إيران والخليج: خطأ التاريخ ومأزق الجغرافيا

بناء مستقبل مختلف لا يتطلّب أن تتخلّى الدول عن رؤاها الاستراتيجية، أو أن تتفق على تفسير واحد لتاريخ المنطقة، بل أن تقبل بأنّ اختلاف التصوّرات لا يعفيها من مسؤولية إدارة نتائجه. 

0:00
  • من طهران إلى بغداد: حين تغيرت خريطة القوة.
    من طهران إلى بغداد: حين تغيّرت خريطة القوة.

ثمّة لحظات في تاريخ الأمم تتقدّم فيها الوقائع أسرع من قدرة السياسة على فهمها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الدول أسيرة صور صنعتها عن خصومها، وتبدأ في تفسير الحاضر بأدوات الماضي، حتى لو كانت موازين القوى قد تغيّرت، والخرائط السياسية قد أعيد رسمها. 

وفي الشرق الأوسط، ربما لا توجد علاقة تكشف هذه المفارقة أكثر من العلاقة بين إيران ودول الخليج. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التنافس. لكنّ المشكلة أنّ كثيراً من القراءات العربية تعاملت مع الثورة باعتبارها بداية كلّ شيء، فيما أنّ تاريخ التنافس بين ضفتي الخليج أقدم من الثورة، وأوسع من الخلاف المذهبي، وأشدّ ارتباطاً بموقع المنطقة في الحسابات الدولية. 

ما تغيّر بعد عام 1979 لم يكن وجود إيران بوصفها قوة إقليمية، بل طبيعة النظام الذي يحكمها، والأفكار التي يعلنها، والأدوات التي اختارها لتثبيت دوره.

هنا يبدأ الخطأ الأول، حين تتحوّل لحظة تاريخية إلى تفسير دائم للتاريخ كلّه، فالثورة الإيرانية حدث مفصلي، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير السياسة الإيرانية، مثلما لا تكفي الخلافات المذهبية لتفسير علاقات العرب بإيران. 

إنّ فهم المنطقة يحتاج إلى قراءة الوقائع قبل ترتيب الأحكام، وإلى التمييز بين ما تقوله الدول عن نفسها وما تفعله فعلياً، وبين مصالحها المستمرة وخياراتها التي تتغيّر بتغيّر الظروف.

من طهران إلى بغداد: حين تغيّرت خريطة القوة

قبل الثورة الإيرانية، كانت إيران الشاه حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة، وجزءاً من الترتيبات الأمنية الغربية في الخليج. ولم يكن هذا التحالف يعني غياب التنافس مع بعض الدول العربية، بل كان يعكس تصوّراً أميركياً لإدارة المنطقة من خلال قوى إقليمية حليفة.

عندما سقط الشاه، خسرت واشنطن أحد أهمّ أعمدة سياستها الإقليمية، وظهرت دولة تتبنّى خطاباً سياسياً مناهضاً لها، وتعمل على بناء شبكة علاقات ونفوذ تتجاوز حدودها.

لكنّ التحوّل الأكبر في ميزان القوى لم يحدث في طهران وحدها، فقد جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتستنزف الدولتين طوال ثمانية أعوام، ثمّ انتهت من دون تسوية تنهي أسباب التنافس بينهما. 

بعد ذلك، أدى غزو العراق للكويت عام 1990، ثمّ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، إلى سلسلة من التحوّلات التي أعادت تشكيل المنطقة.

كان العراق، قبل عام 2003، يمثّل ثقلاً أساسياً في التوازن الإقليمي، بصرف النظر عن طبيعة نظامه السياسي. وعندما أُسقط النظام العراقي وتفكّكت أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، لم يتراجع خصم إيران فحسب، بل تغيّرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

الدولة التي خاضت حرباً طويلة لمنع بغداد من فرض إرادتها عليها وجدت نفسها أمام واقع جديد، أصبحت فيه أكثر قدرة على التأثير في الشأن العراقي.

هذه النقطة أساسية لفهم ما جرى لاحقاً. فصعود النفوذ الإيراني لم يكن نتيجة قوة إيران وحدها، بل ارتبط أيضاً بتراجع قوى عربية، وتدخّلات خارجية، وانهيار مؤسسات دول، واتساع الفراغات السياسية والأمنية. 

