بين الماضي والحاضر، الجنوب اللبناني حكاية أجداد وأرض مسكونة بوطن في مواجهة العدوان
بين الماضي والحاضر والأحلاف والصهاينة والحدود والحروب، بقي أهل الجنوب متمسكين بشيء واحد لم يسقط يومًا: الأرض.
-
الجنوب اللبناني حكاية أجداد وأرض مسكونة بوطن (أرشيف).
في أقصى جنوب لبنان، حيث تتكئ القرى على التلال الحجرية وتتشابك أشجار الزيتون مع حكايات الناس، لم يكن التاريخ يومًا مجرد صفحات تُقرأ، بل كان حياةً كاملة تُعاش تحت وقع الخوف والصبر والانتظار مدعمة بالإيمان والإرادة.
هناك، في أرض جبل عامل، عاش الناس، عاش الأجداد قرونًا طويلة تحت حكم الدولة العثمانية. كانت السلطنة تمتد كإمبراطورية واسعة من الأناضول حتى بلاد العرب وبلاد الشام في آسيا، تحكم الشعوب بلغات وأديان ومذاهب متعددة، لكن الأطراف البعيدة عن مركز القرار كانت غالبًا تدفع ثمن بعدها السياسي والجغرافي. لم يكن الجنوب اللبناني يومها منطقة ذات نفوذ أو اهتمام خاص كما يحظى اليوم، بل كان في كثير من المراحل السياسية هامشًا منسيًا، يعيش أهله بين قسوة الطبيعة والظروف الحياتية والاجتماعية وثقل الضرائب وصراعات الولاة المحليين.
كان الفلاح الجنوبي يزرع أرضه بصمت، يراقب الفصول تتبدل فوق كروم التين والزيتون، فيما تمر فوق رأسه عواصف السياسة الكبرى من دون أن تغيّر كثيرًا من واقعه. ويذكر المؤرخون أن أبناء جبل عامل، ومعظمهم من الطائفة الشيعية، عانوا في مراحل مختلفة من التهميش والإهمال، بل تعرضوا أحيانًا للتنكيل وكثيراً لملاحقات وصدامات بفعل حساسيات مذهبية وسياسية كانت تتحكم بطبيعة الحكم في تلك الأزمنة. ومع ذلك، بقي الجنوب حيًا بأهله، بعلمائه ومثقفيه بشعرائه وفلاحيه، وبإصرار سكانه وناسه على الصمود والتشبث بأرضهم رغم الفقر والعزلة.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وسقطت الدولة العثمانية بعد قرون من الحكم. تبدلت الخرائط، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة مع الانتداب الفرنسي وإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. يومها، صار الجنوب، بمدنه صيدا وصور وكما النبطية ومرجعيون وبنت جبيل، رسميًا جزءًا من الكيان اللبناني الحديث، يحمل العلم نفسه بألوانه أحمران يتوسطهما أبيض والأرزة في المنتصف، مع بيروت والشمال والبقاع والجبل. ظن كثيرون أن زمن التهميش قد انتهى، وأن الدولة الجديدة ستبني وطنًا يحمي أبناءه جميعًا بالتساوي.
لكن الجنوب لم يعرف الراحة طويلًا. لاقى إعلان الجنرال غورو، قائد القوات الفرنسية في سوريا ولبنان آنذاك، لحدود لبنان الكبير وفقاً لخرائط الحدود المرسومة حسب اتفاقية سايكس – بيكو اعتراضاً كبيراً من قبل فئات من اللبنانيين من جهة مدفوعة بأبعاد قومية وعربية وإسلامية ليست موضوع هذه القراءة، التى يهمها تسليط الضوء على نوع آخر من الرفض وهو مايشكل بذور النوايا الخبيثة للأطماع الصهيونية في أرض لبنان وبداية الاعتداء الذهني في الإعداد والتخطيط للاستيلاء على الجنوب في عقلية «المنظّمة الصهيونية العالمية»، التى رفضت هذا الإعلان وأثارت عدم الرضى لدى الدولتين المنتدبتين بريطانيا وفرنسا على كل من فلسطين وسوريا ولبنان، التى كانت تسعى منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين مرتكزة على وعد بلفور المشؤوم، بل إنّها وضعت «لهذا الوطن» المستقبلي حدودًا تضم، في الشمال الجليل الأعلى، بما فيه منطقة «الحولة» بالذات. وقد عبّر الصهاينة عن سخطهم على هذا الاتفاق في المؤتمر الثاني عشر الذي عقدته منظمتهم في العام 1921، حيث أظهروا عدم رضاهم عن حل مسألة الحدود الشمالية مع دولة «لبنان الكبير» المنشأة حديثًا، زاعمين أنّ حل المسألة لم يكن لمصلحة الصهيونية أبدًا، وجاء في القرار الذي اتخذه مؤتمرهم ذلك الحين، ما يأتي:
«... ويجد المؤتمر نفسه ملزمًا بالإعراب عن أسفه على أن مسألة الحدود الشمالية لأرض إسرائيل لم تجد سبيلها إلى حلّ مُرْضٍ حتى الآن، على الرغم من جميع المساعي التي بذلتها اللجنة التنفيذية... ويأمل المؤتمر أن تستجيب الحكومة الفرنسية لمصالح الشعب اليهودي وتفي بها».
