"الألياف الضوئية": ورقة إيران من المياه إلى السحاب!
إذا كان النفط هو "دم" الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، فإن "الضوء" المار عبر أعماق مضيق هرمز هو وعي العالم ونخاعه الشوكي في القرن الحادي والعشرين! فما هي أهمية كابلات الألياف الضوئية تحت مياه المضيق الشهير لإيران والعالم؟
-
ما هي أهمية كابلات الألياف الضوئية تحت مياه مضيق هرمز لإيران والعالم؟ (غرافيك: محمد دياب)
من قال إن الدفاع عن حياض الأرض والوطن، لا يستأهل استخدام كل السبل المتاحة و "أوراق القوة" الذكية، والشواهد التاريخية تنهض على ذلك..
في قاموس الذود عن الأوطان والأمم في هذا العصر، لا بد من الاقتدار والاتكال على العلم واستثمار الأدمغة والطاقات، و إفراد مساحات هامة للخطط البديلة عن التصدي العسكري التقليدي..
منذ انتصار الثور الإسلامية في إيران عام 1979 وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية الصعبة،وغيرها من أساليب الضغط وأحابيل المكر السياسي الأميركي والغربي، أحاطت طهران نفسها بكل ما يتعلّق بالتطور التكنولوجي والحرص على إيلاء سبل الحفاظ على مقومات البلاد في رأس مروحة اهتماماتها..
فقادة إيران وكوادرها كانوا يفقهون جيداً، أن الهجمة شرسة، وسيأتي يومٌ ينقّض فيه الأعداء على مقدرات الشعب الإيراني ومنجزاته الكبيرة.
ورقة إيرانية جديدة.. أهمية التوقيت العالمي
بينما يدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دوامة مراوحة ممجوجة تتأرجح بين التهديد والوعيد، تظهر إيران ورقة جديدة، في مضمار إظهار "الذكاء الدبلوماسي"، في توقيتٍ هام ومرحلة صعبة وحساسة تمرّ بها البلاد والمنطقة والعالم.
تتجه إيران إلى أحد الشرايين الخفية في الاقتصاد العالمي: الكابلات البحرية تحت الممر المائي التي تنقل الإنترنت وحركة المرور المالية بين أوروبا وآسيا والخليج.
فبينما تنشغل شاشات الأخبار بعدّ براميل النفط التي تعبر المضيق يومياً، تتدفق تحت تلك السفن مليارات البيانات، والرموز، والأسرار عبر شبكة معقدة من الألياف الضوئية (Fiber Optics). إنها "كابلات الأعماق" التي حوّلت مضيق هرمز من مجرد ممر مائي للطاقة التقليدية، إلى أحد أعمدة الاتصالات الرقمية بين الشرق الأقصى والقارة الأوروبية.
-
لقطة لتوزع كابلات الألياف الضوئية (مأخوذة من submarinecablemap منذ أيام )
ما هي "الألياف الضوئية" وكيف تطورت عبر التاريخ؟
والألياف الضوئية (Fiber Optics) هي خيوط مرنة ورفيعة مصنوعة من الزجاج النقي أو البلاستيك. تنقل البيانات بسرعة الضوء عبر نبضات ضوئية، ما يجعلها العمود الفقري لشبكات الاتصالات العالمية والإنترنت فائق السرعة بفضل قدرتها على تجاوز عيوب الأسلاك النحاسية التقليدية.
ويتكون كابل الفايبر من خيوط زجاجية أو بلاستيكية دقيقة جداً، رفيعة كالشعرة البشرية، لكنها قادرة على حمل كمٍّ هائل من المعلومات بسرعة تقارب سرعة الضوء.
والفكرة الأساسية تعتمد على تحويل البيانات الرقمية (الإنترنت – المكالمات – الفيديو – الصور) إلى نبضات ضوئية يتم إرسالها داخل الكابل. هذه النبضات تبقى محتجزة داخل قلب الكابل (Core) بفضل ظاهرة الانعكاس الداخلي الكلي. وعند وصولها للنهاية، تتحول مرة أخرى إلى بيانات مفهومة للأجهزة الإلكترونية.
والألياف الضوئية لم تظهر فجأة، بل مرّت بمراحل تطور طويلة:
1. البدايات (القرن التاسع عشر):
- 1840: الفيزيائي "دانيال كولادون" في جنيف عرض تجربة حول كيفية انتقال الضوء عبر تيار مائي داخل أنبوب زجاجي.
