الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران: المقاومة تدخل الحرب للدفاع عن لبنان
الحرب الأميركية – الإسرائيلية ما زالت مستمرة، وأهدافها لم تتحقق بعد، ونتائجها ستكون صادمة، طالما لم يتم حسمها بالسرعة المطلوبة.
-
ما إن بدأت الحرب حتى استغلت "إسرائيل" قوتها العسكرية لتهديد لبنان (أرشيف).
لا تحتاج الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى الكثير من الجهد لدى الباحثين والمتابعين لتلك الحرب، لإدراك حجم الأضرار الكارثية على الجمهورية الإسلامية في إيران، أو التداعيات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية على البلد المحاصر والمستهدف منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية في إيران في الـ 11 من شباط عام 1979، لمنع بناء الدولة الإسلامية على أنقاض نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وإلغاء الملكية، المرتكز لأكثر من ثلاثة عقود على الدعم الغربي، وتجلت محاولات تقويض بناء الدولة في الحرب الإيرانية – العراقية عام 1980، بحيث جرى إنهاك الجمهورية الإسلامية في حربها التي امتدت ثماني سنوات، لوأد التجربة التي قادها الإمام الخميني، وبالرغم من انتهاء الحرب الطويلة والمكلفة، خرجت إيران من الحرب منهكة، وبدأت رحلة البناء والإعمار وتأمين الاستقرار في البلاد.
وبهدف تفعيل دورها الإقليمي، قامت ببناء وتطوير برنامج نووي سلمي، يمكنها من تأمين احتياجاتها الاقتصادية في مجالات عديدة ترتبط بالطاقة، لكن واشنطن قررت مواجهته، لكونه يشكل تهديداً لأمنها، وعنصراً مقلقاً للكيان الإسرائيلي، وركزت واشنطن في المواجهة على عدم الالتزام بسلمية البرنامج، ومنع عمليات التفتيش للوكالة الدولية الطاقة الذرية، تلك الوكالة في مناسبات عديدة أكدت تعاون إيران معها، وأن هناك فرصاً كبيرة للاتفاق بشأن برنامجها النووي، وهذا ما حصل عند توقيع الاتفاق عام 2015، للحد من أنشطة طهران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها، لكن هذا الاتفاق شهد إخفاقاً كبيراً بعد انسحاب أميركا منه عام 2018، وارتفعت مخاطر الاستهداف العسكري للمنشآت النووية في إيران، بالرغم من تأكيد صعوبة السماح لـ "إسرائيل" للقيام بذلك، ما يهدد المصالح الأميركية في المنطقة، لكن الضربة جاءت بين جولات التفاوض، وقد بدأت "إسرائيل" هجوماً واسعاً على المنشآت النووية في إيران في حزيران 2025، وقد دخل سلاح الجو الأميركي على خط الهجوم، بذريعة تعطيل سعي إيران لإنتاج قنبلة نووية، وقد استمرت الحرب 12 يوماً.
بعد الهجوم الإسرائيلي ودخول واشنطن في الحرب وإعلان نهايتها، تكرر المشهد بطريقة أشد خطورة، ففي ظل جولات التفاوض، حصل الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران في االـ28 من شباط 2026، عبر استهداف النظام الإيراني واغتيال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، مع قادة آخرين، في هدف واضح لإسقاط النظام، والانقضاض على قدرات إيران النووية والصواريخ البالستية، تمهيداً لتصفية حزب الله وإنهاء ظاهرة المقاومة التي تشكل تهديداً مباشراً للكيان الإسرائيلي.
ما إن بدأت الحرب حتى استغلت "إسرائيل" قوتها العسكرية لتهديد لبنان وتحذيره من دخول المقاومة في تلك الحرب، مستندة إلى تقارير استخبارية بأن استهدافاتها بعد اتفاق وقف إطلاق النار، استطاعت أن تمنع المقاومة من إعادة بناء قدراتها، كما صعّبت عمليات الترميم التي حاولت القيام بها، وهذا ما جعلها مطمئنة إلى أنه مع انتهاء الحرب على إيران أو خلالها، ستقوم بتوسيع سيطرتها، وصولاً إلى عمق استراتيجي حتى نهر الليطاني، وتجاوز ذلك العمق إلى شمال الليطاني إذا ما كان ذلك الأمر ممكناً، والتأسيس لفرض شروطها الأمنية، في ظل الرغبات الداخلية للتخلص من سلاح المقاومة، وإنهاء دوره وتأثيره السياسي، خصوصاً مع تغيير النظام في سوريا، بحيث تتحقق الرغبة الإسرائيلية في تحقيق مشاريعها في المنطقة، بعد استعداد النظام الجديد في سوريا لعقد اتفاق أمني مع "إسرائيل".
