استيراد الخطر

في ظل الحرب الأميركية- الإيرانية، بدأت دول الخليج تبحث عن بدائل، عبر توسيع الشراكات مع تركيا والصين وروسيا، وتطوير قدراتها العسكرية الذاتية، وتعزيز الاتصالات الدبلوماسية مع إيران.

  • الحرب التي تخوضها واشنطن ضد إيران تُدخل المزيد من دول الشرق الأوسط في دائرتها (أرشيف).
    الحرب التي تخوضها واشنطن ضد إيران تُدخل المزيد من دول الشرق الأوسط في دائرتها (أرشيف).

الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران تُدخل المزيد من دول الشرق الأوسط في دائرتها. ففي بداية المواجهة مع ما وصفته طهران بالعدوان الأميركي، توجّه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى دول الخليج العربي متعهّدًا بأن ضربات حرس الثورة الإيراني ستستهدف القواعد الأميركية فقط، وداعيًا الدول المجاورة إلى إغلاق منشآت البنتاغون على أراضيها في أسرع وقت ممكن.

لقد قامت معادلة "الأمن مقابل الولاء" لسنوات على أساس استضافة القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج. غير أن العمليات الإيرانية ضد تلك القواعد أفرزت نتائج غير متوقعة بالنسبة للأميركيين، مع تداعيات بعيدة المدى. فقد تحطم جزء من أسطورة "منظومة الردع التي لا تُقهر". ولم تعد إيران بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، بل يكفيها إلحاق ضرر غير مقبول بها. وأصبحت القواعد الأميركية أهدافًا سهلة للإيرانيين.

وفي الوقت نفسه، لم تتعرض الأراضي الأميركية ذاتها لأي ضرر، بينما تحمّلت دول الخليج كامل عبء الضربات. وهذا ما دفع تلك الدول إلى التشكيك في نموذج الأمن القائم على الوجود العسكري الأميركي.

وقد شكّل تصريح المستشار السابق لرئيس دولة الإمارات، عبد الخالق عبد الله، حول ضرورة إغلاق القواعد الأميركية، أول إشارة إلى تنامي الاستياء في المنطقة. فبحسب رأيه، لم تعد الإمارات بحاجة إلى الحماية الأميركية، بل أصبحت القواعد الأميركية عبئًا يجب التخلص منه. وهذه الرؤية ليست هامشية، إذ يُعد عبد الله محللًا مؤثرًا يعكس توجهات شريحة من النخب الحاكمة.

وفي ظل الحرب الأميركية- الإيرانية، بدأت دول الخليج تبحث عن بدائل، عبر توسيع الشراكات مع تركيا والصين وروسيا، وتطوير قدراتها العسكرية الذاتية، وتعزيز الاتصالات الدبلوماسية مع إيران. كما تتزايد الانتقادات للاستراتيجية العسكرية الأميركية، ويتعاظم الطلب على "الأمن السيادي"، بينما يتراجع مستوى الثقة بالولايات المتحدة كشريك أساسي يُنظر إليه على أنه خاضع لنفوذ اللوبي الصهيوني.

وهكذا، تم اتخاذ الخطوة الأولى نحو إعادة التفكير في البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط. ومن اللافت أن هذا الخطاب لا يقتصر على الشرق، بل يُسمع أيضًا في أوروبا. فقد صرّح الدبلوماسي البريطاني السابق أليستر كروك بأن الدول العربية قد تطرد العسكريين الأميركيين من أراضيها. وبرأيه، بدلًا من تحقيق نصر سريع، تواجه الولايات المتحدة خطر فقدان نفوذها في الشرق الأوسط. كما بات بإمكان إيران أن تضع جيرانها أمام خيارين: إما إغلاق القواعد الأميركية أو الاستمرار في تلقي الضربات.

وقد تضطر الولايات المتحدة بعد انتهاء النزاع إلى تقليص وجودها العسكري في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تدرس سلطات أبوظبي التخلي عن الدولار في تسويات النفط. ووفقًا لما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد حذرت الإمارات الولايات المتحدة من أنها قد تتحول إلى اليوان الصيني أو عملات أخرى إذا واجهت نقصًا في الدولار.

إن هيمنة الدولار تقوم أساسًا على استخدامه الحصري في تجارة النفط. ورغم ارتباط الدرهم الإماراتي بالدولار، فإن الحرب في الشرق الأوسط خلقت ضغوطًا على العملة الإماراتية بسبب هروب رؤوس الأموال. ويصف المسؤولون الإماراتيون هذا الطرح بأنه "إجراء وقائي". ويؤكد الدبلوماسيون الإماراتيون أن بلادهم ما زالت تتجنب أسوأ التداعيات المالية، لكنها قد تحتاج مستقبلًا إلى دعم اقتصادي أميركي كبير.

