"دي فانس" يكشف أولوية واشنطن النفطية! طهران: صنبور الوقود والغذاء في يدي

إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب حوّل الصراع الأميركي-الإيراني إلى أزمة عالمية تهدّد أمن الطاقة والغذاء والتجارة وتعيد تشكيل موازين القوى الدولية.

  • "دي فانس" يكشف أولوية واشنطن النفطية! طهران: صنبور الوقود والغذاء في يدي

لم يعد العدوان الأميركي الصهيوني على إيران يدور حول البرنامج النووي وحده، كما لم تعد القوة العسكرية أداتها الحاسمة الوحيدة. فبعد قرابة ستة أشهر من المواجهة، برز الاقتصاد بوصفه الجبهة الأكثر تأثيراً في حسابات الطرفين؛ إذ تحاول واشنطن خنق الموارد الإيرانية وعزل طهران عن التجارة والتمويل، بينما تستخدم إيران موقعها في مضيق هرمز لتقييد تدفّقات النفط ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي.

فمع الحديث عن استمرار إغلاق مضيق هرمز، وتعطّل المرور في أحد أهمّ شرايين النفط والغاز في العالم، عاد النقاش حول المضايق والقنوات البحرية إلى الواجهة، ليس بوصفها معابر جغرافية فحسب، بل باعتبارها عُقَداً حاكمة في بنية التجارة العالمية.

الآن تقف أسواق الطاقة العالمية والنظام الجيوسياسي الدولي على حافة أخطر منعطف تاريخي منذ عقود. إنّ التداعيات التي خلّفها تجدّد العدوان العسكري الأميركي، وما تلاه من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، تتجاوز في نطاقها مجرّد كونها أزمة إقليمية عابرة. لقد تحوّل التهديد النظري بإغلاق الشريان الملاحي الأهمّ في العالم إلى واقع ميداني واقتصادي ملموس خصوصاً بعد الإشارات بإغلاق باب المندب وهي شرايين لا يمكن تعويضها بسهولة، ما يفرض إعادة تقييم شاملة لأمن الطاقة العالمي.

وتكمن أهمية هذين الممرّين في أنهما يختصران الزمن والكلفة، ويسمحان بتدفّق السلع والطاقة عبر مسارات محدّدة لا يمكن استبدالها بسهولة. فمضيق هرمز وحده يمرّ عبره نحو 20 إلى 21 مليون برميل من النفط يومياً، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المُسال. وتُظهر البيانات أنّ 38% من تجارة النفط الخام البحرية العالمية، و29% من غاز النفط المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية المكرّرة تمرّ عبر هرمز.

تؤكّد المواجهة الأميركية - الصهيونية مع إيران، وأهمية مضيق هرمز، وصعود أدوار إقليمية مشبوهة، أنّ أمن الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية منفصلة، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن العالمي، وعليه فإنّ قمة الناتو التي عقدت في تركيا (7-8 تموز/يوليو 2026) يمكن فهمها بوصفها محاولة لإعادة صياغة موازين القوى، وبناء نظام ردع جديد يقوم على القوة العسكرية، والتحالفات المرنة، بهدف محاصرة إيران والسيطرة على الممرات المائية، في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التنافس الجيوسياسي المفتوح.

تكتسب هذه الممرات (هرمز ــــ باب المندب) أهميتها من كونها نقاط اختناق تمرّ عبرها كميات ضخمة من النفط والغاز والحاويات والمواد الغذائية والمواد الأولية. وأيّ اضطراب فيها لن يبقى محصوراً في محيطه الجغرافي، بل سيمتدّ سريعاً إلى أسعار الشحن والطاقة والتأمين والغذاء، ثم إلى التضخّم والنموّ والديون العامّة، وخصوصاً في الاقتصادات الأشدّ هشاشة.

وتظهر البيانات أنّ النقل البحري يسيّر أكثر من 80% من التجارة العالمية، وأنّ بعض المضايق، وفي مقدّمتها هرمز وباب المندب والسويس وملقا، تمثّل شرايين لا يمكن تعويضها بسهولة.