- 1854: العالم البريطاني "جون تيندل" أثبت عملياً أن الضوء يمكن أن ينعكس داخلياً ويبقى محصوراً في وسط شفاف – وهو الأساس العلمي لتكنولوجيا الفايبر.
2. الاستخدام الطبي (الخمسينيات):
- بدأ الأطباء باستخدام حزم من الألياف الزجاجية لتوجيه الضوء داخل جسم الإنسان ورؤية الأعضاء الداخلية.
- هذا قاد إلى تطوير أجهزة المناظير الطبية (Endoscopes).
3. الثورة التقنية (1960 – 1970):
1960: اختراع الليزر، وهو مصدر ضوء قوي ومستقر.
1970: شركة كورنينغ (Corning) الأميركية نجحت في تصنيع ألياف ضوئية نقية بخسارة إشارات أقل من 20 ديسبل/كم – ما جعلها صالحة للاستخدام التجاري.
4. الانتشار التجاري (1980 – 1990):
- مد أول كابلات فايبر عبر المحيطات لربط أميركا وأوروبا.
- استبدلت الكثير من الخطوط النحاسية في شبكات الاتصالات.
داخل كل محطة اتصالات (Cell Site)، يقبع عقلٌ مدبر يتحكم في كل ميجابايت تصل إلى جهازك
— My Communication Academy (@MyCommunicatio3) May 10, 2026
في هذا المقطع، سنرافق كابلات الألياف الضوئية (Fiber Optics) في رحلتها، لنكشف كيف تقوم وحدة الربط القاعدي (Baseband Unit - BBU) بتحويل الإشارات الضوئية إلى بيانات رقمية فائقة السرعة. من الربط… pic.twitter.com/lFElWEsDjZ
5. عصر الإنترنت (2000 – اليوم):
- الفايبر أصبح العمود الفقري للإنترنت العالمي.
- الكابلات البحرية اليوم تحمل أكثر من 95% من حركة الإنترنت العالمية.
6. المستقبل (2030 وما بعد):
- تطوير ألياف قادرة على نقل بيانات بسرعات بيتابِت/ثانية.
- الاعتماد الكامل على الفايبر في الجيل السادس 6G والمدن الذكية.
الأسلاك الزجاجية الدقيقة.. من التكنولوجيا إلى "الجيوبوليتيك"
لا يمكن قراءة هذه الأسلاك الزجاجية الدقيقة بمعزل عن موازين القوى. إنها ليست مجرد تكنولوجيا.. بل هي "جيوبوليتيك" من نوع آخر.
هذه الألياف الدقيقة، المحمية بطبقات من الفولاذ والعوازل، تنقل صفقات البورصة، والرسائل المشفرة بين الدول، والصور ، وأبحاث العلماء.
فإذا كان النفط هو دم الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، فإن الضوء المار عبر هرمز هو وعي العالم ونخاعه الشوكي في القرن الحادي والعشرين.
اقرأ أيضاً: شبكات الجيل السادس (6G).. سرعةٌ مذهلة ودمجٌ للذكاء الاصطناعي
باختصار، وثقة عالية يرفدهما الميدان الواثق والصمود العالي، تريد الجمهورية الإسلامية فرض رسوم على أكبر شركات التكنولوجيا في العالم مقابل استخدام كابلات الإنترنت تحت سطح البحر الموضوعة تحت مضيق هرمز.
وأعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، في قناة X الأسبوع الماضي: "سنفرض رسومًا على كابلات الإنترنت".
We will impose fees on internet cables.
— العميد إبراهيم ذو الفقاري (@Ibrahim_alFiqar) May 9, 2026
إيران بين الإرادة الجيو سياسية وفرض الرسوم السيادية
بالتوازي، قالت وسائل الإعلام غربية إن خطة طهران لاستخلاص الإيرادات من المضيق ستتطلب من شركات مثل "جوجل" و"مايكروسوفت" و "ميتا" و "أمازون" الامتثال للقانون الإيراني بينما سيُطلب من شركات الكابلات البحرية دفع رسوم الترخيص لمرور الكابلات، مع منح حقوق الإصلاح والصيانة حصرياً للشركات الإيرانية.
وأمس الإثنين قالت وكالة "أنباء فارس" إنه " عند فرض إدارتها على مضيق هرمز يمكن لإيران أن تعلن إخضاع كابلات الألياف الضوئية المارة عبر المضيق لتراخيص ولرسوم سيادية".
