أزمة غرينلاند.. مؤشر عجز بنيوي أوروبي

الدنمارك ومن خلفها الاتحاد الأوروبي اكتفيا بإدارة المسألة من منظور قانوني وسيادي بسيط من دون أي محاولة لبلورة رؤية يستطيعان من خلالها مواجهة المطالب الأميركية المتكررة بالاستحواذ على غرينلاند.

0:00
  • هل يستطيع الاتحاد الأوروبي الحفاظ على نفسه ككتلة سياسية حقيقية؟
    هل يستطيع الاتحاد الأوروبي الحفاظ على نفسه ككتلة سياسية حقيقية؟

يجب ألّا يُنظر إلى مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة على أنها تعبّر عن رؤيته الخاصة لكيفية جعل أميركا عظيمة مرة أخرى، حيث إن الرئيس الأميركي هاري ترومان قد عرض شراءها من الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية بما يعكس أهميتها الاستراتيجية والعسكرية في العقل الأميركي.

فمنذ عام 1946، تكرست في العقل الاستراتيجي الأميركي أهمية هذه الجزيرة من حيث موقعها الجغرافي الحاسم في قلب الممر القطبي الشمالي بين الولايات المتحدة وأوروبا، إذ تعد نقطة مراقبة مثالية قريبة قادرة على مراقبة النشاط السوفياتي سابقاً والروسي حالياً، من دون أن نهمل حالياً نشاط الصين التي أعلنت نفسها مؤخراً في عام 2018 دولة قريبة من القطب الشمالي.

وبالتالي تُطرح في هذا الإطار مجموعة من التساؤلات حول فاعلية الإجراءات الأوروبية التي من المُفترض أن تحفظ ملكية الجزيرة للدنمارك وما تعنيه هذه القضية من تأثير على الأمن الأوروبي.

فرغم أن الواقع الأوروبي بشكله الاتحادي قد حاول دائماً الإيحاء بسعيه لبلورة استراتيجية دفاعية وسيادية شاملة، كان من المفترض أن تؤدي إلى بناء مشروع استراتيجي أوروبي مستقبلي، قادر على بلورة وحماية مصالح دوله المشتركة بطريقة مستقلة عن أي تدخل أو تأثير خارجي، فإن الواقع قد أظهر قصوراً وضعفاً في مواجهة الضغوط الجيوسياسية الخارجية.

فالارتباط العضوي بحلف الناتو وعدم السعي لموازنة الثقل العسكري الأميركي في القارة، مع الإشارة لما لهذين السببين من تأثير سلبي على حلم الوحدة الأوروبية، قد أسهما في منع ظهور موقف أوروبي قوي وموحد يعبّر عن فهم جيوسياسي عميق للقضايا التي تهدد قيام اتحاد أوروبي حقيقي يملك فرصاً للمنافسة.

فمن خلال مراجعة المقاربة الأوروبية حيال غرينلاند، سيظهر واضحاً أن الدنمارك ومن خلفها الاتحاد الأوروبي قد اكتفيا بإدارة المسألة من منظور قانوني وسيادي بسيط، من دون أي محاولة لبلورة رؤية يستطيعان من خلالها مواجهة المطالب الأميركية المتكررة بالاستحواذ على الجزيرة.

في هذا الإطار، يمكن الاستنتاج أن التحدي الحالي الذي يفرضه دونالد ترامب لا يشكل حالة استثنائية يمكن المراهنة على عامل الوقت أو خروجه من السلطة لتخطيها.

فالتقدير الأميركي الذي يعرّف غرينلاند على أنها خط دفاع متقدم ضمن استراتيجية احتواء الخصوم يدفع في ظل التحول الجذري في استراتيجية إدارة الصراع لدى روسيا والصين إلى التمسك بمشروع ضمها، من دون الالتفات إلى ما لهذا الضم من تأثيرات سلبية على واقع التحالف بين ضفتي الأطلسي.

فالواقع الحالي لا يدلل على سلوك أميركي يشكل امتداداً كلاسيكياً لإدارة الصراع عبر التحالفات، وإنما بات يدلل على تحول تدريجي نحو استراتيجية الهيمنة المباشرة على المناطق الاستراتيجية.

ففي المرحلة السابقة، كانت الولايات المتحدة تعتمد على شبكة من التحالفات المؤسساتية، كحلف شمال الأطلسي، التي كانت تضمن لها مشاركة الآخرين في تقاسم الأعباء الأمنية وتمنح مشاريعها الأمنية وتدخلاتها العسكرية شرعية جماعية واسعة، في حين أن الواقع الأميركي الحالي يدلل على ميل متزايد نحو تفضيل المصالح الأميركية الضيقة على حساب مصالح الغرب الجماعية بما يؤدي إلى عدم مراعاة المرتكزات السيادية للحلفاء حين يكون ذلك ضرورياً لمتطلبات الأمن القومي الأميركي.

