الحرب على لبنان بين مشروع الإلغاء وغياب التسوية

الحروب التي تُبنى على منطق الإلغاء الكامل تترك عادة مجتمعات أكثر انقساماً ودولاً أكثر هشاشة. ولبنان، بتعقيداته الطائفية والسياسية والاجتماعية، ليس ساحة يمكن إعادة تركيبها بسهولة عبر القوة العسكرية فقط.

  • المشكلة الحقيقية اليوم ليست فقط في مصير حزب الله، بل في مصير لبنان نفسه (أرشيف).
    المشكلة الحقيقية اليوم ليست فقط في مصير حزب الله، بل في مصير لبنان نفسه (أرشيف).

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على لبنان، بدا واضحاً أن المشهد الإقليمي والدولي لا يتحرك وفق منطق وقف الحرب بقدر ما يتحرك وفق منطق إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة.

فالمفارقة الكبرى تكمن في أن الإرادة الدولية والعربية ظهرت شديدة الوضوح والحزم عندما تعلق الأمر بملف سلاح حزب الله، لكنها بدت باهتة ومترددة وعاجزة عندما تعلق الأمر بوقف الحرب الإسرائيلية نفسها أو حماية لبنان من التدمير والانهيار.

في السنوات الماضية، كان النقاش الدولي حول حزب الله يدور غالباً ضمن إطار الاحتواء والعقوبات والضغوط السياسية والمالية.

أما اليوم، فقد انتقل جزء كبير من هذا النقاش إلى مستوى مختلف تماماً: مستوى السعي لإنهاء دور الحزب العسكري والسياسي بالقوة، أو على الأقل دفعه إلى مرحلة عجز إستراتيجي دائم. وهذا التحول لم يأتِ فقط نتيجة الحرب الأخيرة، بل نتيجة تراكم طويل من التحولات الإقليمية والدولية التي جعلت وجود الحزب، بالنسبة إلى كثير من العواصم، جزءاً من أزمة الشرق الأوسط لا جزءاً من توازناته.

 الولايات المتحدة ومن ورائها "إسرائيل"، ترى أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة رسم البيئة الأمنية في المنطقة بعد السابع من أكتوبر، و "إسرائيل" ترى أن الحرب لم تعد مجرد رد على تهديد حدودي، بل معركة وجودية لكسر محور كامل يمتد من طهران إلى جنوب لبنان.

أما قسم من الدول العربية، وخصوصاً تلك التي دخلت في مسار تسويات وتحالفات جديدة مع "إسرائيل"، فينظر إلى إضعاف حزب الله باعتباره مدخلاً لإعادة ترتيب النظام الإقليمي وتقليص النفوذ الإيراني في العالم العربي، ولا يخرج تصريح أمين عام مجلس التعاون الخليجي الأخير حول تأكيد أن حزب الله بكل فروعه منظمة إرهابية عن هذا السياق.

ولا تكتمل قراءة المشهد من دون التوقف عند البعد اللبناني الداخلي، فالحرب لم تكشف فقط عن وجود إرادة دولية وعربية لإضعاف حزب الله، بل أظهرت أيضا وجود فئة لبنانية سياسية باتت تلتقي مع هذا التوجه.

غير أن المشكلة تكمن في أن هذا التقاطع بين بعض القوى اللبنانية والعواصم العربية والغربية يتوقف غالباً عند هدف إضعاف حزب الله أو إنهائه، من دون وجود رؤية متفق عليها لما بعد ذلك. فإسقاط توازن قائم شيء، وبناء دولة قادرة على إدارة التعددية اللبنانية وحماية الاستقرار شيء آخر تماماً.

ووسط هذا التوافق الواسع على ضرورة إنهاء أو إضعاف الحزب، يبرز سؤال أخلاقي وسياسي خطير: أين الإرادة نفسها عندما يتعلق الأمر بوقف الحرب على لبنان؟

فحتى اللحظة، لا توجد مبادرة دولية جدية بحجم الكارثة القائمة. لا مشروع سياسياً متكاملاً، ولا ضغط حقيقياً لفرض وقف دائم لإطلاق النار، ولا رؤية واضحة لإنقاذ الدولة اللبنانية من الانهيار الكامل. وكأن المجتمع الدولي مستعد لإدارة تدمير لبنان، لكنه غير مستعد للاستثمار في إنقاذه.

هذا الغياب لا يمكن فصله عن نظرة أعمق باتت تتشكل تجاه لبنان نفسه. فهناك اقتناع متزايد لدى قوى دولية وإقليمية بأن الدولة اللبنانية، بصيغتها الحالية، أصبحت عاجزة عن إنتاج الاستقرار أو فرض السيادة أو إدارة التوازن الداخلي. لذلك تبدو الحرب، بالنسبة إلى بعض العواصم، فرصة لإعادة صياغة لبنان سياسياً وأمنياً، حتى لو جرى ذلك تحت النار والدمار.

الأخطر كما أسلفنا أن جزءاً من العالم العربي لم يعد يتعامل مع الحرب بوصفها مأساة لبنانية فقط، بل بوصفها معركة لإغلاق مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة؛ مرحلة صعود الحركات المسلحة المرتبطة بالمحور الإيراني. ومن هنا، يمكن فهم الصمت العربي الواسع، إذ لا  مواقف إنسانية تجاه المجازر التي يقوم بها العدو الإسرائيلي منذ أكثر من عامين، ولا موقف لجامعة الدول العربية يرتقي إلى مستوى الضغط السياسي الحقيقي لوقف الحرب.

لكن التاريخ يقول إن محاولات إنهاء القوى العسكرية بالقوة وحدها لا تعني بالضرورة إنتاج استقرار. فالحروب التي تُبنى على منطق الإلغاء الكامل تترك عادة مجتمعات أكثر انقساماً ودولاً أكثر هشاشة. ولبنان، بتعقيداته الطائفية والسياسية والاجتماعية، ليس ساحة يمكن إعادة تركيبها بسهولة عبر القوة العسكرية فقط.

المشكلة الحقيقية اليوم ليست فقط في مصير حزب الله، بل في مصير لبنان نفسه. لأن أي مشروع دولي أو إقليمي يقوم على إزالة قوة داخلية من دون بناء دولة فعلية قادرة على حماية الناس وملء الفراغ، قد يدفع البلاد إلى مرحلة أخطر من الفوضى والانقسام والانهيار الطويل.

ولهذا تبدو الصورة الحالية شديدة القسوة: إرادة دولية وعربية واضحة لإنهاء ملف حزب الله، مقابل غياب إرادة مماثلة لإنهاء الحرب، أو حماية لبنان، أو بناء تسوية تاريخية تنقذ الدولة والمجتمع معاً.