.

والدول العربية والإقليمية المعنية والتي تدّعي صداقتها ودعمها لاستقرار العراق؛ مطالَبة بمسؤولية لا تقل عن مسؤولية بغداد نفسها، بإعادة نظر جدية في طبيعة علاقتها الاقتصادية معه فضلاً عن الولايات المتحدة، بعيداً من منطق استغلال حاجته المُلحّة إلى الاستثمار والدعم التنموي. فاستقرار العراق، كما أثبتت كل تجربة إقليمية سابقة من دون استثناء، ليس شأناً داخلياً محضاً، بل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها، من الخليج إلى بلاد الشام، وأي طرف يتعامل مع أزمة العراق الاقتصادية بوصفها فرصة استثمارية "رخيصة" بدل أن يراها استحقاقاً تنموياً مشتركاً، إنما يُسهم -ولو من دون قصد مباشر- في إبقاء بيئة الفراغ التي تُستغل أمنياً وسياسياً على حد سواء.

تأييد مشروط لا أعمى

المسار التفاوضي الجاري حول تنظيم السلاح يستحق دعماً، لكنه دعم مشروط لا يُمنح على بياض، والشرط الوحيد الذي لا مجال للتنازل عنه؛ هو أن يُفضي هذا المسار إلى انفراد فعلي للدولة بالقرار الأمني، لا إلى تسوية شكلية تُبقي الأمر الواقع على حاله بغلاف قانوني جديد يُرضي الجميع من دون أن يُلزم أحداً فعلياً. 

وهذا التحفظ لا ينبع من شكّ مسبق في نيات أي طرف داخلي، بل من إدراك بسيط ومباشر، فملف بهذه الحساسية قابل دائماً للاستثمار من قوى خارجية تريد إطالة أمد الأزمة لحسابات لا علاقة لها بمصلحة الدولة العراقية، وأولها تلك القوى التي سبق الحديث عن دورها في محاولة خلط أوراق العراق مع جيرانه.

إنّ العراق لا يحتاج اليوم إلى من يُقنعه أنّه قادر على حماية نفسه؛ فقد أثبت ذلك بـ(الدم) حين واجه الإرهاب وحيداً في أحلك سنواته. 

ما يُختبر الآن ليس القدرة بل الإرادة، وليس الشعارات بل التفصيلات في من يضبط الحدود فعلياً حين تُفتعل الحادثة الأولى؟ من يحسم ملف السلاح بضمانات حقيقية لا بتصريحات إعلامية؟ من يمنع تحوّل الأزمة الاقتصادية إلى وقود إضافي لأي فوضى مقبلة؟ ومن يقرأ محاولات خلط الأوراق مع الجيران قبل وقوعها لا بعد أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية كاملة؟.

كلّ هذه التساؤلات ويناظرها العشرات من الأغلبية الصامتة تحتاج إلى إجابات واقعية، فسخونة الأحداث المحيطة وتصاعد حدّتها لا يشيان أن هناك استراتيجية عبور- دفاع من كبار القوم، الذين لا يعتبرون من التعبئة الشعبية للجارة إيران التي جهّزت 313 ألفاً ويزيد بنحو مئتي ألف، ولا من السبعين ألف مقاتل لـ"المقاومة الوطنية" اليمنية في ساحلها الغربي، ولا من شراء السعودية أسطولاً مكوناً من 48 طائرة F35 يُعززها استقدام آلاف المرتزقة متعددي الجنسيات للدفاع عنها، ولا من المناورة الباكستانية في تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ولا من التحركات السورية على تخوم العراق ولبنان، ولا من الهندسة التركية في البروباغندا الدراماتيكية،..الخ من فصول التحشيد والتعبئة التي تنشغل بها دول الجوار والإقليم المحيط بالعراق، في وقت يرصد فيه الكاتب ويحلل لك سيدي القارئ ما يجري.

خلاصة القول: إنّ انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، الذي تشاهدونه على الشاشات ليس نهاية القصة، ومن يظن ذلك لم يُدرك أنّ الحقيقة في أول سطر منها. والعراق أمام خيارين -أتمنى أن يكون لها ثالث بإذن الله ولطفه-: أن يكتب هذا المُنجز السيادي بيده، أو يترك غيره ليكتبه نيابة عنه، وحين يكتبه غيره فإن الفاتورة ستُدفع من دم العراقيين لا من حسابات من خطّط لها.