كيف تتحوّل الحرب على إيران إلى معركة وعي تُدار بالخوف والتضليل؟
أخطر ما في الضجيج ليس احتمال أن يكون تمهيداً لضربة، بل قدرته على تحويل الناس إلى أدوات داخل معركة لا يرون خرائطها أو تجترّ ما يُنشر وما يُقال وتستهلكه كما هو فقط.
-
في التحليل النفسي، يمكن قراءة هذا الصراع بوصفه صراعا على "إدارة القلق" (أرشيف).
في التجربة الأخيرة التي سبقت عمليات عسكرية كبرى، ظهر نمط متكرّر: خطاب تهدئة في العلن ("نؤمن بالدبلوماسية، خلال أسبوعين سأتخذ قراراً، قرب وقف الحرب..) بالتزامن مع إشارات جاهزية في الميدان ومع تسريبات محسوبة عبر الإعلام كالتي سبقت عملية الأسد الصاعد التي أقرّ الإعلام الإسرائيلي نفسه أنّه كان جزءًا من بنية الخداع في بناء سردية وجود خلاف ما بين نتنياهو وترامب قبيل انطلاق العملية في ساعة صفرها.
حين لا يستطيع الخصم ولا الجمهور تمييز ما هو مؤشّر حقيقي ممّا هو تضليل، يصبحان في حالة يقظة مستنزفة، وتصبح القرارات بطيئة، وردود الفعل متسرعة، والقدرة على التقدير العقلاني أضعف.
فهم الحالة من منظور علم النفس العيادي
الخوف ليس شعورًا فقط، بل منظومة متشابكة: تحدد أين ينظر الناس، وماذا يصدقون، وكيف يتصرّفون. حين تتكرر الرسائل من نوع "الليلة هي الليلة" ثم لا يحدث شيء، يتكون ما يشبه "التعوّد الانفعالي" لدى البعض (لا مبالاة، سخرية، جلد للذات)، بينما يتكوّن لدى آخرين "فرط يقظة" مزمن (أرق، تفقد متكرر للأخبار، استعداد للهلع). كلا الطرفين يخدم المعركة النفسيّة: الأول يتراخى أمام إشارات حقيقية محتملة، والثاني ينهار قبل الحدث ويستهلك نفسه.
عندما تتضارب الأخبار (مثلاً: "المجال الجوي خالٍ" مقابل "الطيران المدني يعمل كالمعتاد"، أو "لا نشاط غير اعتيادي" مقابل "رصد تشويش GPS وتحركات تزويد بالوقود") يواجه العقل تنافرًا: لا يستطيع جمع قطع "البازل" في صورة واحدة مستقرة. فيستعيض عن ذلك برواية تفسّر كل شيء: "كلها خدعة" أو "كلها مقدّمة للضربة". الروايات المريحة نفسيًّا تنتشر أسرع من الحقائق البطيئة، لأنها تخفض التوتر عبر يقين مصطنع. وهنا يصبح الإعلام منصّة لإنتاج "يقين سريع" أكثر منه لإنتاج معرفة دقيقة. بهذا المعنى، تصبح الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة أيضًا كساحة اختبار: من يملك القدرة على ضبط الانفعال الجمعي يمتلك جزءاً من التفوق.
في التحليل النفسي، يمكن قراءة هذا الصراع بوصفه صراعاً على "إدارة القلق": القلق الجماعي يبحث عن موضوع محدد ليعلّق عليه ("موعد الضربة") لأن الغموض أصعب احتمالاً من الخطر المحدد. لذا نرى تعلّقًا مرضيًّا بساعة الصفر: كلّ دقيقة تصبح قابلة للتأويل، وكلّ حركة طيران قابلة للتحويل إلى نبوءة. هنا يتراجع التفكير الواقعي لمصلحة ما يسّمى "تفكير الرغبة" أو "التفكير الكارثي": إما التمنّي بأنّ الضربة ستنهي كلّ شيء، أو الخوف بأنّ الضربة ستفتح كلّ شيء. وفي الحالتين يصبح الوعي رهينة إيقاع الأخبار.
وإذا كان هذا هو توصيف ما يحصل، فمن المهم الوقوف على بعض من أهداف "الحرب الوقائيّة" نفسيًّا وإعلاميًّا، فهي ليست إنكارًا ولا تهويلاً، بل بناء مناعة إدراكيّة وسلوكيّة يحتاجها الجمهور المقاوم والمتابع المترقّب لكل ما يحصل من حوله:
1. فصل الخبر عن الانفعال: اسأل دائماً: هل هذه معلومة مؤكّدة أم "تقدير" أم "تسريب" أم "منصات"؟ كثير مما يُتداول يقع في خانة "إشارات" لا "وقائع" ويعود إلى مصادر غير موثوقة.
2. إدارة التعرّض: الإفراط في المتابعة لا يزيد الفهم، بل يزيد القلق. ضع لنفسك نوافذ زمنية محددة للمتابعة، وتجنب التحديث اللحظي الذي يحول الدماغ إلى جهاز إنذار.
3. مقاومة "يقين الرواية": لا تسلّم سريعاً لقصتين سهلتين: "كلها تضليل" أو "كلها حتمية". الواقع في الأزمات غالبًا خليط من تهيّؤات حقيقيّة وتضليل وتنافس سرديّات.
4. ضبط العدوى داخل العائلة والمجتمع: الأطفال والمراهقون يلتقطون القلق من الكبار لا من الأخبار فقط. لغة البيت من المفيد أن تكون: "نستعد بهدوء، وننتظر المصادر الموثوقة، ولا نضخّم".
5. ترجمة الضجيج إلى مؤشّرات عمليّة: بدل الانشغال بموعد الضربة، انشغل بسؤال: ما الذي يمكنني فعله الآن في ظلّ كل ما يحصل؟ هذه هي النقلة من قلق عائم إلى فعل صحّي.
لهذا، فإنّ أخطر ما في الضجيج ليس احتمال أن يكون تمهيدًا لضربة، بل قدرته على تحويل الناس إلى أدوات داخل معركة لا يرون خرائطها أو تجترّ ما يُنشر وما يقال وتستهلكه كما هو فقط، لذلك فالمقاومة هنا ليست شعارًا، بل مهارة: أن تحمي وعيك من الاستنزاف، وأن تميّز بين الاستعداد والهلع، وأن تفهم أنّ عدم اليقين قد يكون مقصودًا، لكنّك لست مضطرًّا لأن تدفع ثمنه نفسيًّا كلّ ليلة.