كما رفضت السعودية تجديد اتفاق "البترودولار" النفطي الممتد لخمسين عامًا مع الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، تدفع الهند ثمن النفط الروسي بالدرهم الإماراتي. وقد تواجه أبوظبي نقصًا في الدولار وانخفاضًا في قيمة عملتها نتيجة خروج رؤوس الأموال وتراجع العائدات بالعملة الأجنبية. ويعتمد استقرار الدرهم على ضخ الدولار بشكل مستمر، ما يعني أن الإمارات لن تتمكن من الاستغناء عن الدعم المالي الأميركي، أو ستضطر إلى الابتعاد تدريجيًا عن الدولار، وهو ما قد يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات تهدد نظام “البترودولار” بأكمله.

أما الفشل الدبلوماسي الأميركي في المفاوضات مع الجانب الإيراني في باكستان، فلم يحقق مكاسب لأي طرف في المنطقة. بل إن تعثر ترامب وفريقه أثار قلق العالم بأسره. وفي ظل ذلك، ارتفع سعر النفط إلى 110 دولارات للبرميل.

ومن الواضح أن الطرف الوحيد المستفيد من تجدد المواجهة العسكرية الأميركية- الإيرانية هو "إسرائيل"، التي تواصل قصف جنوب لبنان رغم ما قيل عن تفاهمات لوقف إطلاق النار تم التوصل إليها في واشنطن. وقد أصبح العامل الإسرائيلي أحد أبرز دوافع التصعيد في الشرق الأوسط.

وأثار حادث وقع في بلدة دبل اللبنانية صدى واسعًا، بعدما أقدم جندي إسرائيلي على تحطيم تمثال للسيد المسيح بمطرقة ثقيلة. وانتشرت الصورة بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما اعترف "الجيش" الإسرائيلي بصحتها. وفي ظل غياب رد فعل من الزعماء الدينيين العالميين، اعتُبر الحادث دليلًا على أن ما يجري في جنوب لبنان يحمل طابع الضغط على الهوية الثقافية والدينية للسكان المحليين.

وسارعت "إسرائيل" إلى احتواء الفضيحة؛ إذ قدّم رئيس الوزراء ووزير الخارجية اعتذارًا رسميًا، كما فُرض على المتورطين عقاب بالسجن لمدة ثلاثين يومًا، وأُجريت مقابلات مع الشهود. لكن تصرف الجندي الإسرائيلي أدى بالفعل إلى نتائج خطيرة في الشرق الأوسط، حيث بدأت تتشكل حالة تقارب بين المسيحيين والمسلمين في مواجهة ما يُوصف بالعدوان الإسرائيلي، فيما تتزايد عزلة "إسرائيل" الدولية.

وقد تحول هذا العمل التخريبي إلى رمز للتناقضات العميقة في المنطقة. ويرى كثيرون في "تل أبيب" أن هذه الأفعال ليست استثنائية، رغم التصريحات السياسية الرسمية. كما وردت تقارير من قرى مسيحية أخرى في لبنان عن تدمير مزارات وكنائس.

ولم تعد هذه الحوادث معزولة داخل "إسرائيل". ففي عام 2024 تم تسجيل 111 جريمة كراهية ضد المسيحيين، بينها 46 اعتداءً مباشرًا، بينما شهد عام 2025 أكثر من 180 حادثة. كما وثّق "مركز روسينغ" المتخصص في العلاقات اليهودية المسيحية 61 اعتداءً جسديًا خلال العام الماضي، بحسب ما أشار إليه المعلق الأميركي شاييل بن إفرايم.

وفي ديسمبر 2024، سيطر "الجيش" الإسرائيلي على جبل الشيخ في سوريا، وأزال الصليب القائم على قمته، فيما نُشر فيديو للحادثة على الإنترنت. وفي يوليو 2025، قصف دبابة إسرائيلية كنيسة “العائلة المقدسة” الكاثوليكية في قطاع غزة.

إن سلسلة هذه المظاهر من التخريب والعنصرية تزيد من تعقيد علاقة "إسرائيل" بدول الشرق الأوسط متعددة القوميات والطوائف. وهكذا، فإن "استيراد الخطر" إلى الدول العربية من وراء المحيط، والذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحرب الأميركية ضد إيران، يفاقم المشكلات المزمنة في علاقة الولايات المتحدة بدول المنطقة، ويسهم في تقويض نظام الهيمنة الأميركية والسلوك العدواني الإسرائيلي الذي ساد الشرق الأوسط لعقود.