ألغام الهدنة بين لبنان و"إسرائيل".. استعصاء جديد أم حبل نجاة؟

استطلاعات الرأي الإسرائيلية تكشف عمق الأزمة والبون الشاسع بين ما يرغب فيه الإسرائيليون وما يقدر "جيشهم" على إنجازه، ثم يأتي المفاوض اللبناني ليقدّم واجب الضيافة.

  • من هرمز إلى بنت جبيل.. القصة ليست نتنياهو.
    من هرمز إلى بنت جبيل.. القصة ليست نتنياهو.

لا يُنتظر أن يُسلّم رئيس حكومة العدو بسهولة بما آلت إليه خططه وتطلّعاته. من شأن ذلك أن يقضي، لا على مستقبله فقط، إنما على إرثه وماضيه. لذا، تبقى الفخاخ حاضرة في مسارات اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"، الذي حاول رئيس وزراء العدو تجنبّه قدر الإمكان.

قبل دخول الهدنة موضع التنفيذ، ساد تقدير في أوساط معظم المتخصّصين والمعنيّين، بما في ذلك داخل الكيان الصهيوني: لم يكن موضع خلاف أنّ مصلحة بنيامين نتنياهو تكمن في استمرار الحرب، ولو على جبهة واحدة، وعرقلة المفاوضات، متى تيسّر له ذلك، إلى أن يحقّق أهدافه. يتعلّق الأمر بالنجاة من الاستحقاقات التي تتحدّاه وبالصراع من أجل البقاء.

كيف بدأ ذلك؟

في الخطة الأصلية للحرب كان كلّ شيء على الورق يعده بالاحتفال بعدما نجح في إقناع دونالد ترامب في مهاجمة إيران. بقي إسقاط النظام الإيراني على أن يتفرّغ بعدها للقضاء على حزب الله حينما يصبح الأخير وحيداً ومحاصراً ومقطوعاً من شجرة، يليه اليمن والعراق. خطوة واحدة فقط كانت تفصله عن تحقيق "النصر المطلق" و"تغيير وجه الشرق الأوسط" إلى الأبد وإقامة "إسرائيل الكبرى".

الوصول إلى هذا المبتغى لم يكن فقط يتيح له استثمار الإنجازات في صناديق الاقتراع التي يُفترض أن تجري بعد بضعة أشهر، وليس فقط تعزيز فرصه في فكّ الحصار عن التهم التي تلاحقه في المحاكمة التي يخضع إليها حالياً، إنما أيضاً تبديد وصمة العار الناجمة عن تبعات عملية السابع من أكتوبر 2023 التي حصلت في عهده وتحت قيادته. في هذا الملف لا يزال يصرّ حتى اليوم على رفض تشكيل لجنة حكومية رسمية للتحقيق في الهجوم، الأمر الذي يضعه من وجهة نظر معارضيه وجزء من الجمهور الإسرائيلي في موضع الشبهة ومحاولة التنصّل من المسؤولية؛ فكيف إذا ما أضيفت إلى هذه التحدّيات معضلات جديدة تتمثّل في الفشل بتحقيق أهداف الحرب على إيران، وبروز معضلة مركّبة عند "الجبهة الشمالية" أسهمت فعلياً في مراكمة فاتورته؟

من جهة اتضّح أنّ الإنجازات التي روّجها طيلة الأشهر المنصرمة حول تقويض قدرات حزب الله بشكل نهائي وتغيير موازين القوى والردع عند الجبهة الشمالية واهية، ومن جهة أخرى بات يتعيّن عليه أن يتعامل مع هذه المعضلة التي يلحّ جزء وازن من الجمهور الإسرائيلي على ضرورة التخلّص منها نهائياً، وخصوصاً سكان المستوطنات الشمالية.

بات سجل نتنياهو الشخصي على المحك: أراد أن يخطّه بماء الذهب باعتباره أحد ملوك "إسرائيل" الذي نجح في تحويل هزيمة 7 أكتوبر إلى انتصار تاريخي ونهائي، لكنه بدلاً من ذلك قد يتحوّل إلى عبرة للتاريخ: الرجل الذي أراد كلّ شيء فخسر كلّ شيء.

المسألة لا تتوقّف هنا.

