مدافعُ آيةِ الله؛ وقود الصواريخ وأجوبةُ الزمان
مدافع ذلك اليوم، "مدافع آية الله"، قد تجلّت اليوم في صورة "وقود الصواريخ" الدفاعية لإيران، وقد تَحدَّثت بلسان العصر؛ غير أنّ حقيقتها لم تتبدّل.
-
"مدافع آية الله"، قد تجلّت اليوم في صورة "وقود الصواريخ" (أرشيف).
قبل ثمانيةٍ وأربعين عاماً، في الفصل الأخير من تاريخٍ مفعمٍ بالالتهاب، حين كانت شتاءاتُ عام 1979 تقترب من محطاتها الأخيرة في بردِ بهمن، ولم يكن يفصل عن فجرِ النصر سوى ثلاثة أشهر، عاد رجلٌ من سلالة القلم والوعي، الراحل محمد حسنين هيكل — أشهر الصحافيين العرب في التاريخ المعاصر — بعد لقائه الأول بـروح الله الخميني في قرية نوفل لوشاتو الهادئة في ضواحي باريس وصانعة التاريخ، ليَلقاه مرةً أخرى؛ هذه المرة في إيران التي كانت على أعتاب الانفجار، حيث التقى بإمام الأمة.
وقد وقف، وهو ذو النظرة العميقة والعقل المؤرّخ، في قلب الحدث، فأخذ — عقب هذا اللقاء، وبعد تأمّلٍ عميقٍ في التحوّلات الكبرى التي شهدتها إيران — يستجلي جذور هذه الثورة وسياقات نشأتها، حتى انتهى إلى تدوين خلاصة هذا الفهم في كتابه الشهير "مدافع آية الله" باللغة الإنكليزية، وهو العمل الذي تُرجم لاحقاً إلى العربية بالعنوان نفسه ("مدافع آية الله") وإلى لغاتٍ عالميةٍ أخرى، فأثار في دوائر واسعةٍ تأمّلاً عميقاً.
ويقول هيكل في مقدّمة هذا الكتاب:
اقتربتُ من القصة الطويلة لثورةٍ كانت لا تزال تقف على أعتاب طلوعها. في ذلك الحين، لم يكن الخطُّ الواضح للفجر قد انفصل بعدُ عن ظلمة الليل في الأفق، وكان مصيرها يتأرجح بين إمكان الانتصار واحتمال الفشل.
في تلك الأيام، التقيتُ للمرة الأولى، في 21 كانون الأول/ديسمبر 1978، بـآية الله روح الله الخميني، وأعترف أنّ ما رأيتُه قد جذبني وأسرني بعمق؛ حتى إنني شعرتُ أنني أقف أمام تجربةٍ لا نظير لها في التاريخ المعاصر.
قبل ذلك، كنتُ أظنّ أنّ عصر "الثورات الجماهيرية" — بالمعنى الحقيقي للكلمة — قد انتهى؛ وذلك لأنّ اختراع هذا الكمّ من الأسلحة العسكرية المتطوّرة والمدافع الجاهزة للإطلاق، قد غيّر ميزان القوى بين الشعوب الثائرة والحكومات المسيطرة.
وبناءً على تجربة الثورة المصرية وسائر البلدان العربية، وكذلك دول العالم الثالث، كنتُ أرى أنّ كلّ ثورةٍ جديدة لا بدّ أن يكون أمامها أحد طريقين:
1. إما أن تكون القوات المسلحة — بدباباتها — هي التي تتقدّمها؛
2. أو على الأقل أن تُرغَم هذه القوات على الحياد وأن تنال الثورة دعمها.
وكان تصوّري أنّ الثورة السوفياتية هي آخر ثورةٍ استطاعت فيها الجماهير غير المسلحة أن تحطّم جيشاً تابعاً للحكومة وتغلبه؛وذلك في ظروفٍ كان فيها ذلك الجيش قد هُزم مسبقاً أمام الألمان وفقد قدرته،بحيث خسر تسعة أعشار سلاحه في تلك المعركة، قبل أن يفقد العُشر الباقي أمام الثوّار!
