ليس كل تفاوض سيادة: في تفنيد دفاع عون عن إطار واشنطن

جوهر المشكلة أنّ السلطة تطلب من اللبنانيين الثقة بنيّاتها، فيما الاتفاقات لا تُبنى على النيّات بل على النصوص والضمانات.

  •  أخطر ما في خطاب الرئيس هو خلط الاعتراض على الاتفاق بالفتنة (أرشيف).
    أخطر ما في خطاب الرئيس هو خلط الاعتراض على الاتفاق بالفتنة (أرشيف).

ليست المشكلة في أن يفاوض لبنان. ولا في أن تبحث الدولة عن مخرج من الحرب والدمار والتهجير. ولا في أن يطالب الجنوبيون، قبل غيرهم، بحقهم في العيش والأمن والعودة إلى قراهم.

المشكلة تبدأ حين تُحوَّل هذه الحقوق نفسها إلى ذريعة لقبول إطار ناقص الضمانات، غامض الآليات، معلّق النتائج، يطلب من لبنان تنازلات واضحة اليوم، مقابل وعود إسرائيلية مؤجّلة غداً. ومن هنا لا يكفي أن يقول رئيس الجمهورية إنّ "الإطار ليس مثالياً لكنه أفضل الممكن".

فأسوأ الاتفاقات في التاريخ لم تُقدَّم يوماً بوصفها مثالية، بل بوصفها "أفضل الممكن" في لحظة ضعف واختلال موازين.

دفاع الرئيس جوزاف عون عن "إطار واشنطن" قام على خمس حجج أساسية: أنّ لبنان فاوض عن نفسه، وأنّ الإطار ليس اتفاقاً نهائياً، وأنه لا يتنازل عن حقّ لبنان في مقاضاة "إسرائيل"، وأنه لا يشرعن الاحتلال بل يمهّد للانسحاب، وأنّ حصر السلاح منطق دولة نصّ عليه الطائف. غير أنّ هذه الحجج، عند تفكيكها، لا تبدّد المخاوف بل تؤكّدها.

أولى الحجج أنّ "لبنان يفاوض عن نفسه". وهذه عبارة صحيحة في ظاهرها، لكنها ناقصة في جوهرها. فليست السيادة أن يجلس لبنان إلى الطاولة فحسب، بل أن لا يجلس إلى طاولة صيغت شروطها لمصلحة الطرف الأقوى. التفاوض لا يكون سيادياً لمجرّد أنّ الوفد لبناني، إذا كان ميزان القوى مختلّاً، والوسيط غير محايد، والنتيجة تمنح العدو اعترافاً وطمأنة وتنازلات، من دون أن تنتزع منه جدولاً زمنياً ملزماً أو ضمانة تنفيذية صلبة. هنا يستعيد المرء تجربة أوسلو لا من باب التشبيه العاطفي، بل من باب العبرة السياسية: مفاوض ضعيف، أمام خصم محترف، ووسيط منحاز، وصياغات فضفاضة، ووعود مؤجّلة. بعد أوسلو، لم ينتهِ الاحتلال؛ بل تمدّد الاستيطان، وتحوّل المؤقت إلى دائم، وصار الغموض القانوني أداة لإدارة السيطرة لا لإنهائها.

وهذا هو جوهر الخطر في إطار واشنطن: أنه لا ينتزع من "إسرائيل" التزاماً واضحاً وقاطعاً بالانسحاب، بل يترك الانسحاب في منطقة الاحتمال والشرط والتقييم. لا يكفي أن تتضمّن الوثيقة كلاماً عن خروج إسرائيلي أو عودة نازحين أو أسرى أو جثامين. العبرة ليست في ذكر الحقوق، بل في طريقة ربطها. هل الانسحاب واجب فوري لأنّ الوجود الإسرائيلي احتلال؟ أم هو "إعادة انتشار" محتملة، مشروطة بأن تقرّر الولايات المتحدة و"إسرائيل" أنّ الجيش اللبناني وفى بالتزاماته؟ هنا تسقط حجّة "لم نشرعن الاحتلال". فالاحتلال لا يُشرعن فقط بالقول إنه مشروع، بل أيضاً بتحويل خروجه إلى مسألة تفاوضية مشروطة، وبنقل موقع المعتدي من طرف ملزم بالانسحاب إلى حكم يقيّم أهلية لبنان لاستعادة أرضه.

وليس بريئاً استعمال عبارة "إعادة انتشار" بدل الانسحاب. فالكلمات في الاتفاقات ليست زينة. "الانسحاب" يعني إنهاء الوجود غير المشروع. أما "إعادة الانتشار" فيمكن أن تعني تبديل المواقع، أو إعادة تنظيم الاحتلال، أو إبقاء منطقة أمنية باسم جديد. واللبنانيون يعرفون جيداً خطورة هذه العبارة؛ فقد وُعدوا سابقاً بـ"إعادة انتشار" سوري، فإذا بها تتحوّل إلى بقاء طويل. لذلك لا يصحّ أن يقال للبنانيين: لا تخافوا من الكلمات. في الاتفاقات، الكلمات تصنع الوقائع، والغموض غالباً ما يخدم الأقوى.