من هرمز إلى بنت جبيل.. القصة ليست نتنياهو

تتعدّى المسألة كونها أزمة خاصة ببنيامين نتنياهو لتكشف في أعماقها عن مأزق أوسع يشمل "جيش" الاحتلال والأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ومجمل الجمهور الإسرائيلي. واضح حجم السخط الإسرائيلي الذي رافق وأعقب وقف إطلاق النار مع لبنان سواء في أوساط المعارضة أو الائتلاف الحكومي. الدفق الهائل من الأخبار والمعطيات التي توالت في الساعات والأيام الأخيرة تستدعي محاولة إعادة رسم المشهد بعيداً من عوامل التشتيت:

أولاً- خلال الأسابيع الماضية شدّدت مواقف إسرائيلية على أنّ الحرب على لبنان سوف تستمر حتى لو توقّفت على الجبهة الإيرانية، وبقي مسؤولون صهاينة يردّدون هذه الوعود لجمهورهم حتى ما قبل أيام قليلة. في المقابل أعلنت طهران عن التزامها بعدم التخلّي عن حلفائها وعدم السماح في الاستفراد بلبنان. انتصرت في النهاية الإرادة الإيرانية، وليس أدلّ من حرج السلطات الإسرائيلية من أنها امتنعت عن التصديق في جلسة الكابينت الأخيرة على موضوع الهدنة. 

لفت مراسل القناة "14" إلى أنّ الوزراء أبلغوا وقف النار في مكالمة هاتفية وصفها بـ"تحصيل حاصل" من دون منحهم حقّ الاعتراض، واصفاً الأمر بـ"المذهل والمخزي"، فيما أشار تقرير عرضته قناة "كان" إلى أنّه من اللافت أنّ رئيس الولايات المتحدة هو من يعلن للجمهور وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" وحزب الله وليس الحكومة الإسرائيلية أو رئيسها.

ثانياً: لم يكن أمام نتنياهو بما يمثّله خيارات جيدة. جميعها تقريباً تراوحت بين السيئة والأكثر سوءاً. "الجيش" الإسرائيلي عاجز في جنوبي لبنان عن أن يقدّم له صورة نصر، وبنت جبيل التي تحوّلت إلى عنوان للمواجهة بقيت صامدة، وأعداد القتلى والجرحى تتزايد كلّ يوم في ظلّ إدارة تصعيد محسوبة من قبل المقاومة باتجاه عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة. ما يعنينا هنا، أنّ الجمهور الإسرائيلي لم يتوقّف عن المطالبة باستمرار الحرب للتخلّص من خطر المقاومة في وقت عجزت فيه القوات الإسرائيلية عن التوغّل والاستقرار من دون التعرّض إلى خسائر فادحة. 

فوق هذه المشكلة طامة أكبر. من تستند إليه "إسرائيل" في حربها هو نفسه غارق في مأزق استراتيجي عند مضيق هرمز ولا يستطيع الفكاك منه، ومن أبرز العوامل التي تلعب ضدّه وتضغط عليه هو عامل الوقت.

ثالثاً: مواقف نتنياهو عالية السقف قد تولّد انطباعاً مشوّشاً إذا لم يتمّ ربطها بالسياقات الميدانية والسياسية. الخطاب السياسي قد ينسجم أحياناً مع الوقائع وقد يأتي في أحيان أخرى من أجل تعويض النقص وملء الفجوات والخداع وتذخير الدبلوماسية. يتجلّى ذلك في وعود نتنياهو للجمهور الإسرائيلي بأنّ الحرب على جبهة لبنان سوف تستمرّ من أجل تحقيق أهداف تبيّن حتى الساعات الأخيرة أنها ما زالت بعيدة المنال.

 من هنا فإنّ إعلانه عقب الهدنة أنّ وقف إطلاق النار مع لبنان يمثّل فرصة لـ"سلام تاريخي" يستند إلى القوة انطلاقاً من تغيير جذري لميزان القوة، وتشديده على نزع سلاح حزب الله كشرط مسبق لأيّ اتفاق، يأتي انسجاماً مع وعود لم يعد بإمكانه التنصّل منها، وإلا يصبح أمام هزيمة محقّقة إذا لم يحقّق أيّ شيء من ذلك. 

ربما يكون الخيار السيّئ بالنسبة إلى نتنياهو من أجل الهروب من الورطة أن يدّعي بأنّ الرئيس الأميركي ضغط عليه واضطره للرضوخ إلى الهدنة، لكنّ هذا الأمر يجرّه إلى مربّع لا يقلّ سوءاً بحيث يهشّم صورته التي طالما روّجها للجمهور الإسرائيلي باعتباره الرجل القادر على التعامل بندّية مع واشنطن.