حتى الآن لم يخرج الموقف الأوروبي عن إطار الرفض الأدبي المستند إلى قواعد القانون الدولي ومبدأ السيادة. فرغم التلويح الأميركي بإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية لضم غرينلاند إذا لزم الأمر، اكتفى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بالإعلان أن القمة المرتقبة لقادة الاتحاد ستُعقد لتنسيق الرد على التهديد الأميركي بفرض رسوم جمركية على خلفية قضية غرينلاند. وفي حين أشار وزير الخزانة الأميركي في تصريحات لشبكة إن بي سي، أن امتلاك غرينلاند أمر مهم في مباراة شطرنج جيوسياسية مع روسيا والصين، بما يعني عدم اكتراث الولايات المتحدة بسيادة حليفها الأوروبي، لم يخرج الموقف الأوروبي عن حدود التشاور الذي وفق المؤشرات الحالية لن يؤدي إلى نتائج فورية تتخطى التعبير عن موقف موحد لتصل إلى إجراءات ملموسة.

في ظل الواقع الدولي الحالي الذي تخطى عقدة إعادة تشكيل نظام عالمي، إلى مرحلة باتت الفوضى صفة ملازمة له، حيث إن الأمم المتحدة باتت مؤسسة غير فاعلة وانتقل الصراع الدولي إلى مرحلة لم تعد المواجهة بين القوى الكبرى من المحظورات، وبات الحديث عن استخدام النووي أمراً شائعاً مع الإشارة الى أن الحروب باتت تُشن استناداً إلى منطق المصلحة والقدرة، بعد أن كانت تُشن بحجة الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ونشر قيم الحرية والعدالة والديمقراطية، بدليل السلوك الأميركي في فنزويلا، والتهديد بشن حرب على إيران بهدف إسقاط نظامها، من دون أن ننسى اللغة التي يخاطب فيها دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين، ستُظهر الإجراءات الأوروبية، المحددة والمحدودة، بالرد على الرسوم الجمركية التي يهدد ترامب بفرضها، ضيق هامش الفاعلية التي يدعيها الاتحاد الأوروبي، وستكشف عجزه البنيوي عن مجاراة التحول الحاصل على مستوى النظام الدولي بشكله الحالي.

فالواقع الأوروبي، الذي لم يخرج في قراءته لإشكالية غرينلاند وأطر التعاطي مع الولايات المتحدة عن حدود اعتبارها حليفاً وشريكاً استراتيجياً، ما زال ينظر إلى الرسوم الجمركية على أنها مجرد وسيلة لحث الطرف الآخر على القبول بحلول وسطية، في حين أن الولايات المتحدة تستخدمها كسلاح ضمن استراتيجية شاملة ومتكاملة، تستهدف فرض الهيمنة وفق أنماط مستجدة.

وعليه، فإذا كان الهدف الأساسي للاتحاد الأوروبي حجز موقع متقدم في توازنات القوى الدولية، فإن هذا الهدف يستدعي البحث في كيفية ردع الولايات المتحدة لا إقناعها ومحاولة البحث عن حلول تشبع رغباتها.

فالتاريخ القريب، بالتحديد في العلاقة مع روسيا، قد أظهر عدم صوابية القرار الأوروبي بالوقوف خلف الولايات المتحدة، حيث إن دونالد ترامب قد تخطى الدول الأوروبية وبادر للتفاوض مع روسيا منفرداً، وكانت خطته للسلام بين روسيا وأوكرانيا متعارضة مع ما يعتبره الاتحاد الأوروبي خطوطاً حمراً سيادية.

وعليه يمكن القول إن البحث الأوروبي عن إجراءات فاعلة لثني الولايات المتحدة عن مشروع ضم غرينلاند، تتطلب التخلي أولاً عن فكرة الحليف الاستراتيجي الدائم والبحث في وضع مقاربة واقعية قادرة على حماية مصالح القارة، بما يعني محاولة تخطي الانقسام داخل الحلف، وتخلّي بعض القوى الرئيسية كألمانيا وفرنسا عن ما تعتبره حقاً شرعياً لها بإدارة وتوجيه الاتحاد.

فالتحدي الأبرز أمام الاتحاد الأوروبي بات يُوصف بمدى قدرته على الحفاظ على نفسه ككتلة سياسية حقيقية مستقلة ومتوازنة، لا كساحة نفوذ فرنسي ألماني تحاول الولايات المتحدة أن تهيمن عليها وتمنع انزلاقها نحو تموضع ذاتي يحد من قدرتها على إدارة صراعاتها مع روسيا والصين.