مضيقا هرمز وباب المندب: فكّا كماشة جيو-اقتصادية لا يُستهان بها

كيف سيكون المشهد الاقتصادي العالمي في حال حدث ما لا يُرجى وتفعّلت هذه الكمّاشة الجيو-اقتصادية؟

  • الأهمية الإستراتيجية لمضيقي هرمز وباب المندب (وسائل التواصل الاجتماعي).
    الأهمية الإستراتيجية لمضيقَي هرمز وباب المندب (وسائل التواصل الاجتماعي).

في عام 2026، بينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل"، يعود مضيقا هرمز وباب المندب إلى واجهة الاقتصاد العالمي. هذان الممران الإستراتيجيان يشكلان شريانين حيويين للإمدادات النفطية والتجارة الدولية البحرية، وأي تعطيل أو إغلاق لهما يحمل في ثناياه تداعيات عميقة على أسواق الطاقة وعائدات الدول المصدّرة والتجارة الدولية.

الأهمية الإستراتيجية لمضيقَي هرمز وباب المندب

يُعدّ مضيق هرمز من أكثر نقاط الاختناق أهمية في العالم، إذ يمر عبره يوميًا نحو 19-21 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاتها، أي أكثر من 21% من الاستهلاك العالمي للنفط، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال المنقول بحرًا، معظمها من قطر. هذه الأرقام لا تمثّل مجرد حجم تجارة، بل نقطة اختناق لا بديل عملياً لها، على الأقل في الأجل القصير.

من ناحية أخرى، يعدّ مضيق باب المندب نقطة اختناق أخرى لها ثقلها الوازن أيضًا، إذ يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ويشكل بوابة حيوية لاستمرار تدفق البضائع والطاقة بين الشرق والغرب عبر قناة السويس. ويمر عبر مضيق باب المندب ما بين 8 إلى 9 ملايين برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل نحو 8-10% من تجارة النفط البحري العالمي.

ويشكل المضيقان معًا فكّي كماشة جيو-اقتصادية تُحكم بقوة على ممرات الطاقة والتجارة الدولية.

آثار العاصفة لا تنتظر وصولها

تجاوزت أسعار نفط خام برنت حاجز 70 دولارًا للبرميل (بأكثر من 5%) في نهاية الأسبوع الماضي (منذ يومين) على خلفية تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز، لتعاود الأسعار تراجعها الطفيف (بمقدار 45 سنتًا) مع بداية جولة أخرى من مفاوضات جنيف النووية.

وتؤكد التجربة الحديثة أن الأسواق لا تنتظر الإغلاق الفعلي. ففي حزيران/ يونيو 2025، ومع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 7% في خلال أيام، رغم عدم تسجيل أي انقطاع فعلي في الإمدادات. بمعنى أن الارتفاع الحادث حينها جاء مدفوعًا بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وكلفة التأمين البحري، وتقلبات العقود الآجلة.

هذا السلوك يعكس تحوّلًا بنيويًا في تسعير النفط، الذي لم يعد محكومًا فقط بالعرض والطلب، بل بات وثيق الارتباط بالتوقعات الجيو-اقتصادية وسيناريوهات الصدمة.

التداعيات على اقتصادات الدول المنتجة

تقوم معظم اقتصادات الدول المنتجة للنفط والتي يمر إنتاجها عبر مضيق هرمز، مثل قطر والعراق والكويت والسعودية والإمارات، على عائدات النفط كمصدر رئيس للميزانية العامة، بمعنى أن أي تغير في أسعار النفط سينعكس على توازن ميزانياتها وأرصدة العجز أو الفائض فيها. وبالتالي، فإن استقرار تدفق صادرات النفط عبر مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسًا لاستقرارها المالي والاقتصادي.

وصحيح أن أي صدمة حقيقية أو تعطيل طويل قد يرفع أسعار النفط وعوائده بشكل معتبر، إلا أن هذا الارتفاع سيبقى حبرًا على ورق بالنسبة إلى دول المضيق، كونها لن تكون قادرة على تصدير إنتاجها أساسًا، وبالتالي فإن الأثر على حسابات ميزان المدفوعات هناك سيكون عكسيًا، ما قد يدفع حكومات هذه الدول إلى استنفاد الاحتياطيات الإستراتيجية وإجراء تعديلات قاسية في سياسات إدارة السيولة والاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية عجز الميزانية، ستنعكس جميعها على معدلات التضخم والبطالة والقوة الشرائية وسواها من المؤشرات الاقتصادية للدول المتضررة.