لكنّ الثورة الإيرانية كانت ظاهرةً أخرى؛ ظاهرةً في تعارضٍ مع كلّ ما رأيناه واختبرناه خلال ستين عاماً، من 1917 إلى 1977. إنها ثورةٌ شعبية؛ انتفاضةُ أمةٍ بأيدٍ خالية في مواجهة جيشٍ في ذروة قوته… ثورةٌ مختلفةٌ إلى أقصى حدّ… ثورةٌ دينية، بل إسلامية على وجه الخصوص…".
️ نعم…
إنّ هذه الهبّة الشعبية، هذا الفوران المنبثق من الإيمان والوعي، وهذا الحضور الفريد للجماهير — ذاك الذي صوّره محمد حسنين هيكل بالتعبير الخالد "مدافع آية الله" — لم يخمد عبر الزمن، بل ظلّ، في منعطفات التاريخ الحاسمة، يتجدّد كلّ مرةٍ أشدَّ دويّاً، وأعمق وعياً، وأدقَّ توجّهاً، حتى بات هو الذي يتولّى زمام المشهد.
وهذه "المدفعية الشعبية"، وإن كانت في تلك الأيام تُجسَّد بأيدٍ عارية وقلوبٍ مفعمة بالإيمان، فقد اكتسبت، على امتداد مسيرتها التاريخية، صوراً وأدواتٍ جديدة تفرضها مقتضيات الزمان؛حتى ليصحّ القول: إنّ مدافع ذلك اليوم، "مدافع آية الله"، قد تجلّت اليوم في صورة "وقود الصواريخ" الدفاعية لإيران، وقد تَحدَّثت بلسان العصر؛ غير أنّ حقيقتها لم تتبدّل: إرادةٌ جماعية، وإيمانٌ راسخ، وحضورٌ قادرٌ على تغيير المعادلات.
وها هو ما يتردّد صداه في هذه الأيام والليالي الدامية، في ساحات وميادين طهران العاصمة وسائر أرجاء هذه البلاد، إنما هو رجعُ ذلك الوعد الذي أطلقه الإمام روح الله الخميني، والذي عبّر عنه، بيقينٍ مستمدّ من معرفته بالشعب، الإمام السید علي الخامنئي قائلاً:
"إنّ الشعب، بحضوره في الشوارع، سيردّ على هذه التهديدات".
وهذا الحضور ليس مجرّد ردّ فعل، بل هو امتدادٌ لسنّةٍ تاريخية؛سنّةٍ نهض فيها الشعب الإيراني، في كلّ مرةٍ واجه فيها التهديد والإملاء، فقام بأيدٍ ملؤها اليقين، لا يهاب، ولا يتراجع، حتى يبدّل مجرى التاريخ.
وهذا هو الجواب القاطع، الواضح الذي لا لبس فيه، الذي قدّمه ويقدّمه هذا الحراك الشعبي الفريد، لتخرّصات الطامعين في السلطة، وصُنّاع العنف والحروب — أولئك الذين يجلسون اليوم على عروش القوة في المنطقة وخارجها —؛ إنه جوابٌ ينبعث من أعماق التاريخ، ومن هوية أمةٍ، ومن إيمانها الراسخ.
ولكن… هل من عيونٍ تُبصر؟ هل من آذانٍ تسمع؟ هل من قلوبٍ تعي؟
«وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لَّا یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا یَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِکَ کَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِکَ هُمُ الْغَافِلُونَ».
قلوبٌ تنبض، لكنها لا تفقه؛ وأعينٌ تنظر، لكنها لا تُبصر الحقيقة؛ وآذانٌ تسمع، لكنها لا تُدرك نداء اليقظة…
وهكذا، في صخب التاريخ، يبقى الذين يعجزون عن إدراك هذه الحقيقة متخلّفين عن ركب الوعي، تائهين في ظلمات الغفلة، لا يهتدون سبيلاً…