ثاني الحجج أنّ الإطار "ليس اتفاقاً بل إطار". وهذا الدفاع يوقع أصحابه في تناقض واضح. فإذا لم يكن اتفاقاً ملزماً، فلماذا يُطلب من اللبنانيين قبوله والدفاع عنه ومنحه فرصة تطبيق؟ وإذا كان سيرتّب التزامات ميدانية وأمنية وقانونية، فلماذا يُعفى من شروط النقاش الدستوري والوطني؟ لا يجوز للسلطة أن تستعمل الاسم الخفيف حين تُسأل عن الشرعية، ثم تستعمل الأثر الثقيل حين تريد التنفيذ. إما أنّ الوثيقة لا تُلزم، فلا تُنفّذ؛ وإما أنها تُلزم، فتخضع لكلّ شروط المعاهدة والرقابة والمساءلة. أما أن تكون "إطاراً" للتهرّب، و"اتفاقاً" للإلزام، فذلك تحايل في التسمية لا سياسة دولة.

ثالث الحجج أنّ المادة الـ13 لا تعني تنازل لبنان عن حقّه في مقاضاة "إسرائيل"، بل مجرّد تعليق للأعمال القانونية في المحافل الدولية ريثما تستكمل المفاوضات، مع بقاء حقّ المتضررين أو النقابات في التحرّك. وهذا جواب لا يكفي. فالتعليق نفسه تنازل مؤقت عن أداة سيادية في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى تفعيلها لا إلى تجميدها. اللجوء إلى المحافل القانونية والدبلوماسية الدولية ليس عملاً عدائياً، بل وسيلة سلمية لمحاسبة المعتدي. وإذا كان الهدف من الإطار تجنّب الحرب، فلماذا يُطلب من لبنان في الوقت نفسه أن يعلّق طريقاً سلمياً من طرق المطالبة بحقّه؟

ثمّ إنّ إحالة الضحايا إلى تحرّكات فردية أو نقابية لا تعوّض غياب الدولة. صحيح أنّ المتضرّرين قد يسعون إلى العدالة بوسائلهم، لكنّ الدولة تملك شخصية دولية ووسائل لا يملكها الأفراد. حين تقول الدولة إنها ستعلّق تحرّكها القانوني، ثمّ تقول للضحايا: اذهبوا أنتم، فهي لا تحمي حقّهم بل تتخفّف من واجبها. وهذا يضيّق خيارات لبنان الدبلوماسية والقانونية في وقت يفترض أن يوسّعها. الأخطر أنّ عبارة "الأعمال المناوئة" فضفاضة؛ وقد تُستخدم لاحقاً لمنع الشكوى، أو الاعتراض، أو طلب التحقيق، أو تحريك ملفات الانتهاكات. هكذا تتحوّل العدالة إلى بند مؤجّل، فيما لا يؤجَّل الاحتلال.

رابع الحجج أنّ الإطار يحقّق "منطق الدولة" لأنه يضع مساراً لحصر السلاح. غير أنّ منطق الدولة لا يبدأ بتلبية الشروط الأمنية للعدو، بل بضمان انسحابه الكامل وغير المشروط. نعم، الدولة هي صاحبة السيادة. ونعم، بناء سلطة الدولة على كامل أراضيها هدف وطني. لكنّ الدولة لا تُبنى حين يفرض العدو جدولها الداخلي. حصر السلاح مسألة لبنانية كبرى، لا تُحلّ تحت ضغط الاحتلال، ولا عبر اختبار أمني يقرّره الإسرائيلي أو الأميركي، ولا بتحويل الجيش إلى أداة مواجهة داخلية قبل إزالة سبب المواجهة الأول: الاحتلال والاعتداء. الطائف لم يكن وثيقة لتسليم الأرض ولا لتجريم المقاومة قبل زوال الاحتلال، كان وثيقة لإعادة بناء الدولة على قاعدة السيادة والوفاق والتحرير. ومن يستحضر الطائف عليه أن يستحضره كاملاً، لا أن يستعمله في وجه الداخل ويسكت عن الأرض المحتلة.

خامس الحجج أن لا بديل إلا الحرب أو الإطار. وهذه ثنائية مضلّلة. البديل عن اتفاق سيّئ ليس الحرب بالضرورة. البديل هو تفاوض أفضل، بشروط أوضح، وضمانات أقوى، ووسيط أقلّ انحيازاً، وجدول زمني ملزم للانسحاب، ونشر كامل للملحق الأمني، وعدم تعليق المسارات القانونية، وعدم رهن عودة الناس بطمأنة المستوطنات الشمالية. البديل هو أن لا يقدّم لبنان تنازلات قابلة للتنفيذ فوراً مقابل وعود قابلة للتأويل لاحقاً. البديل هو أن لا يوقّع لبنان على صيغة تترك للولايات المتحدة و"إسرائيل" حقّ تقييم التزامه، فيما لا تضع معياراً صارماً وملزماً لخروج "إسرائيل".