تجاوز الصراع الثنائي 

يمثّل بحر الخليج أحد أهمّ المراكز الاستراتيجية التي تؤثّر في حسابات القوى الكبرى، بسبب موقعه المرتبط بإمدادات الطاقة العالمية، ولذلك فإنّ أيّ تهديد لأمن المنطقة لا يُنظر إليه باعتباره أزمة إقليمية فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي. ويأتي مضيق هرمز في مقدّمة هذه الحسابات وكذلك باب المندب، باعتبارهما أهمّ الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ولذلك فإنّ استمرار التصعيد الأميركي سيؤدّي إلى تعطيل حركة الملاحة فيه وسيكون له تأثير واسع على أسعار النفط والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

لن تخسر إيران ورقة مضيق هرمز بالمعنى الجغرافي أو العسكري المباشر؛ ولا توجد حتى الآن شبكة بديلة قادرة على نقل جميع كميات النفط والغاز التي كانت تعبره. لكنّ السياسة الأميركية التي توظّف "الناتو" في حروبها العبثية تعمل على إضعاف طهران ودفعها لخسارة جزء متزايد من القيمة السياسية والاستراتيجية لهذه الورقة، بهدف تحويل أمن الممرات البحرية إلى قضية دولية تتجاوز الصراع الثنائي مع الولايات المتحدة وإيران.

لقد دفعت الأزمة دول الخليج والمستوردين الآسيويين وشركات الشحن إلى تسريع البحث عن خطوط أنابيب وموانئ ومصادر طاقة ومسارات تجارية بديلة، ولكن دون ذلك صعوبات، فالبحث يحتاج لسنوات لكي تستقرّ إمدادات هذا الدول في أسواق العالم.

لقد أثبت إغلاق المضيق أنّ إيران قادرة على إحداث صدمة كبيرة، وأثبت في الوقت نفسه أنّ السوق الدولية لا تستطيع التكيّف ولو جزئيّاً مع هذه الصدمة. وهنا تكمن المفارقة: كلما استخدمت طهران هرمز بصورة أشدّ، اتسعت الضغوط القانونية والعسكرية والسياسية الهادفة إلى انتزاع السيطرة الإيرانية المنفردة على الممرّ منها.

أما انتقال التهديد الإيراني نحو البحر الأحمر وباب المندب، فلا يعني أنّ هرمز أصبح بلا جدوى، بقدر ما يكشف أنّ ورقة واحدة لم تعد كافية لتحقيق جميع أهداف طهران. لكنه يكشف أيضاً حدود استراتيجية إغلاق المضائق، لأنّ توسيع المواجهة من الخليج إلى البحر الأحمر قد يرفع تكلفة الحرب على العالم، إلا أنه يضاعف في المقابل عدد الدول المتضررة من السياسة الإيرانية، ويحوّل أمن الممرات البحرية إلى قضية دولية كما أسلفنا سابقاً.

"هرمز" يتقدّم على "النووي"

بعد العدوان الصهيوأميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي بدأ في 28 شباط/فبراير، انتقلت طهران من التهديد النظري إلى تعطيل الملاحة وفرض ترتيبات جديدة للعبور. وبذلك لم يعد هرمز مجرّد ورقة ردع، بل أصبح ساحة مواجهة فعلية ومحوراً للتفاوض على مستقبل الحرب والنظام الأمني في الخليج والإقليم. وتشير مصادر إلى أنّ القيادة الإيرانية أصبحت تنظر إلى السيطرة على المضيق بوصفها أصلاً استراتيجيّاً يتقدّم، في بعض الحسابات، حتى على البرنامج النووي؛ لأنها تعتقد أنّ الضغط الاقتصادي الناتج من الإغلاق كان من الأسباب التي دفعت واشنطن إلى قبول وقف مؤقت للقتال والتفاوض على مذكّرة تفاهم في حزيران/يونيو.