-
طهران تكرس معادلة السيطرة التامة على مضيق هرمز حتى الأعماق
وقالت وكالة "فارس" الإيرانية في تقرير لها بعنوان: "كنز بقيمة 10 تريليونات دولار في قاع مضيق هرمز"، إن جميع كابلات الألياف الضوئية في قاع المضيق، ستكون تحت السيادة الإيرانية المطلقة.
ومن نافل القول، إن وسائل الإعلام الإيرانية تشير دوماً إلى مصر باعتبارها سابقة. وقد استفادت القاهرة من الموقع الاستراتيجي لقناة السويس لاستضافة العديد من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا وآسيا، مما يدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً في رسوم العبور والتراخيص.
"فارس":
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) May 18, 2026
بعد فرض إدارتها على مضيق هرمز يمكن لإيران أن تعلن إخضاع كابلات الألياف الضوئية المارة عبر المضيق لتراخيص ولرسوم سيادية#الميادين pic.twitter.com/tBpGBXWrxy
اتفاقية قانون البحار وشواهد من دول أخرى
وتنص المادتان 2 و79 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ( UNCLS) على السيادة المطلقة للدولة الساحلية على قاع البحر الإقليمي وباطنه.
وفي السياق تقول وكالة أنباء فارس"ليس مرور سفينة، يقتصر حق المرور في الاتفاقية على السفن والطائرات فقط، ولا يشمل البنية التحتية الثابتة. لذا، يتطلب كل متر من الكابلات الأجنبية الموجودة في قاع مضيق هرمز تصريحاً إيرانياً، ويخضع للمراقبة، بل وحتى لتحصيل رسوم سيادية إيرانية".
-
الصورة - الرسم - تعطي توضيحاً لكابلات الألياف الضوئية "وكالة أنباء فارس"
وتعطي الوكالة أمثلة علىى ذلك: فمصر تجمع ما بين 250 و400 مليون دولار سنوياً من الكابلات التي تمر عبر مسارها البري بنظام رسوم رقمية.
كما تفرض سنغافورة رسوم تصريح سنوي، وتمارس إندونيسيا سيادتها من خلال ممرات إلزامية. وتكاليف بيروقراطية.
كما تعتبر روسيا أيضاً المشاركة الإلزامية لشركة مملوكة للدولة شرطًا أساسيًا لمرور الكابل عبر مسار القطب الشمالي.
هرمز.. حيث تلتقي "السيبرانية" بالجغرافيا
ما يثير الدهشة في جغرافية هرمز الرقمية، هو هذا التناقض الصارخ:
-فوق السطح: توترات مستمرة، مناورات عسكرية، وزوارق سريعة تترصد.
-في الأعماق: هدوء مطبق تسري فيه البيانات بأمان، يربط بين ضفتين قد تختلفان في السياسة، لكنهما تلتقيان في حتمية الاتصال.
فالدول المطلة على هذا المضيق،تدرك تماماً أن أي اهتزاز في هذه الشبكات الحيوية يعني "سكتة دماغية" رقمية لبلدان بأكملها. لذلك، تحولت مياه هرمز إلى حقل حماية غير معلن، فالجميع بحاجة إلى هذا الضوء، والجميع يخشى العتمة.
View this post on Instagram
هرمز: من الرمال والمياه إلى السحاب
بالإجمال، نرى أن الألياف الضوئية في منطقة هرمز قد أعادت صياغة مفهوم "القوة". وربما لم يعد النفوذ يقاس فقط بعدد المدافع المنصوبة على الجبال، بل بعدد "كابلات الهبوط" (Landing Stations) التي تستضيفها الشواطىء!
على سبيل المثال، تحولت بفضل موقعها الاستراتيجي عند مدخل المضيق إلى مركز عالمي لربط هذه الكابلات البحرية، مستغلة استقرارها السياسي لتكون "مقسماً عالمياً" يربط القارات.
إنها مفارقة الصحراء والتقنية، حيث تنبت من بين الصخور الجافة أحدث تكنولوجيا عرفتها البشرية، وحيث يتحول رمل "السيليكا" المستخرج من الأرض إلى زجاج نقي ينقل الضوء والبيانات بسرعة فائقة ومنقطعة النظير.
قد يهدأ ضجيج السفن يوماً، وقد تتغير مصادر الطاقة الفوقية، لكن الأكيد أن "أشباح الضوء" الساكنة في أعماق هرمز ستظل تغزل حكاية العولمة، مذكرّة إيانا بأن العالم، رغم كل صراعاته على السطح، محكوم عليه بالاتصال في الأعماق.
إنها جدلية السياسة والتكنولوجيا، حيث يظل الضوء، رغم كل شيء، أقوى من الظلام.