استهداف الأدمغة… عدوان على الإنسان

حين تُضرب جامعة طهران أو جامعة بهشتي أو جامعة أصفهان للتكنولوجيا أو معهد "باستور" فإنّ الرسالة ليست عسكرية فقط، بل معرفية: ما يُستهدف هنا هو القدرة على التفكير، على الابتكار، على إعادة البناء.

  • مشهد لجامعة
    مشهد لجامعة "شريف للتكنولوجيا" المتضرّرة بعد العدوان الأميركي-الإسرائيلي على طهران (شينخوا)

في الحروب الحديثة، لم تعد الخسارة تُقاس بما يُدمَّر فقط، بل بما يُمنع من أن يولد. هنا، يتقدّم مفهوم "تصفية الأدمغة" كتحوّل حاسم: استهدافٌ ممنهج للعقول قبل البنى، وللمستقبل قبل الحاضر، حيث تصبح المعرفة نفسها ساحة الصراع الأخطر.

في الحروب التقليدية، تُقاس الخسائر بمساحة الأرض التي تُحتلّ، أو بعدد المنشآت التي تُدمّر، أو بحجم القوة العسكرية التي تُستنزف. لكن ماذا لو كانت هذه المقاييس نفسها قد أصبحت قديمة؟ ماذا لو لم تعد الحرب تدور حول السيطرة على الجغرافيا، بل حول إعادة تشكيل الزمن نفسه—أي المستقبل؟

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه عند قراءة ما يُعرف اليوم بمصطلح "تصفية الأدمغة" في السياق الإيراني. نحن لا نتحدّث هنا عن أضرار جانبية، ولا عن ضربات عشوائية، بل عن نمط متكرّر، يكاد يرقى إلى مستوى الاستراتيجية: استهداف الجامعات، تصفية العلماء، ضرب المراكز الطبية، وتعطيل البنية التكنولوجية. كلّ ذلك يشير إلى تحوّل عميق في طبيعة الصراع.

من تدمير الحاضر إلى تعطيل الغد

لفهم هذه الظاهرة، يجب أن نبدأ من فكرة بسيطة لكنها حاسمة: الدول لا تُبنى فقط بما تملكه اليوم، بل بما يمكنها أن تنتجه غداً. الجامعات ليست مجرّد مبانٍ تعليمية، بل مصانع للأفكار. العلماء ليسوا أفراداً معزولين، بل حوامل لمشاريع مستقبلية. والمراكز البحثية ليست مرافق خدمية، بل أدوات لإعادة تشكيل الواقع.

حين تُستهدف هذه العناصر، فإنّ الأضرار لا تقع في الحاضر فقط، بل تمتد إلى المستقبل. وهذا ما يجعل "قتل الأدمغة" مختلفاً جذرياً عن القصف التقليدي.

التقارير تشير إلى أنّ أكثر من 30 جامعة ومركزاً علمياً تعرّضت لهجمات مباشرة خلال فترة قصيرة. هذه ليست مصادفة.

فحين تُضرب جامعة طهران أو جامعة بهشتي أو جامعة أصفهان للتكنولوجيا، فإنّ الرسالة ليست عسكرية فقط، بل معرفية: ما يُستهدف هنا هو القدرة على التفكير، على الابتكار، على إعادة البناء.

استهداف ما تعرفه الدولة

هناك لحظة فارقة في كلّ حرب، لحظة يتغيّر فيها تعريف "الهدف". قصف ما يُعرف بـ"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الإيراني" لم يكن فقط ضربة على مبنى جامعي، بل إعلاناً صريحاً عن تحوّل في منطق الصراع: من استهداف ما تملكه الدولة، إلى استهداف ما تعرفه.

وحين تتناثر الكتب بين الأنقاض، ويظلّ العلم مرفوعاً فوق الخراب، نحن لا نشهد تدمير بنية تحتية، بل محاولة تفكيك منظومة إنتاج المعرفة نفسها. هذا النوع من الاستهداف لا يُقاس بحجم الدمار الفيزيائي، بل بعمق الفجوة التي يُراد إحداثها في المستقبل—فجامعة كهذه لا تُختزل في جدرانها، بل في الشبكات البشرية والعلمية التي تصنعها. وهنا تحديدًا، يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن قصف "فكرة"؟

لماذا استهداف الجامعات؟

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن تتحوّل الجامعات إلى أهداف عسكرية. لكنها وفق مخططات العدوان  "أهداف منطقية ضمن هذا الإطار الجديد للحرب".