وهذا ما تؤكده الوثائق الرسمية والتاريخية، فنجد أنه في الثالث من شباط 1919 رفعت المنظمة الصهيونية العالمية، بدعم من وزارة الخارجية البريطانية، مذكّرة رسمية إلى المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح المنعقد في فرساي بفرنسا، ومن ضمن ما طالبت به هذه المذكرة، إقامة حدود لفلسطين (إسرائيل المستقبل)، «تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في جوار مدينة صيدا، وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل إلى جسر القرعون، فتتجه منه إلى البيرة فالخط الفاصل بين وادي القرعون ووادي التيم، ثم تسير جنوبًا على الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ (حرمون) من جوار بيت جن...».
والتاريخ يذكر أن بريطانيا بمجرد ممارسة انتدابها على فلسطين بدأت، بتأثير من الضغط الصهيوني عليها، تخطّط لتنفيذ وعد بلفور الصادر في العام 1917، والقاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ومارست الصهيونية من جانبها ضغطًا كبيرًا على فرنسا، الدولة المنتدبة على لبنان وسوريا، كي تتمكّن من إقناعها بالتنازل عن الحدود المرسومة بحسب اتفاقية سايكس - بيكو(1) لمصلحة فلسطين، وحرّكت الرأي العام اليهودي ضدها. وقفت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى جانب المطالب الصهيونية، بينما أصرّت فرنسا على موقفها المبدئي وتمسّكها باتفاقية سايكس - بيكو. قام الجنرال البريطاني "اللنبي" بتعديل الحدود لمصلحة الصهيونية، وذلك بأن أدخل أراضي الحولة ضمن حدود فلسطين عندما دخل بجيوشه سوريا ولبنان، وأبرق إلى حكومته مؤيدًا المطالب الصهيونية. كما سعت شخصيات أميركية صهيونية المسعى نفسه، إلّا أنّ الجنرال غورو، قائد القوات الفرنسية في سوريا ولبنان آنذاك، رفض الإذعان لهذه المطالب رفضًا باتًا.
من خلال هذه القراءة التاريخية التي سبقت إنشاء الكيان اللبناني في العام 1920، ثم إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين في العام 1948، يتبيّن لنا، بوضوح حجم الأطماع الصهيونية المزمنة في جنوب لبنان. وهذا ما يجعلنا نقرأ، بوضوح أكثر، الاستراتيجية الصهيونية القائمة على التوسع شمالًا، والمبنيّة على أسلوب عمل أضحى في الفكر الصهيوني، عقيدة راسخة، وهي: الإرهاب والإجرام ومخالفة المواثيق العالمية والقوانين الدولية وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذات الصلة بهدف الاحتلال والتوسع. وهذا ما فعله الصهاينة في حربهم في فلسطين (1948)، ثم في جنوب لبنان.
الجنوب لم يرتَح بعد، ففي الـ14 من أيار 1948 وفي عشية إعلان قيام "إسرائيل" في فلسطين الذي بات يُعرف بعام النكبة تحولت القرى الجنوبية إلى خط تماس دائم مع الحرب. حيث بدأت الاعتداءات الحدودية، وهاجمت مجموعة من قوات «الهاجاناه» الصهيونية بلدة حولا الجنوبية، وارتكبت مجزرة وقتلت عدة أشخاص من أهلها. وكانت هذه من أول الاعتداءات الصهيونية ضد بلدة حولا، وبعدها استمرت حالة الذعر فيها حتى شهر آب من تلك السنة. ثم توالت الغارات والاجتياحات، وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من الجنوب في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحالي. ما زالت القرى تُقصف، والبيوت تُهدم، والعائلات تُهجّر من أرضها، فيما عاش الناس سنوات طويلة بين النزوح والخوف وانتظار المجهول.
في تلك المرحلة، شعر كثير من أبناء الجنوب أن الدولة اللبنانية، المنهكة بالانقسامات والحروب الداخلية، عاجزة عن حمايتهم. كانت الحدود مشتعلة، والناس يدفنون أبناءهم بأيديهم، فيما السياسة اللبنانية غارقة في أزماتها. ومن رحم هذا الشعور بالخذلان والخطر، ولدت حركات مقاومة محلية رفعت شعار الدفاع عن الأرض والقرى والكرامة.
لم تكن القضية بالنسبة لكثير من أبناء الجنوب مجرد شعارات سياسية أو حسابات إقليمية، بل كانت مسألة بقاء. فالفلاح الذي خسر منزله، والأم التي هجّرت من قريتها، والطفل الذي نشأ تحت القصف، رأوا في المقاومة وسيلة لحماية ما تبقى من حياتهم وهويتهم. وهكذا، تحولت القرى الجنوبية إلى مساحة تختلط فيها المأساة بالصمود، والوجع بالإصرار على البقاء.
ومع مرور الزمن، صار الجنوب أكثر من مجرد منطقة جغرافية؛ أصبح رمزًا في الوجدان اللبناني والعربي. رمزًا لأرض دفعت أثمانًا باهظة عبر التاريخ، من التهميش إلى الاحتلال، ومن الحرمان إلى الحروب المفتوحة. لكن في المقابل، بقي السؤال اللبناني الكبير حاضرًا: كيف يمكن بناء دولة قوية عادلة، تحمي جميع أبنائها، وتمنع أن يبقى أي جزء من الوطن وحيدًا في مواجهة النار؟
بين الماضي والحاضر والأحلاف والصهاينة والحدود والحروب، بقي أهل الجنوب متمسكين بشيء واحد لم يسقط يومًا: الأرض. فالأرض بالنسبة لهم لم تكن مجرد تراب، بل ذاكرة وهوية وكرامة وحياة كاملة لا يمكن اقتلاعها مهما تبدلت الدول والإمبراطوريات والرايات.