الانسحاب الأميركي من سوريا: من "الانتشار المكلف" إلى "الأمن التعاقدي"
ينهي الأميركيون مرحلة الاستثمار العسكري المباشر بالجغرافيا السورية إلى التوظيف الاستراتيجي المبني على مفهوم "الأمن التعاقدي" والتخفيف من الأعباء.
-
يشكّل الانسحاب الأميركي من القواعد السورية جزءاً من استراتيجية "انتقال مشروط ومنظّم".
أعلن الجيش الأميركي انسحابه من القواعد العسكرية الأهم في سوريا، أي قاعدتي التنف والشدادي. وتُعد تلك القاعدتان من أبرز المواقع العسكرية الأميركية في سوريا؛ إذ تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري- العراقي-الأردني، ما يجعلها نقطة تحكم حيوية للتحكم والمراقبة والسيطرة على الحدود السورية العراقية إضافة الى الصحراء السورية.
أما قاعدة الشدادي التي تربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، فكانت تُستخدم منذ عام 2016 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، كما كانت نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباري بين القواعد الأميركية الأخرى في شمال وشرق سوريا.
ومع انسحاب الأميركيين من تلك القواعد، والإعلان عن الرغبة في الخروج عسكرياً بشكل نهائي من سوريا، تكون سوريا قد انتقلت إلى مرحلة جديدة كلياً، انتهى معها عقد من الوجود العسكري في تلك المناطق. ويمكن تحليل أبعاد هذا الانسحاب وفق المنطلقات الاستراتيجية التالية:
أولاً: التحوّل نحو دور "الموازن الخارجي"
لطالما دعا الكثير من الاستراتيجيين الأميركيين، الإدارات الأميركية إلى تبني مبدأ "الموازن الخارجي" أي توكيل الأمن الإقليمي للحلفاء الذين يقومون بالمهام الأمنية، على أن يتدخل الأميركيون فقط في حال فشل الحليف في المهام الموكلة إليه، أو إذا حصل فراغ استراتيجي وأمني وحاولت إحدى الدول الكبرى استغلاله.
واقعياً، تسعى الإدارة الأميركية الحالية إلى تطبيق هذا المبدأ في سوريا، أي زيادة الاعتماد على الشركاء المحليين. وهو ما دعت إليه استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، واستراتيجية الدفاع الأميركية 2026، اللتان ركّزتا على تولي الحلفاء المسؤولية التامة عن أمنهم وتحمّل الأعباء.
وعليه، وبعد إعلان انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي ضد "داعش" في تشرين الثاني الماضي، انتقل تصنيف الدولة السورية المركزية لدى "البنتاغون" من "خصم" إلى "شريك وظيفي" قادر على تحمل أعباء مكافحة الإرهاب بنفسه وتقليل هذا العبء عن الأميركيين. لذا تعتبر إدارة ترامب أن بقاء الوجود العسكري الدائم في سوريا يشكّل استنزافاً للموارد من دون عائد استراتيجي متناسب.
ثانياً: غياب الجدوى
منذ تأسيسها، تمثل قاعدة "التنف" نقطة ارتكاز لقطع "الجسر البري" الممتد من طهران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، ولمراقبة تحركات مجموعات "محور المقاومة" المتنقلة عبر الصحراء السورية بين العراق وسوريا. حالياً، وبعد انقطاع هذا الممر البرّي بسبب سقوط النظام السوري السابق، بات استمرار القاعدة عبئاً أمنياً لا ضرورة له.
وبحسب التقييمات الأميركية، فإن بقاء القوات في قواعد معزولة لم يعد يشكل رادعاً، بل تحول إلى "أهداف رخوة" تمنح الخصوم أوراق ضغط مجانية. وبناءً على هذا التصور، يشكّل وجود قاعدة التنف قرب العراق - وفي ظل التوترات الإقليمية والتهديد الإيراني باستهداف القواعد الأميركية في الإقليم- عبئاً استراتيجياً وأمنياً مكلفاً.
وبناءً عليه، جرى استبدال الوجود المادي للقواعد العسكرية المعرضة للاستهداف، بالرقابة من خلف الأفق (Over-the-Horizon) أي استخدام بروتوكولات المراقبة والتدخل الجوي السريع من قواعد "المرساة" في الأردن وكردستان العراق.
ثالثاً: التفرغ لـ "المنافسة الكبرى"
يتسق هذا الانسحاب مع استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، واستراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026، والتي تعطي الأولوية لمنطقة المحيطين الهادئ والهندي، وتقيّم تراتبية التهديدات الأكبر على الأمن القومي الأميركي، مركّزة على أولوية الأمن الداخلي والأمن الإقليمي في نصف الكرة الغربي.
لذا يمكن القول إنه في المنظور الاستراتيجي الأميركي الحالي، يجب أن تُدار الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط عبر نظام "توازن قوى إقليمي" تشارك فيه تركيا و"إسرائيل" والدول العربية، مع الحفاظ على تفوّق إسرائيلي نوعي، ما يسمح للبنتاغون بإعادة توجيه الموارد نحو المسارح الدولية الأكثر حيوية.
بالنتيجة، يشكّل الانسحاب الأميركي من القواعد السورية وقبلها القواعد في العراق وتسليمها للجيوش في الدولتين، جزءاً من استراتيجية "انتقال مشروط ومنظّم" يعيد تنظيم الوجود العسكري الأميركي من "انتشار مكلف" على الأرض إلى "وجود استراتيجي" أقل كلفة وبعائد أكبر عبر الإقليم.
وبما أن سوريا، ولأول مرة في تاريخها الحديث تدخل في دائرة النفوذ الأميركي المباشر، ما يعني أن الولايات المتحدة بات لديها القدرة على التأثير والمراقبة والتدخل عند الضرورة، من دون الحاجة إلى قواعد عسكرية ثابتة داخل البلاد لفرض النفوذ.
وعليه، ينهي الأميركيون مرحلة الاستثمار العسكري المباشر بالجغرافيا السورية إلى التوظيف الاستراتيجي المبني على مفهوم "الأمن التعاقدي" والتخفيف من الأعباء التي تشكّل مرتكزات عقيدة ترامب في ولايته الثانية.