هل يمكنما التمييز بين التحدّث إلى البشر أو الذكاء الاصطناعي؟.. علماء يجيبون!

لطالما كان هذا أحد الأسئلة التي يطرحها الناس عند تقييم مدى الذكاء الاصطناعي للحواسيب فعلياً، وهل يمكننا التمييز بين ما إذا كنا نتحدّث إلى إنسان آخر أم إلى ذكاء اصطناعي؟.. علماء يجيبون!

  • لايزال بعض الباحثين يشككون في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي في الحواسيب قادرة على التفكير الحقيقي مثل البشر
    لا يزال بعض الباحثين يشكّكون في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي في الحواسيب قادراً على التفكير الحقيقي مثل البشر

يعود أصل هذا التساؤل إلى "اختبار تورينغ"، الذي وضعه عالم الرياضيات وعلوم الحاسوب الإنكليزي، آلان تورينغ، عام 1950، محوّلاً التفكير الفلسفي حول ذكاء الآلة إلى اختبار تجريبي للمرة الأولى.

وبحسب هذا الاختبار، إذا كان سلوك الحاسوب غير قابل للتمييز عن سلوك الإنسان، فإنه يُعدّ حينها مظهراً من مظاهر "السلوك الذكي".

لكن عندما قيل إنّ روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي قد اجتاز الاختبار للمرة الأولى في عام 2014 - بدلاً من أن تكون لحظة فاصلة، فقد أثارت هذه المسألة جدلاً واسعاً.

"لعبة تقليد"

"اختبار تورينغ" هو لعبة تقليد، يتواصل فيها شخص عبر النص مع إنسان آخر وحاسوب. ويُسمح للشخص بطرح أيّ أسئلة يشاء، قبل أن يُطلب منه في النهاية تحديد أيهما الإنسان وأيهما الآلة.

وقال الدكتور كاميرون جونز، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة ستوني بروك في نيويورك: "قال تورينغ إنه إذا لم يتمكّن الناس من التمييز بشكل موثوق بين البشر والآلات، فلن تكون لدينا أيّ أسس للقول إنّ الإنسان قادر على التفكير بينما الآلة غير قادرة على ذلك".

وكان تورينغ قد توقّع أنه بحلول عام 2000، ستصبح الحواسيب قادرة على اجتياز هذا الاختبار والتظاهر بأنها بشر، بعد خمس دقائق من الأسئلة، في ما لا يقلّ عن 30 في المئة من الحالات.

"عدم اللعب بنزاهة"

  • هل يمكنما التمييز بين التحدّث إلى البشر أو الذكاء الاصطناعي؟.. علماء يجيبون!
    الروبوت لا يلعب اللعبة بنزاهة!

عام 2014، نجح روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي يُدعى يوجين غوستمان، في إقناع 33 في المئة من الحكّام بأنه إنسان ضمن اختبار تورينغ، متجاوزاً العتبة التي حدّدها منظّمو المسابقة. وكان الروبوت يتواصل باللغة الإنكليزية، متقمّصاً شخصية فتى أوكراني يبلغ من العمر 13 عاماً.

وقال الدكتور ماركوس بانتسار، الفيلسوف والمحاضر الزائر في جامعة الراين-الويستفالية التقنية في آخن، إنّ هذا يعني أنّ الروبوت "لم يكن يلعب اللعبة بنزاهة".

وأضاف أنّ "أوجه القصور لدى روبوت المحادثة تتوافق إلى حدّ ما مع أوجه القصور المتوقّعة في اللغة الإنكليزية لدى فتى أوكراني مراهق".

وفي ورقة بحثيّة نُشرت مطلع عام 2025، توصّل جونز إلى أنّ "شات جي بي تي 4.5"، التابع لشركة "أوبن إيه آي"، صُنِف على أنه إنسان في 73 في المئة من الحالات، أي بنسبة تفوق تصنيف النظير البشري نفسه.

في المقابل، صُنّف نموذج "لاما 3.1"، التابع لشركة "ميتا"، على أنه إنسان في 56 في المئة من الحالات.

وقال جونز: "أعتقد أنه من الصعب المجادلة بأنّ هذه النماذج لم تجتَزْ الاختبار، ما دامت تُقيَّم على أنها بشر بمعدل يفوق البشر أنفسهم بشكل ملحوظ".

ومع ذلك، لا يزال بعض الباحثين متشكّكين في ما إذا كانت هذه النتائج تُثبت فعلاً أنّ الحواسيب قادرة على التفكير الحقيقي.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني: تحديات أخلاقية وتربوية

"حجة الغرفة الصينية"

في عام 1980، طرح الفيلسوف جون سيرل، تجربة فكرية عُرفت باسم "حجة الغرفة الصينية".

تقوم الفكرة على الآتي: يُحتجز رجل إنكليزي لا يفهم اللغة الصينية داخل غرفة، وبحوزته مجموعة من الرموز الصينية وتعليمات مكتوبة بالإنكليزية توضّح كيفية استخدامها، ويقوم أشخاص خارج الغرفة بتمرير ملاحظات إليه تحتوي على أسئلة مكتوبة بالصينية، فيستخدم التعليمات لتكوين ردود مكتوبة بالصينية أيضاً.

