إردوغان: الأمن القومي والنفوذ التركي أولوية
بينما يتعامل ترامب مع الملف السوري بمنطق "عقد الصفقات" وإغراء الشرع برفع العقوبات، سارع إردوغان لفرملة هذا الاندفاع الأميركي، مؤكداً أن حماية السيادة السورية واللبنانية تقع ضمن الخطوط الحمر لـلأمن القومي التركية.
-
تسعى تركيا لمنع "إسرائيل" من تغيير الخرائط السياسية.
أتت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لتؤكد أولوية الأمن التركي في وجه التوسّع العسكري الإسرائيلي الذي يشكل خطراً مباشراً عليها، وأن أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، ويندرج في إطار معارضة التوسع الإسرائيلي الذي لن يتوقف عند حدود فلسطين ولبنان، بل قد يمتد ليطال أجزاء من جنوب تركيا.
وفق الطموحات الصهيونية التاريخية، تسعى تركيا لمنع "إسرائيل" من تغيير الخرائط السياسية أو فرض السيطرة على دول الجوار ومنع تقسيم سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها.
جاء هذا الموقف التركي بعد يومين فقط من المقابلة المثيرة للجدل التي أجراها ترامب مع شبكة NBC، والتي صرّح فيها بأن رئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع مستعد للمساعدة في ضرب "حزب الله"، ملمّحاً إلى إمكانية دخول القوات السورية إلى البقاع اللبناني لتنفيذ عمليات دقيقة بدلاً من القصف الإسرائيلي العشوائي.
ما هي أبعاد الرسالة السياسية التي وجّهها إردوغان
أراد إردوغان تذكير ترامب بأن تركيا هي صاحبة النفوذ الأكبر فوق الأراضي السورية والداعمة الرئيسية لإدارة أحمد الشرع الانتقالية. وأن دمشق الجديدة لن تنفذ الاستراتيجيات الأميركية أو حماية أمن "إسرائيل" على حساب تدمير علاقاتها مع محيطها العربي والإقليمي.
تدرك تركيا أن دفع سوريا للدخول في مواجهة مسلحة ضد "حزب الله" في لبنان (البقاع) سيعني حتماً نقل الصراع الإقليمي إلى قلب الجغرافيا السورية مجدداً، الأمر الذي قد يدفع الفصائل الشيعية المدعومة من إيران كالحشد الشعبي العراقي لزعزعة استقرار الحدود الشرقية لسوريا، وهو ما ينسف الإنجاز التركي، لذلك شدّد إردوغان على أن "تثبيت الاستقرار في سوريا مكسب إقليمي يجب عدم المساس به" عندما أعلن إردوغان في خطابه أن "أمن تركيا يبدأ من بيروت ودمشق"، كان يردّ موضوعياً على أطروحة ترامب التي تشرعن التدخل العسكري أو تبادل الأدوار في البقاع اللبناني.
وهي رسالة تؤكد أن تركيا لن تقف متفرّجة أمام إعادة صياغة الخرائط العسكرية في لبنان وسوريا، وأن أي خطوة حماقة عسكرية ستلقى رداً تركياً لحماية حدودها الجنوبية.
ترتبط هذه التصريحات الحادة بالتحضيرات الجارية لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقرر عقدها قريباً في أنقرة.
يسعى إردوغان لوضع ملفات الشرق الأوسط (سوريا، لبنان، غزة) على الطاولة متسلحاً بموقف قوي، ليقول لترامب إن التنسيق مع تركيا كحليف في الناتو هو الممر الإجباري لأي ترتيبات أمنية في المنطقة، لا الصفقات الأحادية.
بينما يتعامل ترامب مع الملف السوري بمنطق "عقد الصفقات" وإغراء الشرع برفع العقوبات، سارع إردوغان لفرملة هذا الاندفاع الأميركي، مؤكداً أن حماية السيادة السورية واللبنانية تقع ضمن الخطوط الحمر لـلأمن القومي التركية.
شدّد إردوغان على أن تركيا لن تسمح بالإضرار بوحدة الأراضي السورية أو تركيبتها متعددة الثقافات.
وهو اتهم "إسرائيل" بمحاولة استخدام الأقليات والمكوّنات (مثل الدروز في السويداء بجنوب سوريا) كذريعة لتخريب اتفاقات الهدنة، معتبراً أن تماسك العاصمة دمشق ضروري للتغلّب على هذه المرحلة الحساسة. على الرغم من المكاسب الاستراتيجية الكبرى التي حققتها أنقرة بسقوط نظام بشار الأسد، وصعود حكومة سوريّة، تواجه تركيا تحديات أمنية معقدة.
وهي تخشى استمرار العمليات العسكرية والتحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وترى أن السياسة الإسرائيلية قد تدعم الفيدرالية أو النزعات الانفصالية لبعض الأقلّيات في الجنوب (مثل السويداء والساحل) لإضعاف الدولة السورية المركزية الموحدة التي تدعمها تركيا وتراها ضرورية لاستقرار حدودها.
