حرب "إسرائيل" على الأونروا.. قتل الشاهد

في كل ساحة مدرسة أساسية لوكالة (الأونروا) تُحكى روايات النكبة الفلسطينية لتحفر في الوجدان الفلسطيني مأساة اللجوء وحق العودة، وفي كل فناء عيادة صحية للوكالة تُروى حكايات معاناة الهجرة وآمال الخلاص.

0:00
  • "الأونروا" تُحكى روايات النكبة الفلسطينية.

عندما يقوم المجرم بفعل جريمة قتل الشاهد على جريمته بهدف إخفاء الأدلة وطمس البيّنات، في محاولة عابثة ويائسة لتبرئة نفسه من الجريمة، فهذا اعتراف ضمني منه بأنَّ الحقيقة باتت تُحاصره وأنَّ الجريمة أصبحت تخنقه، وهذا بالضبط ما تفعله "إسرائيل" في حربها على (وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى)، المعروفة اختصاراً بوكالة (الأونروا).

حرب "إسرائيل" على وكالة (الأونروا) هدفها قتل الشاهد الدولي الحي على جريمة النكبة ومأساة اللجوء وحق العودة، وموجهة ضد الوجود المادي للوكالة بما فيه من مبانٍ ومؤسسات ومخيمات وموظفين وخدمات، والوجود المعنوي للوكالة بما تمثله من قضية إنسانية وسياسية، ووثيقة تاريخية وقانونية، وذاكرة للنكبة واللجوء، ورواية للمأساة والصمود.

لخّص بنيامين نتنياهو سبب لجوء "إسرائيل" إلى فعل قتل الشاهد (الأونروا) بقوله: " إنَّ هذه الوكالة أبقت مشكلة اللاجئين بدلاً من أن تحلها"، ومشكلة اللاجئين هي جسم الجريمة الإسرائيلية المُراد التخلّص منه، وبعد (طوفان الأقصى) وبداية حرب الإبادة أعلن نتنياهو هدف كيانه قتل الشاهد بوضوح بقوله: "حان الوقت لكي يدرك المجتمع الدولي والأمم المتحدة أنَّ مهمة الأونروا يجب أْنْ تنتهي"، فكان ذلك إيذاناً ببدء حرب صليبية صهيونية للتخلّص من الأونروا كشاهد على جريمة النكبة.

الأونروا شاهد على جريمة النكبة بالأدلة الواقعية من خلال وجود (58) مخيماً للاجئين تديرهم الوكالة في مناطق عملها الخمس، ووجود (6) ملايين لاجئ فلسطيني مُسجلين لديها في سجلاتها، وشاهد بالأدلة التاريخية بما لديها من توثيق تاريخي لمأساة التهجير واللجوء في أرشيفها المليء بالوثائق الورقية والرقمية، وما تستخرجه من بطاقات تسجيل اللاجئين الفلسطينيين (كرت المؤن) الذي يُثبت البلدة الأصلية لكل أُسرة فلسطينية لاجئة.

وشاهد بالأدلة القانونية التي تُثبت حالة اللجوء وحق العودة، أهمها: تعريف اللاجئين الفلسطينيين بأنهم الذين طُردوا من فلسطين المحتلة عام النكبة وذراريهم، وارتباط وجود الأونروا بالقرار الرقم (194) للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ينص على حق العودة، واعتبار تقارير الأونروا وثائق قانونية تُستخدم أمام المحافل الأُممية والمحاكم الدولية.

لقتل الشاهد (الأونروا) على الجريمة الصهيونية (النكبة) اتبعت "إسرائيل" عدة مسارات متوازية، أخطرها المسار الميداني الذي كان آخر حلقاته الاستيلاء على معهد التدريب المهني في مخيم قلنديا شمال القدس المُحتلة وقبلها هدم مقر الوكالة الإداري المركزي في حي الشيخ جراح بالقدس المُحتلة، وهو المسار الذي بلغ ذروته الوحشية في حرب الإبادة على قطاع غزة بهدم معظم مباني ومؤسسات الوكالة بالقصف الجوي والتجريف البري، وقتل المئات من موظفي الوكالة، ومنع إدخال المساعدات للوكالة.

وبموازاة المسار الميداني التدميري اتبعت "إسرائيل" مسارات قانونية وإعلامية ومالية، فالمسار القانوني تجّسد في تشريعات الكنيست الإسرائيلي ضد الأونروا أثناء حرب الإبادة، وأهمها: حظر عمل الأونروا في مناطق السيادة الإسرائيلية، وإلغاء معاهدة 1967م بين الكيان والوكالة، ومنع الاتصالات الإسرائيلية مع الوكالة. والمسار الإعلامي تجّسد في شيطنة الوكالة وتشويه دورها ونزع صفة الحياد الإنساني عنها واتهامها بدعم الإرهاب. والمسار المالي فكان بالضغط على الدول الغربية الممولة للوكالة بوقف التمويل عنها لخنقها اقتصادياً وقد نجحت كلياً مع بعض الدول وجزئياً مع بعضها الآخر.

المسارات التي اتبعتها "إسرائيل" في حربها ضد وكالة (الأونروا) في إطار سياستها لقتل الشاهد على الجريمة الصهيونية المتواصلة، هدفها الوصول إلى إنهاء التعاطف الإنساني مع قضية اللاجئين والتضامن السياسي مع القضية الفلسطينية، ولتجريد قضية اللاجئين من بُعدها الوطني وتفريغها من حق العودة، وهي حرب تُدرك فيها "إسرائيل" أنَّ (الأونروا) ليست مجرد مؤسسة إغاثية دولية أو منظمة تشغيل أُممية... بل هي إضافة إلى ذلك وربما قبل ذلك كيان معنوي وشاهد حي على جريمة النكبة والتهجير، ومأساة الشتات واللجوء وحق العودة والتعويض.

 شهادة الأونروا تتحقق بوسائل أُخرى... فمع كل بطاقة تسجيل (كرت مؤن) مُسجّل فيها البلدة الأصلية قصة أسرة فلسطينية تمتد جذورها في الأرض الفلسطينية المُحتلة عام النكبة، لترسخ الذاكرة الفلسطينية والرواية الوطنية. وفي كل ساحة مدرسة أساسية لوكالة (الأونروا) تُحكى روايات النكبة الفلسطينية لتحفر في الوجدان الفلسطيني مأساة اللجوء وحق العودة، وفي كل فناء عيادة صحية للوكالة تُروى حكايات معاناة الهجرة وآمال الخلاص، لتزرع في الوعي الفلسطيني انبثاق الأمل من عمق الألم. وأمام كل مركز توزيع المواد الغذائية تُجرى حوارات الصمود والمقاومة لتُجدد الروح في حياة اللاجئين ولتبعث الإرادة في عزيمة الشعب.