بكاء السيدة شيرمان
لا يوجد أفضل من العودة إلى كواليس مفاوضات الاتفاق النووي في العام 2015 للاستدلال حول متى وأين يمكن أن تقول إيران للمفاوض الغربي "لا" بعبارات سياسية أكثر تحايلاً.
-
ما قصّة بكاء السيدة شيرمان؟
هذا عنوان محور في كتاب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي "قوة التفاوض" الذي أصدره العام الماضي، وفيه يروي موقفاً لما سمّاه "المساومة الإيرانية التي لا تكلّ في المفاوضات النووية".
لم أجد أفضل من العودة إلى كواليس مفاوضات الاتفاق النووي في العام 2015 للاستدلال حول متى وأين يمكن أن تقول إيران للمفاوض الغربي "لا" بعبارات سياسية أكثر تحايلاً.
هذه ما جرى أيضاً في التفاوض على مذكّرة التفاهم الحالية مع إدارة ترامب، حين تأخّر ردّ إيران أكثر من 3 أيام للتدقيق في المسوّدة الأخيرة للمذكّرة؛ بشكل أفقد ترامب صبره واضطره لاستخدام القوة كمحاولة أخيرة لانتزاع تنازلات إضافية أو منع طهران من إدخال أيّ تعديلات أخيرة تستنزف مزيداً من الوقت.
يروي عراقتشي أنه أثناء التفاوض على اتفاق 2015 في مراحله الأخيرة، قدّمت السيدة شيرمان إيضاحات كثيرة حول أحد المواضيع الصغيرة المتبقّية، وقالت لي: أتوافق؟ قلت: "نعم، ولكن هناك نقطة صغيرة".
هذه العبارة "نعم، ولكن.." التي كثيراً ما كانت تقال في كواليس المفاوضات على مدار عامين بين 2013-2015، كانت تربك الطرف الغربي وتتعبه. إذا يقول عراقتشي "كنّا أحياناً نتفاوض أياماً وساعات حول جزء (ولكن)..".
لكن هذه المرّة -والقول لعراقتشي- لم تعد السيدة شيرمان تتحمّل، وغضبت وانهارت دموعها بشكل لا إرادي، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي أرى فيها مفاوضاً يبكي أثناء المفاوضات. ويتساءل: هل بكت نائبة وزير الخارجية الأميركي وكبيرة المفاوضين لأكبر قوة ظاهرية بسبب اليأس؟
يكمل عراقتشي بأنه بينما شيرمان كانت تذرف دموعها، قالت: "قطعنا كلّ هذه الطريق الطويلة، وتريد أن تدّمر كلّ شيء من أجل موضوع هامشي؟". وأجبتها: "لكن، هذه نقطة صغيرة ومنخفضة الأهمية"، فردّت: "مشكلتنا هي عراقيلكم المستمرة.. أنتم تريدون المزيد دائماً".
هذه الحادثة دوّنتها السيدة شيرمان في مذكّراتها، واعترفت في تناولها لأحداث بكائها بأنّ دموعها كانت بسبب اليأس، وأنها لا تعرف لماذا وقع هذا الأمر المزعج، وبدلاً من أن تغضب، بكت.
كتبت شيرمان بأنّ هذه كانت واحدة من الميزات المعتادة في أسلوب تفاوض الإيرانيين: بمجرّد أن يبدو الاتفاق وشيكاً، فجأة كان يظهر شيء، وكانت تتغيّر الأوضاع. وكانت تخاطب الوفد الإيراني بالقول: "نحن منحناكم ما كنتم تريدونه، والآن أعيدوا أحد الأشياء التي أخذتموها".
"كنت أستطيع أن أسمع صوتي حينما كنت أصرّح، وقد تزايد غضبي في ذلك الموقف من رغبة الإيرانيين في ممارسة الألعاب التكتيكية. وجزاء حالة اليأس، كانت تغرق عيناي بالدموع"، تقول شيرمان، ثمّ تكمل: شرحت يأسي للإيرانيين، وكيف دمّرت حيلهم خططي.
بعد صمت طويل، سحب عراقتشي الاعتراض الذي أثاره، وتمكّن الطرفان من الاتفاق على عبارات قرار الأمم المتحدة، وتحوّلت حالة الدموع هذه إلى استدارة نهائية وأساسية في مكعّب روبيك "مفاوضات الاتفاق النووي".
تضيء هذه الحادثة على واحدة من أبرز سلوكيات المفاوض الإيراني وهي "المساومة المتواصلة" أو ما يعرف بـ "أسلوب البازار"، وبينما يتصف بكونه "سلوكاً" فإنه في حالة المفاوضات التي أنتجت مذكّرة التفاهم الحالية وما بعدها، يأتي في سياق سياسي إيراني أكثر تعقيداً وكُلفة، يرى -في أغلبه- أنّ التفاوض كان خطأ في المرة الأولى، وسيكون كارثياً مرة أخرى.
تجربة اتفاق 2015 على الصعيد السلوكي للوفد المفاوض وشخصياته والتنازلات التي قدّمتها إيران آنذاك، لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الوفد المفاوض الحالي، إلى درجة أنّ الليلة التي أُعلنت فيها مذكّرة التفاهم، انتفض متظاهرون أمام مقرّ وزارة الخارجية بطهران ووجّهوا اتهامات إلى عراقتشي. هكذا، في ليلة واحدة تحوّل عراقتشي إلى "ظريف آخر".
لا تزال إيران تواجه المعضلة نفسها في القدرة على تسويق أيّ اتفاق أو مفاوضات مع الولايات المتحدة والغرب في الداخل؛ لأنّ كلّ ذلك يصطدم بالأيديولوجيا والحماية الثورية وانعدام الثقة بالاتفاقيات الدولية، حتى المرشد كان "له رأي آخر"؛ وهذا ما يجعل السلوك الإيراني حذراً ومتأنياً وأكثر تحسّباً لأخطاء الماضي وأثمان اليوم.