إيران.. دفاع فسيفسائي فعال مُصمم للصمود وإنهاك العدو

تسعى العقيدة الإيرانية إلى ضمان تحوّل أي صراع من صراع حاسم إلى صراع مطول، ومن صراع عسكري إلى صراع سياسي، ومن صراع استئصالي إلى صراع استنزاف.

  • التكيف الإيراني: تمرد دولة.
    التكيف الإيراني: تمرد دولة.

عرضنا سابقاً كيف يُوزّع الدفاع "الفسيفسائي" الإيراني القوة العسكرية لمنع أي انهيار وإجبار الخصوم على خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة.

المبدأ الأساسي الفسيفسائي المتكامل: الرد ليس مجرد "ضربة انتقامية" واحدة، بل قدرة مستمرة، ويمكن إعادة تطبيقها على أهداف ومواقع أخرى. وهذا مفتاح فهم قدرة إيران على الصمود والبقاء وإنهاك العدو واستنزافه.

لا يخلو الدفاع الفسيفسائي من جوانب قصور. فخصائص الانتشار الواسع والتكرار والتنفيذ اللامركزي التي توفر المرونة قد تُضعف أيضًا التماسك الاستراتيجي. عندما تتوزع السلطة بين عُقَد شبه مستقلة ذاتيا، يصبح تنسيق التصعيد وتخصيص الموارد المحدودة والحفاظ على استهداف منضبط أصعب، سيما إذا تضررت الاتصالات جراء هجمات سيبرانية أو حركية. وبالتالي، قد ينزلق النظام المصمم للمرونة نحو التفكك، ما يحد من قدرة المُدافع على تحويل الصمود إلى محصلة استراتيجية منسقة.

ويحذر جون ميرشايمر وبول غرينييه من أن الانتشار قد يُعرّض المنظومات الفسيفسائية الموزعة لقدرات الاستخبارات والمراقبة الحديثة التي يمكنها رسم خرائط الشبكات الموزعة واستنزافها تدريجياً. ويواجه النظام الفسيفسائي الخارجي ضغوطاً مماثلة. فتوسيع إيران للحرب في المنطقة يُهدد بتشديد الاصطفاف الإقليمي ضد طهران، في حين أن الضغوط المستجدة على محور المقاومة قد أرهقت بعض أجزاء هذه الشبكة.

نتيجة لذلك، قد ينجح الدفاع الفسيفسائي الموزع في منع الانهيار واستدامة الرد، ولكنه قد يظل يكافح جاهداً لتحويل قدرته على البقاء إلى نهاية مُرضية للحرب إذا تآكلت شبكته الإقليمية وتنسيقه الداخلي بوتيرة أسرع من تآكل إرادة المهاجم السياسية.

أصداء تاريخية: فيتنام وأفغانستان

نوّه مسؤولون إيرانيون بأن عقيدة الدفاع الفسيفسائية تستند إلى دراسات تاريخية. وصرح وزير الخارجية الدكتور عباس عراقتشي وقادة عسكريون إيرانيون آخرون علناً بأن المخططين الإيرانيين درسوا بعناية الحروب الأميركية السابقة، وخاصة صراعات أخفقت فيها قوى متفوقة تقنياً في تحقيق نتائج حاسمة. وساهمت هذه التجارب التاريخية في تطوير عقيدة الدفاع الفسيفسائية الإيرانية.

يقول ميرشايمر وغرينييه، لفهم المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذه العقيدة، ينبغي مقارنتها بسابقتين لحركتي تمرد: الـ"فيت منه" ضد الولايات المتحدة بفيتنام، وحركة طالبان ضد قوات "الناتو" بأفغانستان. المقارنة ليست بلاغية، بل بنيوية. فقد استوعبت إيران منطق حركات التمرد ودمجته ضمن دولة ذات سيادة.

