تسليح اللغة ضد المقاومة وحاضنتها: من المعجم السياسي إلى هندسة الإقصاء
المطلوب ليس تقديس المقاومة ولا منع نقدها. النقد حقّ، بل ضرورة. لكنّ النقد شيء، وتسليح اللغة شيء آخر.
-
يفيدنا مفهوم "تسليح اللغة" في فهم جانب عميق من الحرب الجارية على المقاومة وشعبها.
ليست المعركة على المقاومة في لبنان معركة سلاح فحسب، ولا هي سجال دستوري بارد حول وظائف الدولة وحدود السيادة. إنها، قبل ذلك وبعده، معركة على اللغة: على الأسماء التي تُمنح، والصفات التي تُلصق، والصور التي تُنتج، والحدود التي تُرسم بين "الوطني وغير الوطني"، بين "العقلاني" و"المغامر"، بين "الدولة و"الفائض"، بين "المواطن" و"الحاضنة".
فالسلطة، حين تعجز عن حسم الصراع في الواقع، تبدأ غالباً بمحاولة حسمه في القاموس. تغيّر أسماء الأشياء، ثم تطلب من الناس أن يتعاملوا مع العالم كما لو أنّ التسمية الجديدة هي الحقيقة نفسها.
يفيدنا مفهوم "تسليح اللغة" في فهم جانب عميق من الحرب السياسية والإعلامية الجارية على المقاومة وشعبها وبيئتها. فاللغة هنا لا تُستخدم للتوصيف المحايد، بل لتأدية وظيفة سياسية: نقل المقاومة من موقع الفعل الوطني إلى موقع الشبهة؛ ونقل جمهورها من موقع الشراكة في البلد إلى موقع "المشكلة" التي ينبغي احتواؤها؛ ونقل المطالبة بالحماية والسيادة والتحرّر من موقع الحقّ إلى موقع "العبء" على الدولة والمجتمع.
هكذا لا يعود الخلاف حول الخيارات السياسية خلافاً مشروعاً بين رؤى متباينة، بل يصير صراعاً بين "دولة" مفترضة و"دويلة"، بين "مواطنين" و"رعايا"، بين "لبنان" و"فئة"، بين "السيادة" و"الاحتلال الداخلي".
تبدأ العملية بالوصم. لا يقال إنّ هناك جماعة لبنانية واسعة لها تجربة تاريخية مع الاحتلال والحرمان والاعتداءات الإسرائيلية، ولها ذاكرة شهداء وتهجير وقرى مدمّرة ومنازل أعيد بناؤها أكثر من مرة. يقال بدلاً من ذلك: "الحاضنة".
وهذه الكلمة، في ظاهرها، قد تبدو توصيفية. لكنها في الاستعمال السياسي والإعلامي تتحوّل إلى أداة اختزال: الناس لا يعودون شعباً، ولا مواطنين، ولا عائلات، ولا مزارعين، ولا طلاباً، ولا موظفين، ولا أصحاب بيوت وقلق وذاكرة ومصالح. يصبحون كتلة واحدة، وظيفتها الوحيدة أنها "تحضن" السلاح. بهذا الاختزال تُمحى الفوارق الداخلية، وتُلغى الفرديات، وتتحوّل البيئة الاجتماعية إلى ملحق أمني. وحين تتحوّل جماعة بشرية إلى "حاضنة"، يصبح ضربها سياسياً واقتصادياً ورمزياً أمراً أسهل، لأنّ اللغة سبقت ومهّدت: لم نعد أمام مجتمع، بل أمام بنية إسناد.
ثم يأتي التغريب: أي صناعة المسافة بين "نحن" و"هم". هنا تعمل لغة السلطة والفريق الصهيوني في لبنان على فصل المقاومة وناسها عن الكيان الوطني. تُستعمل عبارات من نوع "أخذ البلد إلى الحرب، مصادرة قرار الدولة، خطف لبنان، تحويل اللبنانيين إلى رهائن".