الجامعات تمثّل نقطة التقاء بين 3 عناصر: المعرفة، والموارد البشرية، والبنية التحتية. وهي بذلك تشكّل "العقل المؤسسي" لأيّ دولة. تدميرها يعني تفكيك هذا العقل.

لكنّ الأهم من ذلك، أنّ الجامعات تُنتج ما يمكن تسميته بـ"الزمن المؤجّل"—أي الأفكار التي لم تتحقّق بعد، لكنها ستفعل. حين يُقصف مختبر، لا يُدمّر ما فيه فقط، بل يُدمّر ما كان يمكن أن يُنتجه خلال السنوات المقبلة. هذا ما يجعل استهداف الجامعات فعلاً استراتيجياً بامتياز.

اصطياد العقول: من القصف إلى "الاغتيال"

إذا كان قصف الجامعات يستهدف البنية، فإنّ اغتيال العلماء يستهدف الجوهر.

العدوان الأخير على إيران الذي أدى إلى اغتيال عدد من العلماء ليس مجرّد حدث أمني، بل مثال واضح على انتقال الحرب إلى "مستوى أكثر دقة". هنا، لا يتمّ تدمير مؤسسة كاملة، بل استهداف أفراد محدّدين يمثّلون نقاطاً حرجة في شبكة المعرفة.

هذه الاستراتيجية تقوم على فرضية بسيطة: بعض الأفراد لا يمكن تعويضهم بسهولة. عالم فيزياء نظري، أو خبير في الطاقة النووية، أو باحث في التكنولوجيا الحيوية—هؤلاء لا يمكن استبدالهم خلال أشهر أو حتى سنوات. اغتيالهم يخلق فجوة زمنية قد تستغرق عقوداً لسدّها.

وبهذا المعنى، فإنّ "اغتيال العقول" هو شكل من أشكال الحرب الزمنية: تأخير المستقبل عبر إزالة من يصنعونه.

عندما يصبح اللقاح هدفاً

لكن ربما أكثر ما يكشف طبيعة هذه الاستراتيجية هو استهداف القطاع الصحي، وتحديداً معهد "باستور" الرائد. هنا، نخرج من إطار الصراع العسكري إلى ما يمكن وصفه بالصراع الوجودي. معهد يعمل منذ أكثر من قرن على تطوير اللقاحات ومحاربة الأوبئة، يتحوّل فجأة إلى هدف. لماذا؟

الجواب يكمن في فهم جديد للقوة. في عالم ما بعد الجائحة، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية. القدرة على إنتاج اللقاحات، إدارة الأزمات الصحية، وحماية السكان أصبحت جزءاً أساسياً من الأمن القومي.

استهداف المعهد، إذاً، ليس فقط ضرباً لمرفق صحي، بل محاولة لإضعاف أحد أعمدة الصمود المجتمعي. إنه استهداف للحياة نفسها، ولكن بطريقة غير مباشرة.

الحرب السيبرانية: المعركة غير المرئية

إلى جانب الضربات المادية، هناك بُعد آخر أقلّ وضوحاً لكنه لا يقلّ أهمية: الحرب السيبرانية. الهجمات التي طالت البنوك ومنصات العملات الرقمية تشير إلى محاولة تعطيل النظام الاقتصادي من الداخل. هنا، لا تُستخدم الصواريخ، بل الشفرات. ولا تُقصف المباني، بل البيانات.

هذه الحرب تستهدف الثقة - الثقة في النظام المالي -، في القدرة على الوصول إلى الموارد، في استقرار الحياة اليومية. وهي بذلك تكمل ما بدأته الضربات العسكرية: تفكيك البنية، ليس فقط المادية، بل أيضاً الرمزية.