النموذج الفيتنامي ومنطق الانتشار

لا يبدأ التشابه البنيوي مع فيتنام بالأيديولوجيا، بل بالتنظيم. فقد أنشأت تشكيلات الفيت منه، ولاحقًا الفيت كونغ، شبكة سياسية عسكرية لامركزية متجذرة في التضاريس والمجتمع. وعملت القيادات الإقليمية باستقلالية. تدفقت الإمدادات اللوجستية عبر ممرات متفرقة مثل ممر هو تشي منه. ومكّنت منظومات الأنفاق القوات من الصمود أمام القصف المتواصل. 

أدرك المخططون الأميركيون هذه الصعوبة. ففي مذكرة بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 1966، وجّهها وزير الدفاع روبرت ماكنمارا إلى الرئيس ليندون جونسون، حذّر قائلاً: "لم ننجح في وقف التسلل.. ولم نتمكن من تحطيم إرادة القتال لدى العدو". وأقرت وثائق البنتاغون مرارا وتكراراً بالصعوبة البنيوية لهزيمة تشكيلات الخصوم اللامركزية. وخلص أحد التقييمات الداخلية إلى ما يلي: "الصراع في فيتنام سياسي في جوهره... والضغط العسكري وحده لا يضمن النصر".

وضّح الجنرال الفيتنامي الشمالي فو نغوين جياب الفرضية الاستراتيجية بوضوح: "يجب على العدو خوض حرب طويلة؛ وعلينا تجنب المعارك الحاسمة والحفاظ على قواتنا".

تجاوزت كمية الذخائر الأميركية التي أُلقيت على فيتنام ولاوس وكمبوديا تلك التي أُلقيت خلال الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، فقد صمد الهيكل السياسي العسكري اللامركزي. ورغم الخسائر الفادحة التي تكبدها ثوار الفيت كونغ جراء هجوم تيت عام 1968، إلا أنه أظهر قدرة عملياتية مستمرة رغم سنوات من الاستنزاف.

يرى ميرشايمر وغرينييه أن الدرس الأهم هو أنه إذا تشتت مركز ثقل العدو في المجتمع والجغرافيا، يُفقِد القوة النارية الهائلة حسمها. وقد درست إيران هذا التاريخ بعناية.

نموذج طالبان: إنهاك القوة العظمى

في أفغانستان، تبنت طالبان منطقاً بنيوياً مشابهاً. فبعد انهيار حكمها أواخر عام 2001، تشظت طالبان إلى خلايا متمردة محلية. وانتشرت قياداتها عبر الحدود.

وأُعيد بناء شبكات حكمها – في الظل– بالمحافظات الريفية. تألفت بنية طالبان من قادة ميدانيين لامركزيين، وتحالفات قبلية مرنة، وشبكات حكم في الظل، وملاذات آمنة عبر الحدود. ورغم التفوق التكنولوجي الأميركي، حافظت طالبان على استمراريتها بتجنب المعارك الحاسمة، وإعادة تنظيم صفوفها بعد الخسائر، واستغلال التضاريس والوقت.

لاحظ تقييمٌ أجراه الجنرال الأميركي ستانلي مكريستال عام 2009 أن: "التمرد صامد... فهو يحتفظ بالمبادرة، بل يزداد قوةً". سيطرت الولايات المتحدة على الأجواء والمدن والطرق الرئيسية. وسيطرت طالبان على الوقت. فمن خلال تجنب المواجهات الحاسمة وإعادة تنظيم صفوفهم بعد الخسائر، حوّلوا الهزيمة التقليدية إلى صراع سياسي طويل الأمد. ولم يكن الانسحاب الأميركي في أغسطس/آب 2021 نتيجة لانهيار ميداني، بل نتيجة الإنهاك الاستراتيجي.

يلاحظ ميرشايمر وغرينييه أنه في كل من فيتنام وأفغانستان، حوّلت اللامركزية القدرة على البقاء إلى قوة دافعة. ويسعى نظام الدفاع الفسيفسائي الإيراني المتكامل إلى ترسيخ هذا التحوّل منذ البداية.