في هذه العبارات وظيفة مزدوجة: فهي تبرّئ العدوان الإسرائيلي من موقع الفاعل الأول، وتنقل التهمة إلى من يقاومه؛ وهي في الوقت نفسه تجعل الجمهور المؤيّد للمقاومة خارج الجماعة الوطنية، كأنه ليس جزءاً من اللبنانيين الذين يُعتدى عليهم، بل هو سبب الاعتداء. وبذلك يتبدّل ترتيب المسؤوليات: لا يعود الاحتلال مسؤولاً عن الاحتلال، ولا المعتدي مسؤولاً عن العدوان، بل تصبح المقاومة مسؤولة عن عنف العدو لأنها لم تقبل بالشروط التي يريدها العدو.
هذه هي اللحظة التي تتحوّل فيها اللغة من وصف سياسي إلى سلاح معنوي. فحين يُقال، مثلاً، إنّ المشكلة ليست في العدو بل في "الذريعة" التي تمنحها المقاومة له، يصبح العدوان الإسرائيلي ردّ فعل لا فعلاً أصلياً. وحين يُختزل الجنوب والبقاع والضاحية في كونها “مناطق نفوذ”، لا مناطق عيش وكرامة ومصالح وذاكرة، يصير خرابها قابلاً للتأويل ككلفة "طبيعية" لصراع داخلي، لا كجريمة عدوانية. وحين يُقدَّم مطلب نزع القوة من مجتمع تعرّض تاريخياً للقتل والتهجير والاجتياح على أنه مطلب "إصلاحي"، تصبح الطمأنينة المطلوبة من الضحية عبئاً على لغة السلطة، لا واجباً سياسياً وأخلاقياً عليها.
بعد الوصم والتغريب تأتي مرحلة أخطر: نزع الإنسانية السياسية. لا يعني ذلك بالضرورة إنكاراً بيولوجياً لإنسانية الناس، بل إنكار أهليتهم الأخلاقية والوطنية. يصبح جمهور المقاومة "قطيعاً، مخدوعاً، مؤدلجاً، “مرتهناً، بيئة موت، ثقافة حرب، جماعة لا تشبه لبنان".
وهذه العبارات لا تناقش موقفاً سياسياً، بل تسحب عن أصحابه القدرة على التفكير والاختيار. إنها لا تقول إنهم مخطئون؛ تقول إنهم غير مؤهّلين أصلاً للحكم على مصالحهم. وحين تُنزَع عن جماعة ما أهليّتها السياسية، يصبح الحديث باسمها ممكناً، والوصاية عليها مشروعة، ومعاقبتها قابلة للتبرير.
هنا تتضح خطورة اللغة التي يستخدمها الفريق الصهيوني في الداخل اللبناني. فهو لا يكتفي بمعارضة المقاومة، وهذا حقّ سياسي لو بقي ضمن السجال الوطني، بل يسعى إلى إعادة تعريف الصراع نفسه. يريد أن يجعل التناقض مع المقاومة أشدّ من التناقض مع العدو؛ وأن يجعل الخوف من سلاح المقاومة أكبر من الخوف من آلة الحرب الإسرائيلية؛ وأن يجعل الجنوب، لا "تل أبيب"، مصدر القلق؛ وأن يجعل من يتحدّث عن الردع والمقاومة والتحرير متهماً دائماً، بينما من يطالب بتجريد لبنان من عناصر قوته يبدو عاقلاً وحداثياً وسيادياً. ليست هذه مجرّد مفارقة خطابية، بل انقلاب في بنية المعنى.