وهنا تبرز نقطة جوهرية في كلام كريم بيطار: غياب الوسيط النزيه. الولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً بين لبنان و"إسرائيل". وفي كلّ خلاف مستقبلي حول تفسير الإطار أو تنفيذه، من المرجّح أن تميل إلى القراءة الإسرائيلية. فكيف يقبل لبنان بإطار يجعل تطبيق حقوقه مرهوناً بتقدير وسيط غير محايد؟ وكيف يطمئن اللبنانيون إلى ملحق أمني غير منشور، يقال لهم إنه سيحدّد التفاصيل لاحقاً، فيما التفاصيل هي أصل القضية؟ لا يمكن أن يُطلب من الناس أن يوافقوا على وثيقة تمسّ السلاح والجيش والعودة والاحتلال، ثم يُقال لهم إنّ الملحق الأمني ليس للنقاش العامّ. السرية هنا ليست تفصيلاً إجرائياً، بل مصدر الخطر نفسه.

أما أخطر ما في خطاب الرئيس فهو خلط الاعتراض بالفتنة. من واجب الجميع منع الفتنة، نعم. ومن واجب رئيس الجمهورية حماية الجيش، نعم. لكن لا يجوز تحويل شعار منع الفتنة إلى وسيلة لإسكات النقاش. الاعتراض على إطار يمسّ الأرض والدم والسيادة والعدالة ليس فتنة.

والنقد القانوني والسياسي ليس تشويهاً. والقول إنّ الإطار قد يزرع انقساماً داخلياً ليس دعوة إلى الانقسام، بل تحذير من أنّ "إسرائيل" قد تكون نجحت في نقل العبء الأمني من حدودها إلى الداخل اللبناني. وقد رأى بعض المعلّقين الإسرائيليين في مثل هذه الترتيبات فرصة لدفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم بعضاً. لذلك فإنّ حماية الوحدة الوطنية لا تكون بتمرير الإطار فوق رؤوس المعترضين، بل بإعادة النقاش إلى المؤسسات والتوافق الوطني الصريح.

ولا يستطيع أحد أن يزايد على حقّ الجنوبيين في الحياة والأمان. لكنّ هذا الحقّ لا يُحمى باتفاق غامض، ولا بإعادة تسمية الاحتلال، ولا بتعليق العدالة، ولا بربط العودة بشروط أمنية. الجنوبيون لا يريدون أن يكونوا مشروع حرب دائمة، لكنهم أيضاً لا يريدون أن يصبح أمنهم مرهوناً برضا من اعتدى عليهم. الحياة الكريمة في الجنوب لا تعني قبول صيغة تجعل المعتدي حكماً على متى يعود الناس ومتى تنتهي "المنطقة الأمنية" ومتى يصبح لبنان جديراً بسيادته.

إنّ جوهر المشكلة أنّ السلطة تطلب من اللبنانيين الثقة بنيّاتها، فيما الاتفاقات لا تُبنى على النيّات بل على النصوص والضمانات. تقول السلطة: لم نستسلم. لكنّ السؤال ليس ماذا تقول السلطة عن نفسها، بل ماذا يكتب الإطار؟ هل يتضمّن انسحاباً إسرائيلياً قاطعاً ومؤرّخاً؟ هل يمنع "إسرائيل" من إبقاء منطقة أمنية؟ هل يضمن حقّ لبنان في المحافل الدولية؟ هل ينشر ملحقه الأمني؟ هل يمنع تحويل الجيش إلى أداة صدام داخلي؟ هل يجعل عودة النازحين حقاً غير مشروط؟ إن لم يفعل، فليس كافياً أن يقال إنه "أفضل الممكن".

السياسة فنّ الممكن، ولكنها ليست فنّ قبول المستحيل باسم الواقعية. والمستحيل هنا أن نسمّي السيادة سيادة حين يقيّمها العدو، وأن نسمّي الانسحاب انسحاباً حين يكون "إعادة انتشار"، وأن نسمّي العدالة محفوظة حين تُعلّق، وأن نسمّي الدولة دولة حين يُطلب منها أن تنفّذ داخلياً ما يريده المحتلّ خارجياً.

ليس المطلوب من عون أن يختار الحرب. المطلوب ألّا يختار اتفاقاً يشبه أوسلو في منطقه: اعتراف الآن، تنازلات الآن، تفكيك أوراق القوة الآن، مقابل وعود لاحقة يفسّرها الأقوى. وليس المطلوب أن يترك الدولة بلا قرار. المطلوب أن لا يجعل قرار الدولة جسراً لعبور شروط العدو. فلبنان يفاوض عن نفسه حقاً عندما يحفظ لنفسه كلّ أوراقه، لا عندما يسلّمها تباعاً باسم "أفضل الممكن".