رابعاً: من هذا المنظور يشكّل المسار التفاوضي اللبناني مخرجاً للمأزق الإسرائيلي برعاية أميركية. مع إعلان الهدنة تبيّن أنّ محاولة فصل جبهات المقاومة من خلال هذا المسار قد منيت بانتكاسة، لكنّ الحرب لم تنتهِ بعد، ومعها تستمر محاولات "إسرائيل" وأميركا أن تنال بوسائل أخرى ما عجزت عن تحقيقه في الميدان. من هنا يأتي تعبير رئيس مجلس الشورى الإيراني عن "الحذر" في التعامل مع وقف إطلاق النار.

الألغام الإسرائيلية محتملة، وما بعد انتهاء الهدنة ليس معلوماً بعد، وطرح المسار التفاوضي في ظلّ شروط نتنياهو يحمل الكثير من الشبهات في مقابل ضمانات وأوراق قوة تفرّط فيها السلطة اللبنانية التي يبدو أنها لا تكترث إلا بالرضوخ لرغبات أميركية تسعى إلى استنقاذ حاملة طائراتها الإسرائيلية من مصير قاتم. ومن أجل توضيح بعض جوانب هذا المصير تقتضي العودة إلى المشهد الإسرائيلي ما قبل الهدنة.

استطلاعات الرأي تعبّر عن المأزق

في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"، سادت حالة من التذمّر في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وسط نقاشات صريحة حول فشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها، وبتحوّل المستوى السياسي إلى تابع كلّي للإدارة الأميركية. موجة الغضب أكثر من عبّر عنها رؤساء المستوطنات الشمالية، الذين وصف بعضهم الاتفاق بأنّه "صكّ استسلام" و"خيانة".

استطلاعات الرأي التي أجريت الأسبوع الماضي تكشف عمق الأزمة. في 9 نيسان/أبريل الماضي، أي بعد الهدنة مع إيران، كشف استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" عن تأييد شعبي جارف لمواصلة العمليات العسكرية ضدّ حزب الله، حيث أعرب 77% من الإسرائيليين عن رفضهم لفكرة وقف إطلاق النار، مطالبين باستمرار الضربات حتى تحقيق الأهداف المحدّدة. بلغت نسبة تأييد استمرار الحرب بين ناخبي الائتلاف الحكومي 94%، بينما وصلت لدى ناخبي المعارضة إلى 70%.

نقلت الصحيفة حينها عن مصادر أنّ نتنياهو، مدعوماً من كبار مسؤولي المؤسسة العسكرية، رفض شمول لبنان في أيّ اتفاق تهدئة مع طهران.

استطلاع آخر أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة "تل أبيب" يومي 9 و10 نيسان/أبريل الجاري وأظهر ما يلي:

%69 من المستطلعين أظهروا تأييدهم لمواصلة الحملة ضدّ حزب الله بغضّ النظر عن التطوّرات في الساحة الإيرانية. 62% رأوا أنّ الحملة في لبنان لن تحقّق استقراراً أمنياً طويل الأمد. وهذا أمر لافت ومحيّر وينطوي على مفارقة قد يفسّرها الاستطلاع الآتي.

استطلاع أجرته الجامعة العبرية في القدس يومي 9 و10 نيسان/أبريل أشار إلى حالة من الإنهاك بين الإسرائيليين بسبب الحرب، كما أظهر أنّ نحو ثلثيهم يعارضون الهدنة الحالية بين واشنطن وطهران.

معظم المشاركين أفادوا بأنهم لا يرون أنّ إيران أو حزب الله قد تعرّضا لضعف كبير نتيجة القصف الأميركي والإسرائيلي. وبحسب الاستطلاع اختار ثلث المشاركين كلمة "اليأس" لوصف شعورهم الراهن، تلتها "الارتباك" ثم "الغضب"، فيما جاءت "الأمل" في المرتبة الرابعة.

وأشار الاستطلاع إلى أنّ معظم الإسرائيليين يتفقون على أنّ لبنان لا ينبغي أن يكون مشمولاً بأيّ هدنة مع إيران.

إلامَ يؤشّر ذلك؟

البون الشاسع بين ما يرغب فيه الإسرائيليون وما يقدر "جيشهم" على إنجازه.. بعد ذلك يأتي المفاوض اللبناني ويتخلّى قبل أن تبدأ المفاوضات عن أهمّ ورقتين كفيلتين بإلزام الطرف الإسرائيلي بالالتزام بالاتفاق الذي أنهى الحرب السابقة، وحماية أرضه ومقدّراته مقابل الأطماع والنيّات والمشاريع الإسرائيلية: سلاح المقاومة في لبنان وضمانة المسار الإيراني. 

"صكّ استسلام" و"خيانة"، هكذا وصف رؤساء المستوطنات الشمالية اتفاق وقف إطلاق النار لمجرّد موافقة نتنياهو عليه.. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.