في هذا الانقلاب، تُستعمل "الدولة" كلمةً طاهرةً خارج التاريخ. كأنّ الدولة في لبنان مكتملة، عادلة، محايدة، قادرة، حامية، لا تخضع لضغوط السفارات ولا للتوازنات الطائفية ولا للانهيار المالي ولا للعجز العسكري. تُستدعى الدولة، لا بوصفها مشروعاً يحتاج إلى بناء وطني عادل، بل بوصفها عصا لغوية تُرفع في وجه المقاومة. يصبح السؤال: هل أنت مع الدولة أم مع المقاومة؟ وهو سؤال مضلّل، لأنه يفترض أنّ الدولة قائمة بكامل وظائفها، وأنّ المقاومة جسم غريب عليها. أما السؤال الحقيقي فهو: أيّ دولة نريد؟ دولة عاجزة تتنازل عن عناصر القوة وتنتظر الضمانات من الخارج، أم دولة تدمج عناصر القوة في استراتيجية حماية وطنية لا تُسلّم أمن البلاد لمنطق العدو؟
كذلك تُستعمل "السيادة" استعمالاً انتقائياً. فالسيادة، في خطاب السلطة والفريق الصهيوني، تضيق حين يتعلّق الأمر بالخروق الإسرائيلية والاحتلال والتهديدات اليومية، وتتسع فجأة حين يتعلّق الأمر بسلاح المقاومة. تصبح السيادة حساسة جداً تجاه الداخل، باردة جداً تجاه الخارج. وهذا من أخطر أشكال تسليح اللغة: تحويل المفهوم الوطني إلى أداة اصطفاف. فالسيادة التي لا تبدأ من منع العدو من احتلال الأرض وانتهاك السماء والبحر وفرض شروطه ليست سيادة، بل بلاغة سياسية منزوعة المخالب.
ولا ينفصل ذلك عن لغة "العقلانية والواقعية". فالمقاومة تُتهم بأنها عاطفية، أيديولوجية، ماضوية، بينما يُقدَّم التسليم بموازين القوة الدولية كأنه ذروة العقل. لكنّ هذه الواقعية المزعومة ليست بريئة. إنها تطلب من الضعيف أن يكون واقعياً تجاه قوة العدو، ولا تطلب من العدو أن يكون واقعياً تجاه حقّ الشعوب. تطلب من الجنوب أن يفهم حدود الممكن، ولا تطلب من "إسرائيل" أن تفهم حدود العدوان. إنها واقعية باتجاه واحد: واقعية تروّض الضحية، وتؤدّبها، وتُقنعها بأنّ النجاة لا تكون بتغيير ميزان القوة بل بالاعتراف الأبدي به.
المرحلة الثالثة من تسليح اللغة هي إنتاج الأذى. والأذى هنا لا يبدأ بالقصف، بل بالعزل السياسي والمعنوي. حين يُقال عن بيئة المقاومة إنها مسؤولة عن دمارها، فهذا أذى. حين تُلام القرى الحدودية لأنها لم تنفصل عن خيارها المقاوم، فهذا أذى. حين تُحوّل معاناة النازحين إلى مادة شماتة أو ابتزاز سياسي، فهذا أذى. حين يُطلب من أهل الشهداء أن يثبتوا وطنيتهم أمام من لم يدفع كلفة المواجهة يوماً، فهذا أذى. وحين تُصبح دعوة الناس إلى التخلّي عن مصدر قوتهم شرطاً لقبولهم في الوطن، فهذا أذى سياسي عميق، لأنه يحوّل المواطنة من حقّ إلى مكافأة مشروطة بالطاعة.
لكنّ الأخطر أنّ هذه اللغة تمهّد لسياسات. فكلّ إقصاء يبدأ بتسمية. وكلّ عقوبة جماعية تحتاج إلى قاموس يسبقها. وكلّ مشروع لنزع القوة من جماعة يحتاج أولاً إلى إقناع الرأي العامّ بأنها جماعة خطرة، غير عقلانية، فائضة عن الدولة، مستتبعة للخارج، لا تستحقّ الثقة. وعندما تستقرّ هذه الصورة، يصبح الضغط الاقتصادي عليها مقبولاً، والتحريض السياسي ضدّها مفهوماً، واستدعاء الخارج عليها قابلاً للتبرير، وحتى التهاون مع العدوان عليها موضوعاً قابلاً للنقاش.