ومن الخطأ تفسير التحوّلات كلّها باعتبارها مشروعاً إيرانياً محضاً، مثلما سيكون من الخطأ تجاهل الدور الذي أدّته طهران في استثمار هذه التحوّلات.

إنّ التاريخ لا يتحرّك بإرادة طرف واحد، لكنه يمنح بعض الأطراف فرصاً أكبر حين يعجز الآخرون عن حماية مواقعهم أو إعادة بناء قدرتهم على التأثير.

إيران التي تخشاها واشنطن ويقلق منها العرب

في التعامل مع إيران، تداخلت مسألتان مختلفتان كثيراً: موقعها في الصراع مع الولايات المتحدة، وطبيعة نفوذها في محيطها العربي. وقد أدّى الخلط بينهما إلى إرباك جانب من التفكير الاستراتيجي العربي.

واشنطن تنظر إلى إيران من خلال مصالحها الدولية، وأمن حلفائها، وانتشارها العسكري، والبرنامج النووي الإيراني، وموقع طهران في التوازنات الإقليمية. 

أما الدول العربية، فلديها حسابات أخرى تتصل بسيادة الدول، وتوازن القوى، والتدخّلات الإقليمية، وأمن الحدود والمجتمعات والمنشآت الحيوية. وقد تتقاطع هذه الحسابات مع الموقف الأميركي في بعض الملفات، لكنها لا تتطابق معه بالضرورة.

السؤال الاستراتيجي هنا يتعلّق باحتمال تغيّر الموقف الأميركي نفسه، فإذا كانت واشنطن تواجه طهران في مرحلة، فإنها قد تسعى في مرحلة أخرى إلى التفاوض معها أو التفاهم على ملفات محدّدة، عندما ترى أنّ مصالحها تقتضي ذلك. 

تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النظر من سؤال العداء الأميركي الإيراني إلى سؤال المصالح التي قد تجمع الطرفين أو تفرّقهما. فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على الخصومات وحدها، بل تعيد ترتيبها عندما تتغيّر الكلفة والعوائد.

 ما يبدو مواجهة مستحكمة اليوم قد يتحوّل غداً إلى تفاوض، وما يبدو تحالفاً ثابتاً قد يصبح موضع مراجعة. لذلك، فإنّ بناء السياسة العربية على افتراض أنّ الصراع الأميركي الإيراني سيستمر إلى الأبد ينطوي على مخاطرة. فإذا توصّل الطرفان إلى تفاهمات واسعة، فقد تجد دول عربية نفسها أمام ترتيبات لم تشارك في صنعها، لكنها ستتحمّل نتائجها. وإذا تصاعد الصراع، فإنّ المنطقة العربية ستكون من أكثر الأطراف تعرّضاً لتداعياته.

المشكلة، إذاً، ليست في أن تتفاوض واشنطن مع طهران، فالتفاوض جزء طبيعي من العلاقات الدولية، بل في قدرة الدول العربية على تحديد مصالحها والتعبير عنها والدفاع عنها، بدلاً من انتظار ما تقرّره القوى الأخرى.

الخليج ليس ساحة خارج التاريخ

يميل بعض الخطاب السياسي إلى التعامل مع الخليج باعتباره منطقة محكومة بالطاقة والممرات البحرية، وكأنّ أهميته تنحصر في ما تحت أرضه وما يعبر مياهه. لكنّ الخليج أيضاً مجال تتشكّل فيه علاقات القوة، وتُختبر فيه قدرة الدول على إدارة مصالح متعارضة من دون أن تتحوّل إلى حروب مفتوحة.

تملك إيران موقعاً استراتيجياً على الضفة الشمالية، وتطلّ على مضيق هرمز الذي تمرّ عبره كميات كبيرة من النفط والمنتجات النفطية. وقد بلغ متوسّط تدفّقات النفط عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً خلال عام 2024، أي ما يعادل قرابة خمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

لكنّ أهمية المضيق لا تمنح إيران قدرة مطلقة على فرض إرادتها. فالتلويح بتعطيل الملاحة قد يرفع كلفة المواجهة على الخصوم، لكنه يعرّض المصالح الإيرانية نفسها للخطر، ويزيد احتمالات التدخّل العسكري الخارجي. 

وفي المقابل، لا تستطيع دول الخليج أن تتعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره مسألة يمكن تفويضها بالكامل إلى القوى الكبرى.