ويمكن تفسير هذا التحوّل بطريقتين متعارضتين ظاهريّاً؛ الأولى أنّ إيران تحاول مضاعفة الضغط: فإذا أتاحت خطوط الأنابيب السعودية نقل النفط إلى البحر الأحمر لتجاوز هرمز، فإنّ تهديد باب المندب يعرّض المسار البديل نفسه للخطر، وهو ما تكفّلت بها صنعاء/ اليمن منذ أسابيع. وبذلك تعمل طهران على منع دول الخليج من الالتفاف على الإغلاق وتحويل منظومة الممرات البحرية كلّها إلى ساحة واحدة مترابطة.

وبذلك لا يدلّ التوتر في البحر الأحمر على انعدام جدوى هرمز، وإنما يدلّ على أنّ إيران انتقلت من استراتيجية المضيق الواحد إلى استراتيجية شبكة الاختناقات البحرية. 

وكشفت التصريحات الأميركية الأخيرة عن تحوّل لافت في ترتيب الأولويات. فقد أعلن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أنّ الهدف الأول في المرحلة الحالية هو الحفاظ على أسعار منخفضة للنفط والغاز داخل الولايات المتحدة وإعادة تدفّق الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما أصبح منع إيران من امتلاك سلاح نووي الهدف الثاني. ولا يعني ذلك تراجع أهمية الملف النووي، لكنه يوضح أنّ واشنطن اكتشفت أنّ استمرار الحرب يهدّد بإنتاج أزمة اقتصادية داخلية قد تصبح أكثر إلحاحاً من الهدف الأمني الذي بدأت المواجهة باسمه.

لا يمكن قراءة إغلاق مضيق هرمز من زاوية أسواق الطاقة والنفط فحسب؛ فالعالم اليوم يستيقظ على حقيقة أكثر رعباً! المضيق هو شريان الحياة الزراعي لكوكب الأرض. لذا، فإنّ توقّف الإمدادات عبر هذا الممر المائي الحرج لم يعد يهدّد بظلام المدن، بل بإفراغ رفوف الغذاء العالمية، مسبّباً "تأثيراً تسلسليّاً يمتدّ من حقول الأرز في آسيا إلى مزارع الذرة في أميركا اللاتينية.

هذا الترابط العضوي الصادم يكشف أنّ المضيق ليس مجرّد صنبور للوقود، بل هو العصب السري لشبكة التغذية العالمية، حيث تخرج من بوابته أطنان المدخلات الكيميائية والأسمدة الأساسية التي تعتمد عليها خصوبة التربة في نصفي الكرة الأرضية. وبالتالي، فإنّ أيّ اختناق في هذا الشريان لا يعني شلل وسائل النقل فحسب، بل يترجم فوراً إلى توقّف للآلات الزراعية، وعجز الفلاحين عن تأمين المغذّيات الحيوية لمحاصيلهم، ممّا يطلق شرارة تضخّم عالمي غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية. 

مخاطر جيوسياسية

إنها أزمة مركّبة تبدأ برأس مال طاقي وتنتهي بتهديد الوجود البشري في أقدس حقوقه وهو القوت اليومي، لتتحوّل الجغرافيا السياسية للمضيق من معادلة نفوذ عسكري إلى مسألة حياة أو موت للأمن الغذائي العالمي. 

هنا يتجلّى بوضوح أنّ إغلاق مضيق هرمز لم يعد حدثاً عسكريّاً محليّاً، بل هو زلزال بنيوي يضرب العمق الحيوي للأمن الغذائي العالمي عبر سلاسل توريد بالغة الحساسية والتعقيد، وهذا ما تريده طهران لدفع العالم للضغط على واشنطن ودفعها لفتح كوّة نور للتفاوض مع العاصمة الإيرانية. 

لقد أثبتت شظايا الصراع في الشرق الأوسط أنّ أمن إمدادات النفط والغاز لم يعد مسألة إنتاج وحصص لمنظمة "أوبك+"، بل بات رهينة للسياسة، والمدافع، وأمن المضايق؛ لتدخل أسواق الطاقة العالمية حقبة جديدة عنوانها الأبرز: التقلّب الدائم، والتسعير القائم على ذروة المخاطر الجيوسياسية.