من هنا، ليست مقاومة تسليح اللغة ترفاً ثقافياً. إنها جزء من الدفاع عن المجتمع نفسه. يجب تفكيك المفردات التي تُقدَّم كأنها محايدة: "الحاضنة، الدويلة، الخطف، المغامرة، الرهينة، الفائض، البيئة". لا يكفي الردّ عليها بشعارات مقابلة؛ بل ينبغي كشف عملها الداخلي: ماذا تحذف؟ من تُبرّئ؟ من تُدين؟ أيّ ذاكرة تمحو؟ أيّ خوف تستثمر؟ أيّ سياسة تمهّد لها؟
المطلوب ليس تقديس المقاومة ولا منع نقدها. النقد حقّ، بل ضرورة. لكنّ النقد شيء، وتسليح اللغة شيء آخر. النقد يناقش الخيارات والنتائج والحسابات، أما التسليح فينزع الشرعية عن الوجود السياسي والاجتماعي لجمهور كامل. النقد يسأل كيف نحمي لبنان بأقل كلفة ممكنة، أما التسليح فيسأل كيف نجرّد جماعة بعينها من مصادر قوتها ثمّ نسمّي ذلك خلاصاً وطنياً. النقد يريد دولة أقوى، أما التسليح فيريد مجتمعاً أضعف.
في مواجهة هذا المسار، على خطاب المقاومة وناسها ألّا يقع في فخّ اللغة المضادّة التي تنزع الإنسانية عن الخصوم. فالمعركة ليست في تبادل الشتائم، بل في استعادة المعنى. يجب إعادة تسمية الأشياء بأسمائها: العدو عدو، والاحتلال احتلال، والعدوان عدوان، والحماية حقّ، والناس ليسوا “حاضنة” بل شعب له ذاكرة وخوف وكرامة ومصالح. يجب أن يعود الجنوبي والبقاعي وابن الضاحية مواطناً كاملاً في اللغة قبل أن يكون كذلك في السياسة. فالذي يُمحى من اللغة يسهل محوه من القرار.
إنّ أخطر ما تفعله السلطة حين تستعير قاموس الفريق الصهيوني، أو تلتقي معه في النتائج، أنها لا تعارض حزباً أو تنظيماً فحسب؛ إنها تعيد تركيب الخريطة الأخلاقية للبلد. تجعل من القوة عيباً إذا امتلكها المقاوم، ومن الضعف فضيلة إذا طلبه الخارج. تجعل من المطالبة بالحماية تهديداً، ومن القبول بالانكشاف حكمة. تجعل من المعتدى عليه سبباً للعدوان، ومن المتفرّج حارساً للسيادة.
لذلك، لا بدّ من معركة لغوية واعية تسبق أيّ تسوية سياسية. فلبنان لا يستطيع أن يبني دولة عادلة بلغة تستبطن إقصاء جزء من شعبه. ولا يستطيع أن يصوغ استراتيجية دفاعية بلغة تعتبر الدفاع مشكلة. ولا يستطيع أن يدّعي السيادة بلغة تخاف من مقاومة العدو أكثر مما تخاف من العدو نفسه. إنّ تحرير الأرض يحتاج إلى قوة، وتحرير السياسة يحتاج إلى توازن، أما تحرير المعنى فيحتاج إلى شجاعة تسمية الأشياء بلا خوف: ليست المقاومة هي التي سلّحت اللغة ضدّ لبنان، بل الذين جعلوا من لغة العدو معياراً للوطنية، ومن قلق الناس على وجودهم تهمة، ومن بيئتهم الاجتماعية هدفاً رمزياً دائماً.
في البدء كانت الكلمة، وفي السياسة أيضاً تبدأ الهزيمة أو المقاومة من الكلمة. من يملك تسمية الناس يقترب من امتلاك مصيرهم. ولذلك فإنّ الدفاع عن المقاومة وحاضنتها لا يكون فقط بالدفاع عن سلاحها، بل بالدفاع عن حقّها في الاسم: شعب، أهل، مواطنون، أصحاب أرض وذاكرة وكرامة. وما دام الاسم قائماً، تبقى القدرة على المعنى قائمة؛ وما دام المعنى قائماً، لا تكتمل الهزيمة.