بعد حصول الهجوم على إيران، وبالرغم من التطمينات الأميركية بعدم توسيع الحرب على لبنان، قامت "إسرائيل" بحشد عسكري كبير على الحدود، وشكلت تهديداً واضحاً بأن خطط الحرب الإسرائيلية على لبنان جاهزة، وهي تنتظر اللحظة المناسبة وفقاً لمجريات الحرب على إيران، وهي أدركت أن المقاومة في لحظة سياسية حرجة، تمنعها من الدخول للدفاع عن إيران، التي من الواضح أنها مستهدفة بشكل خطير، وأن واشنطن وتل أبيب لن تقبلا بوقف الحرب إلا بتحقيق الهدف الأساسي بإسقاط النظام، خصوصاً أن الضربة الأولى تؤكد الخطط الموضوعة لهذه الحرب، وبالرغم من ذلك لن تستطيع المقاومة الدخول للدفاع عن النظام الإيراني، لأن الساحة الداخلية ستحملها مسؤولية التدمير الواسع في لبنان، وأن دخول المقاومة يعطي فرصة للانقضاض عليها بذريعة تنفيذ ما تطلبه إيران، من دون مراعاة المصلحة الوطنية، إضافة إلى عدم تبرير التدخل لمساندة إيران أمام بيئة المقاومة، كونها تعرضت على مدى خمسة عشر شهراً للاعتداءات الإسرائيلية، ولم تبادر إلى الرد على تلك الاعتداءات.
في اليوم الأول من الهجوم على إيران، وقفت المقاومة في حالة تأهب مصيرية، وهي تدرك مخاطر الدخول في الحرب، وهمجية العدو ورده الإجرامي، لتهجير أهالي الجنوب وزيادة الضغط على المقاومة، وإفقادها الدعم الشعبي لبيئتها الذي يشكل العنصر الأساسي في كل معركة تخوضها، لكنها في الوقت نفسه، تدرك مخططات العدو لإنهاء المقاومة، وأن الحرب على إيران الداعم الأساسي والوحيد لها، ستكون فرصة ذهبية لفرض واقع عسكري، في ظل ضعف المقاومة، وإحكام السيطرة الأمنية والسياسية على لبنان، في ظل عجز السلطات على مواجهتها.
وفي حين كانت الأمور تتجه إلى استحالة أو صعوبة دخول المقاومة إلى جانب إيران، في الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدها، لاعتبارات داخلية حساسة تمنعها من ذلك، ما أوقعها بين فكي كماشة، فمن جهة هناك تحيّن العدو فرصة اقتراف المقاومة خطأ التدخل للإجهاز عليها بقوة غير مسبوقة، تكون الضربة القاضية لوجودها، تحت غطاء الانقسام الداخلي الذي تميل كفته لصالح خصوم المقاومة، ما يبرر الخسائر الكبيرة التي ستوقعها "إسرائيل"، بعدما تكون الأهداف محددة مسبقاً، تمهيداً لاغتيالها سياسياً في الداخل، بعد خطوات عديدة اتخذتها الحكومة، والتي شكلت حساسية مقلقة ومشبوهة في أوساط المقاومة، التي مارست انضباطاً مطلوباً لحماية ما تقوم به من إجراءات جوهرية لاستعادة زمام الأمور.
على مستوى القيادة، وأمام هذا الخيار الصعب بعدم التدخل كون الظروف غير مؤاتية، تبرز وجهة نظر أخرى، أو خيار آخر لدى قيادة المقاومة، يتمثل في استغلال الانشغال الأميركي والإسرائيلي في الحرب على إيران، واستباق العدو قبل تنفيذ مخططه بعد الانتهاء من القضاء على النظام الإيراني، أو خروجه منهكاً من حرب مدمرة ظهرت خطورتها في الضربات الأولى، وهذا ما جعل المقاومة تبادر هذه المرة إلى الدخول في حرب مباشرة مع "إسرائيل"، وعدم اقتصار التدخل على توجيه الرسائل على طريقة إسناد غزة، وهي تدرك أن مشاركتها في الحرب تتطلب استعدادات كبيرة، وتحمّل التداعيات الداخلية بعد موجات النزوح التي ستحصل، كما مواجهة العاصفة السياسية الداخلية، كون بعض القوى السياسية تنتظر هذه اللحظة غير المحسوبة من قبل المقاومة، وهي ستشكل مقتلاً لحضورها، كما قد تمس بالتفاهمات الاستراتيجية بين الثنائي الشيعي، عبر تسميم تلك البيئة بتحميل أحد طرفيه مسؤولية الحرب، وخسارة كل الإنجازات التي حققتها المقاومة، منذ حروب التسعينيات ضد العدو، مروراً بالتحرير عام 2000، وصولاً إلى الصمود في حربي عامي 2006 و2024، وهذا ما تجلى في قرارات الحكومة في اليوم التالي للتدخل، بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، واعتبارها خروجاً عن القانون من دون الأخذ في الاعتبار التداعيات الداخلية التي قد تنذر بحرب أهلية.