في الوقت نفسه، إذا ترافقت أزمة هرمز مع تعطيل باب المندب، وهو السيناريو الأسوأ في حال توسعت رقعة التوترات لتشمل اليمن كما هو متوقع بشدة، فإن حركة صادرات النفط بشكل عام ستُجبر ناقلات النفط لتغير مساراتها من البحر الأحمر إلى المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف 15 يومًا على الأقل، فضلًا عن توابعها من تكاليف ضخمة على الشحن.

هذه ليست مجرد مضاعفات لوجستية، بل هي تكاليف ستُترجم فورًا إلى أسعار أعلى للطاقة وتكاليف تشغيل أكبر للشركات الصناعية والنقل، ما سينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.

هل يدفع إغلاق المضيق أسعار النفط فوق حاجز الـ200 دولار؟

في هذا الإطار، حذّر تحليل صادر عن بنك "SEB" السويدي من أن إغلاق مضيق هرمز –حتى لو كان مؤقتًا– قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا.

ووفق تقديرات البنك، فإن تعطيل تدفقات الإمدادات العالمية عبر المضيق قد يرفع الأسعار بسرعة إلى 150-200 دولار للبرميل، مع احتمال تخطي هذه المستويات في حال طال الإغلاق أو اتّسع التصعيد العسكري. ما يجعل هذه الصدمة أخطر من صدمة 1973، ليس فقط بحجم الانقطاع ومدّته، بل أيضًا بهشاشة النظام المالي العالمي اليوم: تضخم مرتفع أصلًا، مستويات ديون قياسية، واعتماد واسع على الطاقة الأحفورية.

الأثر على الأسواق العالمية والتضخم

لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على الدول المنتجة فقط، بل هو في الواقع أداة تضخمية قوية. فعندما ترتفع أسعار الوقود والطاقة ترتفع معها تكاليف النقل والوقود للمصانع والمؤسسات التجارية، وتزداد تكلفة السلع الأساسية والنقل إلى المستهلك النهائي، ما يُثقل كاهل الأسر ويضغط على السياسات النقدية للبنوك المركزية.

هذه التداعيات تظهر جليًا في المؤشرات الاقتصادية الأساسية؛ فأسعار النفط الحقيقية تُعد جزءًا مهمًا من مؤشر أسعار السلع الأساسية، الذي يقيس التضخم في الطاقة والمواد الأولية الرئيسة. ويرتبط ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات فوق 100 دولار عادة بزيادة واضحة في معدلات التضخم في الاقتصادات العالمية، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بشكل جوهري على استيراد الطاقة.

ردود الفعل والسياسات الدولية

أمام هذا السيناريو المتوتر، تتجه سياسات الدول الاستهلاكية الكبرى نحو تفعيل احتياطات النفط الإستراتيجية للموازنة بين الطلب والعرض، وتعزيز التعاون العسكري والبحري الدولي لحماية الممرات البحرية، وتنويع مصادر الطاقة باتجاه الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد القصير على النفط التقليدي.

وتعمل الدول المنتجة نفسها على استعمال الأنابيب البديلة والخطوط اللوجستية التي تُحيط بمضيق هرمز لتخفيف أثر أي تعطيل، لكن هذه البدائل تبقى محدودة في القدرة على التعامل مع حجم صادرات يتجاوز 20 مليون برميل يوميًا.

استنتاج: صدمة اقتصادية في قلب النزاعات

إن احتمال إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، جزئيًا أو كليًا، حتى لو كان مؤقتًا، يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مضاعفة تتمثل بارتفاع حاد في أسعار النفط، وضغوط تضخمية تتسرب إلى أسعار السلع الأساسية، وعجز محتمل في ميزانيات الدول المعتمدة على النفط. لذلك، لا يُنظر إلى هذا السيناريو كحادث عرَضي عابر أو أثر محدود يمكن إهماله عقلانيًا.

وأخيرًا، يبقى السؤال الجدّي: كيف سيكون المشهد الاقتصادي العالمي في حال حدث ما لا يُرجى، وتفعّلت هذه الكمّاشة الجيو-اقتصادية؟