من هرمز إلى بكين: إيران تتحول إلى مقياس القوة الأميركية

المشكلة الأساسية أنّ الولايات المتحدة نفسها لا تملك ضمانات كاملة للنتائج، سواء سياسياً أو عسكرياً، ما يجعل المنطقة بأكملها تعيش حالة ترقّب ثقيلة لـ"ساعة الصفر".

  • إيران تتحول إلى مقياس القوة الأميركية (أرشيف).
    إيران تتحوّل إلى مقياس القوة الأميركية (أرشيف).

ما يجري اليوم بين إيران والولايات المتحدة لم يعد مجرّد تبادل رسائل سياسية عادية، بل هو صراع مفتوح على شكل النظام الدولي المقبل. وبعد تبادل الأوراق عبر الوسيط الباكستاني، ورفض واشنطن للتعديلات أو الورقة الإيرانية، بات واضحاً أنّ ما يجري حالياً هو محاولة لإدارة التصعيد بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً حول نقاط الاتفاق الممكنة، لا أكثر.

لكن خلف هذا المسار السياسي، تبدو كلّ الأطراف وكأنها تستعدّ لاحتمال أكبر، مع استمرار محاولات مفاجأة إيران بالتوقيت والأسلوب المناسبين من وجهة نظر واشنطن.

المشهد الأهمّ هنا ليس فقط في الخليج أو مضيق هرمز، بل في بكين.

فزيارة الرئيس الأميركي إلى الصين لا تبدو زيارة رجل يذهب من موقع قوة. كان من المفترض أن تدخل واشنطن إلى التفاوض مع بكين وهي تمسك بأوراق استراتيجية كبرى، أبرزها التحكّم بشريان الطاقة الذي يغذّي الاقتصاد الصيني عبر النفط الإيراني والفنزويلي، إضافة إلى النفوذ المباشر على حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

لكنّ التطوّرات الأخيرة أضعفت قدرة الولايات المتحدة على استخدام هذه الأوراق كورقة ابتزاز فعّالة، خصوصاً بعد اهتزاز صورة السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وعلى مسارات الطاقة الإقليمية.

لهذا تبدو واشنطن اليوم أمام احتمالين:

إما تقديم تنازلات مرتبطة بالتجارة، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي، وبعض الملفات العالقة مع بكين، أو استمرار الاشتباك السياسي والاقتصادي بانتظار تبدّل جديد في موازين القوى.

ومن هنا أصبحت إيران مقياساً حقيقياً لقوة الولايات المتحدة عالمياً.

فواشنطن تدرك أنّ الفشل في إخضاع إيران أو دفعها إلى التراجع سيعني تراجع صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى قادرة على فرض إرادتها وشروطها على خصومها. لذلك تبدو أميركا مضطرة لتحقيق نتيجة واضحة في هذه المواجهة، لأنها تعتبر أنّ أيّ تراجع أمام إيران سينعكس مباشرة على موقعها الدولي وعلى علاقتها بالقوى الصاعدة، وفي مقدّمتها الصين وروسيا.

لكنّ المشكلة الأساسية أنّ الولايات المتحدة نفسها لا تملك ضمانات كاملة للنتائج، سواء سياسياً أو عسكرياً، ما يجعل المنطقة بأكملها تعيش حالة ترقّب ثقيلة لـ"ساعة الصفر"، خصوصاً أنّ المؤشّرات الميدانية والسياسية توحي بأنّ لحظة الانفجار ليست بعيدة.

فنحن عملياً أمام مرحلة انتظار حقيقية، قد تبدأ قبل زيارة الصين، أو أثناءها، أو مباشرة بعدها، لكنّ المؤكّد أنّ المنطقة تقترب بسرعة من منعطف كبير. فالتصعيد الحالي لم يعد مجرّد ضغط تفاوضي تقليدي، بل أصبح جزءاً من إعادة تموضع شاملة تحاول من خلالها واشنطن استعادة زمام المبادرة قبل تثبيت وقائع جديدة على مستوى الإقليم والعالم.

كما أنّ عامل الوقت لا يعمل بالضرورة لصالح الأميركيين، لأنّ استمرار الاستنزاف السياسي والعسكري والاقتصادي يضعف صورة الردع الأميركية تدريجياً، ويمنح خصوم واشنطن فرصة إضافية لتعزيز مواقعهم وتوسيع هوامش حركتهم. لذلك يبدو أنّ الإدارة الأميركية تشعر بأنّ هامش المناورة يضيق، وأنّ تأجيل المواجهة أو الحسم السياسي لفترة طويلة قد يجعل كلفة أيّ خطوة لاحقة أعلى بكثير.

أما إذا وقعت المواجهة، فمن المرجّح ألّا تكون خاطفة بالكامل، بل قد تمتدّ لأسابيع، خصوصاً إذا اتسعت ساحات الاشتباك وتداخلت الجبهات الإقليمية من الخليج إلى لبنان وربما أبعد من ذلك. وهذا بحدّ ذاته كفيل بإحداث هزّة عالمية سياسية واقتصادية وأمنية، لأنّ أيّ اضطراب كبير في المنطقة سينعكس فوراً على أسواق الطاقة والتجارة الدولية والملاحة البحرية.

أما لبنان، فلن يكون بعيداً عن أيّ مواجهة مقبلة. لأنّ أيّ تصعيد إقليمي واسع سينعكس مباشرة على الجبهة اللبنانية، ضمن محاولة إعادة رسم موازين القوى النهائية في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة الأميركية ومعها "إسرائيل" أمام معادلة مختلفة عمّا بدأتا به. فالمواجهة التي دخلتاها بدايةً كخيار سياسي وعسكري، تتحوّل تدريجياً إلى حرب اضطرار، ولا سيما بالنسبة لواشنطن أوّلاً ثمّ لـ "تل أبيب"، لأنّ التراجع لم يعد سهلاً بعد رفع سقوف الأهداف إلى هذا الحدّ.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية: عندما تتحوّل الحرب إلى حرب اضطرار، تصبح الخيارات أضيق، وتصبح القدرة على الخروج منها أصعب، خصوصاً في ظلّ غياب أيّ استراتيجية حاسمة وواضحة حتى الآن.

فلو كانت لدى الولايات المتحدة أو "إسرائيل" وسيلة مضمونة لتحقيق أهدافهما بسرعة، لما بدا هذا التردّد الواضح في الانتقال إلى المواجهة الكبرى. بينما في المقابل، لا يزال محور المقاومة يمتلك أوراق قوة إضافية لم تُستخدم بالكامل بعد، ما يجعل أيّ جولة مقبلة أكثر حساسية وخطورة على مستوى المنطقة كلّها.

لهذا لا تبدو المنطقة اليوم أمام أزمة عابرة، بل أمام مرحلة إعادة تشكيل كاملة لموازين القوى، حيث لم تعد المعركة مرتبطة بإيران وحدها، بل بمستقبل الهيمنة الأميركية نفسها، وبمن يملك القدرة على فرض قواعد اللعبة الجديدة في العالم.