كل تلك الحسابات المعقدة، تظهر أن المقاومة أخضعتها لدراسات معمقة ودقيقة، وهي واثقة من قدراتها، التي ستشكل مفاجأة صادمة للجميع، بحيث إن عملية الترميم التي قامت بها جاءت مكثفة وسريعة، في ظل الغموض المدروس لمنع الاختراق الاستخباري للعدو، وحصل ذلك بعد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي كان وقعه قاسياً على لبنان، وأوجد شكوكاً واتهاماً للمقاومة بالتفريط بصمود المقاومين على الجبهة الحدودية، ومنع نجاح العملية البرية للعدو.
بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والدخول السريع للمقاومة في هذه الحرب، أصبح من الضروري الإجابة عن السؤال الأساسي: لماذا بادرت المقاومة إلى الدخول في تلك الحرب؟ مع الإشارة إلى أن تعمد تأخير الإجابة عن هذا السؤال، يتيح القراءة المتأنية لهذا القرار الاستراتيجي والخطير، بعدما تبين أن هذه الحرب هي حرب وجودية للجميع، وأن نتائجها ستشكل محطة تاريخية يتوقف عليها مصير المنطقة وشعوبها.
لقد توضحت أهداف الحرب على إيران، لمنعها من امتلاك برنامج نووي يمكن أن يتحول إلى قوة ردعية في لحظة مصيرية، تهدد وجود النظام في إيران، وما سيشكله هذا التهديد من تغيير وجه الشرق الأوسط، ليصبح تحت الهيمنة الإسرائيلية، والتحكم في شعوب المنطقة، وتطويع أنظمتها العاجزة عن حماية أمنها واستقرارها بقواها الوطنية، فتلجأ إلى القبول بالخضوع لـ"إسرائيل"، التي لن تقبل بالتخلي عن مشروعها التوسعي.
وهنا تنكشف أسباب دخول المقاومة في الحرب، واستباق العدو وخططه التوسعية، واستغلال تركيزه مع واشنطن على إيران كهدف مركزي، سيؤدي عند تحقيقه لإضعاف المقاومة وانهيارها، وعندها يدخل لبنان بطريقة ناعمة إلى نادي الشرق الأوسط الجديد، بنسخته الجديدة.
الحرب الأميركية – الإسرائيلية ما زالت مستمرة، وأهدافها لم تتحقق بعد، ونتائجها ستكون صادمة، طالما لم يتم حسمها بالسرعة المطلوبة، ومنع تفاقم تداعياتها، خصوصاً في ظل إغلاق مضيق هرمز، وضرب بعض المنشآت في دول الخليج، إضافة إلى استهداف القواعد الأميركية فيها، والصمود في وجه أقوى الحملات الأميركية والإسرائيلية، بحيث لم ينهر النظام الإيراني من الضربة الأولى، والتي أدت إلى اغتيال المرشد، بل استطاعت إيران أن تتماسك، وتقوم بالرد السريع والمدروس والموجع، ما مكنها من إطالة الحرب لاستنزاف واشنطن و"إسرائيل"، وزيادة كلفتها والضغط عليهما لوقفها.
أما بالنسبة للمقاومة، فهي قادرة على تبرير تدخلها لعدة أسباب، أهمها المخططات التوسعية التي كانت معلنة من قبل العدو، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجدت المقاومة نفسها من ضمن أهداف الحرب، فبادرت إلى خوضها، خصوصاً أن الضربة الأولى أظهرت الهدف الأساسي لضرب النظام، وأن اغتيال المرشد يعتبر استهدافاً لمكانته الدينية، والتي تشكل تجاوزاً خطيراً لكل الخطوط الحمر، ويمكن للمقاومة مواجهة من يعتبرها تأتمر بأوامر إيران، وبأنها فرضت عليها الدخول في الحرب معها أو لإسنادها، بأنها لم تشارك في الحرب الإسرائيلية الأولى في حزيران عام 2025، وما تغير في هذه الحرب هو أن لبنان وقع في العين الإسرائيلية التوسعية، وهذا ما أكدته المعطيات لاحقاً، فكان لا بد من خوض الحرب الوجودية، لمنع الاستفراد بالمقاومة، ومواجهة الأخطار والأطماع الإسرائيلية التاريخية ضد لبنان وشعبه ومؤسساته ومستقبله ودوره.
فهل تقتنع واشنطن بأن قوتها العسكرية المدمرة قادرة على إلحاق الخسائر بالدول التي تخوض الحرب ضدها، لكن القوة وحدها لا تستطيع تغيير الأنظمة، خصوصاً تلك التي تتمتع بميزات جغرافية وازنة، وتستند إلى قومية متماسكة، إضافة إلى العقيدة الدينية التي تمكنها من الصمود في أي مواجهة تهدد وجودها.