التكيف الإيراني: تمرد دولة

يبقى التمييز بينهما جوهرياً. كان الفيت كونغ وطالبان حركتين متمردتين تقاومان الاحتلال، بينما إيران دولة ذات سيادة تواجه حملات عسكرية. ومع ذلك، فإن التقارب البنيوي واضح. فالخلايا اللامركزية تُقابلها قيادات حرس الثورة بالمحافظات، واللوجستيات الموزعة يقابلها نشر الصواريخ المحصنة، واستغلال التضاريس تقابله المناطق الجبلية الداخلية بإيران، والملاذات الخارجية تُقابلها شبكة إقليمية من الوكلاء. وتتحول استراتيجية الحرب الطويلة إلى ردع قائم على الاستنزاف.

بينما قد تكون إيران مستعدة لحرب عصابات ضد إمكانية نشر القوات البرية الأميركية، فإنها تركز حالياً على الصمود في وجه حرب دقيقة عالية الكثافة. فبدلاً من الأسلحة الخفيفة والأنفاق، تعتمد على قوات صاروخية موزعة ودفاع جوي متعدد الطبقات. وبدل الشبكات القبلية وحدها، تُدمج مؤسسات شبه عسكرية منظمة وشراكات إقليمية رسمية. مع ذلك، يبقى المبدأ الحاكم من دون تغيير: منع الانهيار السريع.

مع ذلك، إيران ليست فيتنام ولا أفغانستان. فهي تمتلك قوات صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف إقليمية، وأنظمة دفاع جوي متكاملة، وقاعدة عسكرية صناعية رسمية، واقتصاد دولة قادر –تحت الضغط– على دعم التعبئة. ولذلك، قدرتها على الردع أكثر تنوعاً من الناحية التكنولوجية مقارنةً بنماذج التمرد. وفي الوقت نفسه، فهي أكثر عرضة لضغوط اقتصادية واضطرابات سيبرانية مقارنة بحركات التمرد الريفية المتجذرة بمجتمعات الكفاف. يجب على الدولة "الموزاييك" الحفاظ على تماسكها في ظل العقوبات والضغوط السياسية.

الآثار الاستراتيجية

بحسب ميرشايمر وغرينييه، أثبتت فيتنام وأفغانستان أن الطرف الذي ينجو من الصدمة الأولى هو من يحدد المسار السياسي للحرب. ففي فيتنام، تحول البقاء إلى قوة سياسية دافعة. وفي أفغانستان، تحول الصمود إلى استعادة السلطة بنهاية المطاف.

تسعى العقيدة الإيرانية إلى ضمان تحول أي صراع من صراع حاسم إلى صراع مطول، ومن صراع عسكري إلى صراع سياسي، ومن صراع استئصالي إلى صراع استنزاف.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة و "إسرائيل"، اللتين تُركز ثقافتهما الاستراتيجية على حملات سريعة عالية الكثافة، يُشكل هذا معضلة بنيوية. فكلما طالت الحرب، زادت المتغيرات المؤثرة: الأسواق العالمية، والتصعيد الإقليمي، والسياسة الداخلية، وتماسك التحالفات. وقد بدأت هذه المتغيرات تؤثر في هذا الصراع.

إن بنية الدفاع الفسيفسائي الإيرانية ليست مُصممة للغزو، بل للتعقيد والصمود.

السؤال الجوهري

يُشير التحليل التاريخي إلى تساؤل أعمق: هل تستطيع الجيوش المُتقدمة تقنياً تحقيق نتائج حاسمة ضد خصم يرفض التمركز والمركزية؟ لقد أثبتت فيتنام وأفغانستان عدم إمكانية ذلك. وتراهن إيران على أن الإجابة ستظل بالنفي. 

يعتمد نجاح هذا الرهان على متغيرات لا تسيطر عليها طهران ولا واشنطن ولا "تل أبيب" سيطرة كاملة: ديناميات التصعيد، والتحالفات الإقليمية، والمرونة الاقتصادية، والإرادة السياسية. لكن بنيوياً، استوعبت إيران الدرس الأساسي من حروب أميركا بالقرنين الحالي والماضي: إن أخطر عدو ليس من ينتصر في المعركة الأولى، بل من ينجو منها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.