وبالنسبة لمن هم خارج الغرفة، سيبدو وكأنّ الرجل يتحدّث الصينية، لكنه في الحقيقة لا يفهم ما يقوله. ويرى بعض الفلاسفة أنّ الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على الحواسيب، التي لا تفهم المعنى فعلياً، بل تُبرمج فقط لإعطاء ردود مناسبة.

وقال جورج مابوراس، وهو مهندس برمجيات مقيم في كاليفورنيا طوّر بدوره بديلاً خاصاً لاختبار تورينغ: "على الرغم من أنّ اختبار تورينغ يدّعي أنه يحدّد الذكاء، فإنه في الأساس يحاول معرفة ما إذا كانت الآلة قادرة على محاكاة البشر بشكل جيد بما يكفي".

وطرح مثالاً لتوضيح فكرته، قائلاً: "يمكنك فتح أيّ روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي، وأن تطلب منه أولاً شرح كيفية عمل الساعة التناظرية، وسيقدّم شرحاً دقيقاً".

لكن إذا طلبت منه توليد صورة لساعة تُظهر وقتاً محدّداً، فمن المرجّح أن تفشل نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية في ذلك، وأضاف: "هو في الواقع لا يفهم المعلومات حقاً".

ويرى آخرون، أنّ اختبار تورينغ يضع تركيزاً مفرطاً على قدرة الحاسوب على خداع المحكّم.

اختبارات بديلة

طرح الفيلسوف بانتسار اختباراً بديلاً يُعرف باسم "اختبار الذكاء القائم على المجتمع"، وهو واحد من بين عدة بدائل اقتُرحت على مرّ السنوات.

وعلى خلاف "اختبار تورينغ" القائم على المختبرات، يقوم سيناريو بانتسار على وضع نظام ذكاء اصطناعي داخل مجتمع قائم بالفعل - مثل مجتمع إلكتروني لعلماء الرياضيات - من دون علم أفراده، وبعد فترة من الزمن، يختبر أعضاء المجتمع لمعرفة ما إذا كانوا قد اكتشفوا أنه آلة أم لا.

ورغم بقاء قدر من الخداع، يرى بانتسار أنّ جوهر الاختبار يتمثّل في أن يتصرّف النظام "بطريقة تشبه الحياة البشرية"، لا أن "ينتحل شخصية إنسان"، معتبراً أنّ هذا فارق مهم.

وقال الفيلسوف: "يجب تقييم الذكاء في ظروف طبيعية، أي في البيئات التي ننخرط فيها فعلياً"، مضيفاً أنّ "اختباره يشجّع المطوّرين على التركيز على مدى فائدة نظام الذكاء الاصطناعي عند تصميمه، بدل التركيز على قدرته على اجتياز اختبار قائم على الخداع من عدمه".

في المقابل، طوّر مابوراس، اختباراً مختلفاً، قال إنه يعتمد على مقياس أكثر واقعية للذكاء، ويرى أنّ الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العامّ - وهو مفهوم نظري يشير إلى آلة تمتلك القدرة الذهنية نفسها التي لدى الإنسان - سيكون ممكناً عندما تتمكّن الآلة من "ابتكار معرفة علمية جديدة وشرحها"، شريطة أن يكون لديها مسبقاً جميع المعلومات اللازمة لذلك.

وعلى الرغم من الانتقادات، يرى بعض الباحثين أنّ "اختبار تورينغ" لا يزال يحتفظ بمكانته في أبحاث الذكاء الاصطناعي الحديثة.

وقال جونز: "إنّ طبيعته المفتوحة وعدم تحديد الأسئلة بشكل صارم يتيحان له اختبار "نوع من الذكاء الديناميكي والمرن"، مضيفاً أنه "إذا استبدلنا ذلك بمجرّد معيار ثابت آخر، فأعتقد أننا نسيء فهم ما كان تورينغ يسعى إليه".

معركة خاسرة

وبقطع النظر عن الاختبار المستخدم، يرى بانتسار أنه مع استمرار تطوّر أنظمة الذكاء الاصطناعي، من المرجّح أن تصبح هذه الأنظمة غير قابلة للتمييز عن البشر.

وقال بانتسار: "في نهاية المطاف، هذه معركة خاسرة نخوضها"، ويجادل بأنّ "إثبات ذلك من شأنه أن يبرّر الحاجة إلى أطر قانونية تُلزم أنظمة الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن كونها ذكاءً اصطناعياً، وذلك لأسباب تتعلّق بالمساءلة".

وأضاف: "لو نشرت بحثاً يتضمّن بيانات خاطئة، فأنا المسؤول عن ذلك. أما إذا كان البحث مكتوباً بواسطة ذكاء اصطناعي، فلا يكون هناك أحد يتحمّل المسؤولية".

كما يرى جونز أنّ من المهم قياس مدى قدرة الآلة على محاكاة الإنسان، ما يجعل اختبار تورينغ لا يزال ذا صلة في الوقت الحاضر.

وقال: "نقضي وقتاً طويلاً في التفاعل مع أشخاص عبر الإنترنت". وأضاف: "وبشكل متزايد، بدأ الناس يختبرون تجربة الدخول في جدال مع حساب على تويتر، ثم يدركون فجأة: في الواقع، أنا لا أتحدّث إلى إنسان".

وتابع: "أحد الأمور التي أعتقد أنّ اختبار تورينغ يقدّمها هو تتبّع هذه القدرة، أي قياس مدى احتمال حدوث مثل هذا الأمر".

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى نهاية العالم وانقراض البشرية!

اخترنا لك