هذه هي المفارقة الاستراتيجية: الجغرافيا تمنح الأطراف أوراق ضغط، لكنها تفرض عليها أيضاً قيوداً. يستطيع كلّ طرف التأثير في أمن الآخر، لكنّ أياً منهم لا يستطيع التحكّم منفرداً في جميع نتائج التصعيد.

من هنا، لا ينبغي أن يُختزل أمن الخليج في سباق التسلّح أو في عدد القواعد العسكرية أو في حجم التحالفات الخارجية. فهذه الأدوات قد تكون ضرورية للردع، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأعمق: كيف يمكن منع التنافس من التحوّل إلى دورة متواصلة من التهديد والردّ والتهديد المضادّ؟

خطأ الماضي أم مسؤولية المستقبل؟

استدعاء التاريخ لا يعني الخضوع له، فالتاريخ يقدّم تفسيرات للخصومات، لكنه لا يمنحها شرعية أبدية. وقد ورثت العلاقات الإيرانية العربية تناقضات حقيقية، تتصل بالمكانة والنفوذ والذاكرة السياسية، كما تأثّرت بصراعات مذهبية وقومية استُخدمت أحياناً لتعبئة المجتمعات وتبرير الخيارات السياسية. غير أنّ تحويل هذه العناصر إلى أحكام ثابتة يحرم السياسة قدرتها على التكيّف مع الواقع.

ليس مطلوباً من الدول العربية أن تتجاهل المخاوف من السياسات الإيرانية، ولا من إيران أن تتخلّى عن مصالحها الإقليمية. لكنّ المطلوب هو أن يدرك الجميع أنّ موازين القوى لا تُقرأ بالشعارات، وأنّ النفوذ لا يُقاس بما تحقّقه الدولة خارج حدودها وحده، بل أيضاً بقدرتها على بناء علاقات لا تجعل جيرانها يبحثون باستمرار عن وسائل لمواجهتها.

لقد تغيّر الشرق الأوسط مرات عديدة، وكانت كلّ مرحلة تعيد توزيع القوة بطرق لم يتوقّعها كثيرون. غير أنّ الدرس الأهمّ هو أنّ الفراغات التي تنتجها الحروب لا تبقى بلا شاغل، وأنّ الدول التي تنسحب من معادلات المنطقة تكتشف لاحقاً أنّ الآخرين رسموا ترتيبات جديدة لا تراعي بالضرورة مصالحها.

أما الجغرافيا، فلا تقدّم ضمانات للسلام، كما لا تحكم بالضرورة باستمرار العداء، إنها تضع الدول أمام حقائق لا تستطيع تجاهلها، وتترك للسياسة مسؤولية التعامل معها. 

وبين خطأ قراءة التاريخ ومأزق الجغرافيا، تتحدّد قدرة العرب وإيران على الانتقال من صراع تستثمر فيه القوى الخارجية إلى توازن إقليمي تملك دول المنطقة دوراً حقيقياً في صياغته.

فالأمم لا تخسر مواقعها لأنها تفتقر دائماً إلى القوة، بل قد تخسرها حين تسيء فهم اللحظة التي تعيشها، وتظلّ تقاتل معارك الأمس بينما يعيد الآخرون رسم خريطة الغد. والأمن المستدام يحتاج إلى الجمع بين القدرة على الدفاع عن السيادة والقدرة على منع الخلاف من التحوّل إلى مواجهة.

بناء مستقبل مختلف لا يتطلّب أن تتخلّى الدول عن رؤاها الاستراتيجية، أو أن تتفق على تفسير واحد لتاريخ المنطقة، بل أن تقبل بأنّ اختلاف التصوّرات لا يعفيها من مسؤولية إدارة نتائجه. 

كما أنّ استقلال القرار الإقليمي لا يعني الاستغناء عن القوى الكبرى، وإنما امتلاك دول المنطقة ما يكفي من التفاهمات والآليات المشتركة كي لا تصبح خلافاتها مدخلاً دائماً لتدويل أزماتها.

ستظلّ إيران ودول الخليج العربية مختلفتين في جوانب من رؤيتهما للأمن والنفوذ والنظام الإقليمي، وقد يستمر هذا الاختلاف زمناً طويلاً. لكنّ السياسة لا تُقاس بقدرتها على إزالة كلّ اختلاف، بل بقدرتها على منع الاختلاف من التحوّل إلى قدر من الصراع المتكرّر.