تقاسم الأدوار مع الرياض في الملفات الإقليمية
هناك توافق تركي سعودي كبير حالياً. ترى السعودية أن استقرار سوريا يمنع الفوضى الإقليمية والميليشيات؛ لذا تركّز شركاته على الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، الاتصالات، والطاقة (توسيع حقول الغاز عبر شركة آديس).
تمثل قطر الحليف الأقرب لتركيا في الملف السوري، وتشارك "قطر للطاقة" بقوة في مشاريع الاستكشاف البحري والكهرباء، ما يعزّز الموقف التركي. تسعى تركيا لدمج هذه التوجهات لتأمين التمويل الضخم لإعادة الإعمار الذي لا تستطيع تحمّله بمفردها.
تتلاشى التناقضات الخليجية أمام لغة المصالح الاقتصادية المشتركة التي تجمع كل الأطراف، ولا سيما مع التوترات الجيوسياسية الإقليمية الأخرى (مثل إغلاق مضيق هرمز)، حيث يبرز الاعتماد المتبادل.
تعمل تركيا، سوريا، والأردن على إحياء شبكات النقل والسكك الحديد لربط الموانئ التركية بأسواق الخليج عبر الأراضي السورية بحلول نهاية عام 2026.
فتحت سوريا بالفعل ممرات تصدير الماشية والمنتجات إلى السعودية عبر العراق، وهو ما يفيد الخطط التركية لإنعاش الاقتصاد السوري وجعله معتمداً على ذاته.
التناقضات الخليجية في سوريا تحولت إلى "أدوات ناعمة" (غاز، استثمارات، طيران، لوجستيات). وتجيد تركيا استثمار هذا التنافس لضمان بقاء سوريا مستقرة اقتصادياً وسياسياً، وهو ما يحقق مصلحتها الأساسية في حماية حدودها وتسهيل العودة التدريجية للاجئين السوريين.
الصراع على النفوذ ورفض العسكرة في شرق البحر المتوسط
تزامنت التصريحات مع رصد تركيا لمبادرات ومساعٍ تقودها "إسرائيل" بالتعاون مع أطراف إقليمية (مثل اليونان وقبرص) لإنشاء قوة عسكرية مشتركة وزعزعة استقرار منطقة المتوسط. حذّر إردوغان من مغبّة المساس بحقوق تركيا أو جمهورية شمال قبرص التركية في مياه المتوسط، متوعداً برّد واضح وقوي.
استعرض الرئيس التركي تنامي الصادرات العسكرية لبلاده والاعتماد على الذات في التصنيع الحربي (مثل صواريخ تايفون البالستية والمسيّرات) لتوجيه رسالة ردع لـ"إسرائيل". تحاول أنقرة تقديم نفسها كـ "واحة استقرار" ومركز ثقل في قضايا الطاقة والسلام وسط الأزمات الإقليمية المحيطة بها.
تتلخص المشكلات الأساسية لتركيا مع اليونان وقبرص في النزاع حول ترسيم الحدود البحرية والجوية، والسيادة على جزر بحر إيجة، والانقسام السياسي المزمن لجزيرة قبرص منذ عام 1974.
وعلى الرغم من جولات التقارب الدبلوماسية المستمرة، لا تزال الفجوة شاسعة بسبب تضارب المصالح الجيوسياسية ومشاريع الطاقة في شرق المتوسط.
تتنازع الأطراف الثلاثة على ترسيم الحدود البحرية بعد اكتشاف احتياطيات غاز ضخمة.
تتمسك اليونان وقبرص باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تمنح الجزر جرفاً قارياً كاملاً، بينما ترفض تركيا التوقيع عليها، وترى أن الجزر اليونانية القريبة من سواحلها لا تملك حقاً كاملاً في منطقة اقتصادية ممتدة. تعارض أنقرة مشاريع خطوط أنابيب الغاز (مثل مقترحات الربط بين "إسرائيل"، قبرص، واليونان) التي تستبعد تركيا كمركز طاقة إقليمي.
تطالب تركيا بـ "حل الدولتين" والاعتراف بـ "جمهورية شمال قبرص التركية" (المعترف بها من أنقرة فقط). في المقابل، تصرّ اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي على حل فدرالي ثنائي لجزيرة موحدة.
تشهد المنطقة توترات عسكرية دورية، مثل اتهام تركيا لقبرص بتلقّي أسلحة عبر "إسرائيل"، أو خطط فرنسا لنشر قوات هناك، ما دفع أنقرة لزيادة ميزانيتها الدفاعية ودعم القوات التركية في الشمال.
تتهم تركيا أثينا بخرق الاتفاقيات التاريخية (مثل معاهدة لوزان) عبر عسكرة الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية. ترفض تركيا أي محاولة يونانية لتوسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً، وتعتبر ذلك إغلاقاً لبحر إيجة.
لكن بما أن تركيا واليونان عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن الحلف يضغط دائماً لمنع أي صدام عسكري يضعف الجبهة الشرقية لأوروبا. يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تقديم حوافز أمنية واقتصادية (مثل تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي لتركيا أو تسهيل التأشيرات) مقابل إبداء أنقرة مرونة أكبر في قبرص.