في لحظة تكشف بوضوح طبيعة هذه الحرب، ذهب دونالد ترامب إلى أبعد من التهديد العسكري، حين حذّر من أنّ "حضارة كاملة ستموت الليلة" إذا لم تُلبَّ المطالب الأميركية. هذا النوع من الخطاب لا يهدف فقط إلى الضغط السياسي، بل إلى إعادة تعريف الصراع نفسه: من نزاع بين دولتين إلى معادلة وجودية تُلغى فيها المنطقة الرمادية بالكامل، إما الامتثال أو الإبادة، وإما الانخراط في شروط المنتصر أو الخروج من التاريخ. هنا، تتحوّل الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على الحقّ في الاستمرار. وهذا ما لم يتحقّق.

في روايةٍ أخرى من روايات هذه الحرب التي لا تكتفي بالقصف، بل تسعى إلى إعادة تعريف ما يُقصف أصلاً، يخرج صوت إسماعيل بقائي المتحدّث باسم وزارة الخارجية  ليضع الهجمات في سياقٍ أوسع من مجرّد ضربات عسكرية. فاستهداف الجسور، كما يقول، "ليس تدميراً للإسمنت بقدر ما هو محاولة لكسر المعنى الذي تختزنه هذه البُنى: جهدٌ تراكمي، وعقلٌ هندسي، وذاكرةُ عملٍ طويل.

ماذا يعني "قتل الأدمغة" فعلاً؟

إذا جمعنا هذه العناصر معاً (استهداف الجامعات، اغتيال العلماء، ضرب المراكز الصحية، والهجمات السيبرانية) نحصل على صورة متكاملة.

"قتل الأدمغة" ليس فقط مصطلح بلاغي، بل وصف دقيق لاستراتيجية تهدف إلى:

1.   إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة

2.   تفكيك الشبكات البشرية التي تحمل هذه المعرفة

3.   تعطيل البنية التحتية التي تدعمها

4.   زرع الخوف في البيئات التي يفترض أن تكون آمنة

بعبارة أخرى، الهدف ليس فقط إضعاف الدولة، بل إعادة تعريف ما يمكن أن تكون عليه في المستقبل.

المفارقة: التدمير يولّد التماسك

لكن هنا تظهر مفارقة مثيرة للاهتمام— في كثير من الحالات، يؤدّي هذا النوع من الاستهداف إلى نتيجة عكسية. بدلاً من تفكيك المجتمع، يعزّز تماسكه. بدلاً من إضعاف الإرادة، يقوّيها.

التصريحات الرسمية التي تؤكّد استمرار العمل رغم الأضرار، والحديث عن إعادة البناء بشكل أفضل، ليست مجرّد دعاية. إنها تعبير عن آلية نفسية واجتماعية معروفة: حين يُستهدف ما هو أساسي—العلم، الصحة، التعليم—يتحوّل الدفاع عنه إلى مسألة هوية.

في النهاية، ما نشهده ليس فقط تصعيداً عسكرياً، بل هو اختبار لنموذجين مختلفين:

·      نموذج يرى القوة في القدرة على التدمير

·      ونموذج يرى القوة في القدرة على الاستمرار

"قتل الأدمغة" هو محاولة لفرض النموذج الأول، عبر إضعاف الثاني. لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود هذه المحاولة. لأنّ المعرفة، بخلاف البنية التحتية، لا يمكن تدميرها بالكامل. يمكن تعطيلها، تأخيرها، إضعافها—لكن ليس محوها.

إذا كان لا بدّ من تلخيص هذه الظاهرة في جملة واحدة، فهي هذه:

لم تعد الحرب تدور حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يسيطر على الزمن.

استهداف الجامعات يعني محاولة تعطيل المستقبل الأكاديمي. اغتيال العلماء يعني قطع سلاسل المعرفة. ضرب المراكز الصحية يعني إضعاف القدرة على البقاء. والهجمات السيبرانية تعني زعزعة الثقة في الحاضر.

كلّ ذلك يشير إلى تحوّل عميق: من حرب على الجغرافيا، إلى حرب على الزمن.

وفي هذا التحوّل، يصبح "قتل الأدمغة" ليس مجرّد تكتيك، بل استراتيجية كاملة—استراتيجية تهدف إلى جعل المستقبل نفسه ساحة معركة.

اقرأ أيضاً: إيران: العدوان الأميركي الإسرائيلي على معهد باستور الصحي لن يمر من دون رد

اخترنا لك